Friday, November 28, 2014
0

التفاوت وعدم المساواة في تقدم مضطرد

إلى أي مدى يتعين علينا أن نتخوف بشأن عدم المساواة؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب منا أن نجيب أولاً على سؤال آخر: "مقارنة بماذا؟". ما هو المعيار الذي نحكم من خلاله على درجة التفاوت أو عدم المساواة التي نراها؟

من الصعب، على المستوى العالمي، أن نزعم أن عدم المساواة يمثل أحد مشاكل العالم السياسة الاقتصادية الكبرى. ومن العسير، بالنسبة لي على الأقل، أن أتصور أن أي ترتيبات سياسية أو سياسات اقتصادية بديلة، طيلة الخمسين عاماً الماضية، كان من شأنها أن تحول أي حصة تذكر من ثروات دول اليوم الغنية إلى دول اليوم الفقيرة.

أستطيع أن أتصور بسهولة بعض البدائل، مثل الانتصارات الشيوعية في انتخابات ما بعد الحرب العالمية الثانية في بلدان مثل إيطاليا وفرنسا، والتي كان من شأنها أن تصيب دول اليوم الغنية في الشمال بالفقر. كما أستطيع أن أتخيل البدائل التي كان من شأنها أن تحول الدول الفقيرة إلى الثراء: فلو كان دينج زياوبينج ، على سبيل المثال، قد أصبح زعيماً للصين في العام 1956 بدلاً من العام 1976، لكانت أحوال الصين قد تبدلت منذ ذلك الوقت. إلا أن البدائل التي كان من شأنها أن تجعل الجنوب أكثر ثراءً على حساب الشمال، فلابد وأنها كانت ستتطلب ثورة شاملة في السيكولوجية البشرية.

ولا ينبغي لنا أن ننزعج كثيراً حين نرى أن بعض الأشخاص أكثر ثراءً من غيرهم. ذلك أن بعض الناس يكدون في عملهم كداً، ويوظفون ذكاءهم على نحو أكثر براعة، أو ربما يصادف بعض الناس ببساطة قدراً من الحظ يسمح لهم بالتواجد في المكان المناسب في الوقت المناسب. إلا أنني لا أرى ما هي الترتيبات السياسية الاقتصادية البديلة التي كانت قد تجعل الثروة النسبية للأفراد أكثر توافقاً مع جدارتهم الأخلاقية النسبية. إن المشاكل التي نستطيع التعامل معها هي تلك المشاكل المرتبطة بالفقر والضمان الاجتماعي ـ أو توفير شبكة الأمان ـ ولكن ليس مشكلة عدم المساواة أو التفاوت بين الناس.

أما على مستوى المجتمعات الفردية، فأنا أعتقد أن عدم المساواة يمثل مشكلة سياسية اقتصادية خطيرة. ففي الولايات المتحدة ارتفع متوسط الكسب الإضافي الذي يتلقاه الحاصلون على شهادة جامعية، مقارنة بغير الحاصلين على شهادة جامعية، من 30% إلى 90% خلال العقود الثلاثة الماضية، وذلك بعد أن أصبحت المتطلبات المهارية الاقتصادية أعظم من قدرة النظام التعليمي على الوفاء بها. ولأن المهارات المطلوبة المكتسبة عن طريق التعليم الرسمي قد أصبحت أكثر ندرة نسبياً، فقد ارتفع الكسب الإضافي المترتب على التعليم الجيد. وهو الأمر الذي يؤدي إلى المزيد من التوزيع غير المتساوي للدخل والثروة.

وطبقاً لتقرير سيسي راوس و أورلي آشينفيلتر من جامعة برينستون فإنهما لم يجدا من الدلائل ما يشير إلى أن من يتلقون قدراً ضئيلاً من التعليم يفعلون ذلك لأن التعليم ليس مجزياً بالنسبة لهم: والأمر المؤكد أن الفوائد التي يتحصل عليها أصحاب التعليم الضئيل نتيجة لقضاء سنة إضافية في المدارس تبدو أعظم من الفوائد التي قد يتحصل عليها من يقضون أعواماً طويلة في التعليم. إن بذل قدر أعظم من الجهد لرفع المستوى المتوسط للتعليم في أميركا كان من شأنه أن يجعل البلاد أكثر ثراءً وأن يجعل توزيع الدخل والثروة أكثر تساوياً، وذلك من خلال جعل العاملين المتعلمين أكثر وفرة، وجعل العثور على العمال الأقل مهارة أكثر صعوبة ـ وبهذا تزداد قيمة العامل المتعلم في السوق.

وعلى نحو مماثل، يكسب كبار المديرين التنفيذيين في الشركات الأميركية اليوم ما يقرب من عشرة أمثال ما كان أمثالهم يكسبونه منذ جيل واحد. وهذا لا يعني أن جهد هؤلاء المديرين ومهاراتهم الإدارية والتفاوضية قد تضاعفت اليوم إلى عشرة أمثالها، بل إن السبب وراء هذا يرجع إلى أن حملة الأسهم الآخرين في الشركات أصبحوا أقل قدرة على منع كبار المديرين والممولين من الفوز بالمزيد من القيمة المضافة.

نستطيع أن نجد أمثلة مشابهة في أماكن أخرى من العالم. ففي داخل كل دولة، ترجع الزيادة في التفاوت التي شهدناها أثناء حياة الجيل الماضي، وبصورة كبيرة، إلى إخفاقات الاستثمار الاجتماعي والتغييرات التي طرأت على التنظيمات. فضلاً عن ذلك، فلم يصحب ذلك أي تسارع في المعدل الإجمالي للنمو الاقتصادي. ويبدو الأمر في مجمله وكأن هذه التغييرات التي طرأت على الاقتصاد والمجتمع لم تسفر عن زيادة في الثروة، بل لقد أدت إلى اتجاه صاعد في توزيع الثروة ـ صراع طبقي فاز به جناح اليمين.

هذا النوع من التفاوت وعدم المساواة لابد وأن يشكل مصدراً للانزعاج. الحقيقة أن أشخاصاً مثل بل جيتس ، و بول آلن ، و ستيف بالمر وغيرهم من أصحاب الملايين والمليارات، يتسمون بالعبقرية والاجتهاد، وهم بالتالي يستحقون هذا الثراء. إلا أن 5% فقط من ثرواتهم يمكن تبريرها باعتبارها حافزاً اقتصادياً لتشجيع رجال الأعمال والشركات. أما بقية ثرواتهم (95%) فقد كان من شأنها أن تعمل على خلق المزيد من السعادة والفرص إذا ما تم توزيعها بالتساوي بين المواطنين الأميركيين أو غيرهم.

إن المجتمع الذي يعاني من التفاوت الشديد ليس من الممكن إلا أن يتحول إلى مجتمع ظالم. والحقيقة أن أكثر ما يحاول الآباء في أي مجتمع توفيره لأبنائهم يتلخص في منحهم ما يوفر لهم ميزة السبق. وكلما كان أولئك الآباء أكثر ثراءً كلما كانت فرص السبق لأبنائهم أكبر. وعلى ��ذا فإن المجتمعات التي تعد بالمساواة في الفرص لا ينبغي لها أن تسمح للتفاوت في نواتج هذه الفرص بأن تكون أعظم مما ينبغي.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured