Friday, October 24, 2014
0

السياسات الصناعية تفيق من سباتها

واشنطن، العاصمة ـ لقد شهد عام 2010 تأكيداً قوياً على واحد من أعظم الأسرار الاقتصادية تكتما: ألا وهو أن أغلب بلدان العالم، سواء عن قصد أو من دون تعمد، تلاحق سياسات صناعية على نحو أو آخر. ولا يصدق هذا فقط على الصين وسنغافورة وفرنسا والبرازيل ـ البلدان المرتبطة عادة بمثل هذه السياسات ـ بل ويصدق أيضاً على المملكة المتحدة وألمانيا وشيلي والولايات المتحدة، وهي البلدان التي عودتنا على سياسات صناعية أقل صراحة.

وإذا ما علمنا أن السياسات الصناعية تشير على نطاق واسع إلى أي قرارات حكومية أو تنظيمات أو قوانين تشجع نشاطاً مستمراً أو استثماراً في أي صناعة، فلا ينبغي لهذا أن يفاجئنا. ذلك أن التنمية الاقتصادية والنمو المستدام يأتيان كنتيجة للتغير الصناعي والتكنولوجي المستمر، وهي عملية تتطلب التعاون بين القطاعين العام والخاص.

وتؤكد الأدلة التاريخية أن البلدان التي نجحت في التحول من اقتصاد زراعي إلى اقتصاد حديث ـ بما في ذلك بلدان أوروبا الغربية وأميركا الشمالية، ومؤخراً بلدان شرق آسيا ـ كانت تستعين بحكومات حريصة على تنسيق الاستثمارات الرئيسية من خلال الشركات الخاصة التي ساعدت في إطلاق صناعات جديدة، وكثيراً ما قدمت الحوافز للشركات الرائدة.

وحتى قبل الأزمة المالية العالمية الأخيرة وما تلاها من ركود، كانت الحكومات في مختلف أنحاء العالم تقدم الدعم للقطاع الخاص من خلال إعانات الدعم المباشرة، أو الإعفاءات الضريبية، أو الاقتراض من بنوك التنمية من أجل تعزيز النمو ودعم خلق فرص العمل. ولقد سعت المناقشات السياسية في العديد من القمم الرفيعة المستوى إلى تعزيز جوانب أخرى من السياسات الصناعية، بما في ذلك التمويل العام للمطارات والطرق السريعة والموانئ وشبكات الكهرباء والاتصالات وغير ذلك من البُنى الأساسية، وتحسين الفعالية المؤسسية، والتأكيد على أهمية التعليم ومهارات العمل، وتبني إطار قانوني أكثر وضوحا.

ولقد أدت الأزمة العالمية إلى إعادة النظر في الدور الاقتصادي الذي تلعبه الحكومات. والتحدي الذي تواجهه السياسات الصناعية أعظم، وذلك لأنها لابد وأن تساعد في تصميم برامج تتسم بالكفاءة تحت رعاية الحكومة وحيث ينسق القطاعان العام والخاص جهودهما لتطوير تكنولوجيات وصناعات جديدة.

بيد أن التاريخ ينبئنا بأنه في حين حاولت الحكومات في كافة البلدان المتقدمة تقريبا الاضطلاع بدور تيسيري عند نقطة ما، فإن أغلب هذه المحاولات منيت بالفشل. والواقع أن التاريخ الاقتصادي للاتحاد السوفييتي السابق، وأميركا اللاتينية، وأفريقيا، وأسيا كان يتسم بالاستثمار العام الذي يفتقر إلى الكفاءة والتدخلات الحكومية الخاطئة التي عملت على توليد العديد من الأوهام والضلالات الاقتصادية.

ويبدو أن هذه الإخفاقات الواسعة الانتشار ترجع في أغلب الأحوال إلى عجز الحكومات عن توفيق جهودها مع موارد بلدانها ومستويات التنمية فيها. والواقع أن نزوع الحكومات إلى استهداف صناعات مفرطة في الطموح وغير متوافقة مع الموارد والمهارات المتاحة يساعد في تفسير انتهاء محاولات هذه الحكومات لاختيار الفائزين إلى اختيار الفاشلين في كثير من الأحيان. وفي المقابل، ركزت الحكومات في العديد من البلدان النامية الناجحة على تعزيز الصناعات التي كانت طيبة الأداء في البلدان ذات الموارد المماثلة.

وعلى هذا فإن الدرس المستفاد من التاريخ الاقتصادي والتنمية واضح وصريح: فالدعم الحكومي الموجه نحو ترقية وتنويع الصناعات لابد وأن يرتكز إلى الموارد الضرورية. وعلى هذا النحو فبمجرد إزالة القيود المفروضة على الصناعات الجديدة، يصبح بوسع الشركات الخاصة العاملة في هذه الصناعات اكتساب القدرة على المنافسة محلياً ودوليا. وبهذا فإن السؤال هنا يصبح كيف نتعرف على الصناعات القادرة على المنافسة وكيف نعمل على صياغة وتنفيذ السياسات الكفيلة بتيسير تنمية هذه الصناعات.

والواقع أن أغلب الصناعات متقدمة في البلدان المتقدمة، وهو ما يشير إلى أن ترقية الصناعات تتطلب الإبداع. وقد يساعد في هذا السياق أيضاً دعم البحوث الأساسية وتسجيل براءات الاختراع لحماية الإبداع الناجح. أما عن البلدان النامية فقد قمت أنا وسيلستين مونجا مؤخراً بابتكار نهج جديد ـ أطلقنا عليه تحديد إطار تحديد وتيسير النمو ـ قد يفيد حكومات البلدان النامية في زيادة احتمالات النجاح في دعم الصناعات الجديدة.

ويقترح هذا الإطار أن يقوم صناع القرار السياسي والمشرعون بتحديد الصناعات القابلة للتداول والتي كان أداؤها طيباً في البلدان الناشئة التي تتمتع بموارد ومهارات مماثلة، والتي يصل نصيب الفرد في دخلها إلى ضعفي نظيره في بلدهم تقريبا. وإذا كانت الشركات الخاصة المحلية في هذه القطاعات حاضرة بالفعل، فإن صناع القرار السياسي لابد وأن يعملوا على تحديد وإزالة القيود المفروضة على ترقية هذه الشركات تكنولوجياً أو على دخول شركات أخرى. وفي الصناعات حيث تغيب الشركات المحلية، فيتعين على صناع القرار السياسي أن يسعوا إلى اجتذاب الاستثمار المباشر الأجنبي من البلدان التي ترغب في محاكاتها أو تنظيم البرامج لاحتضان شركات جديدة.

ويتعين على الحكومات أيضاً أن تولي اهتماما كبيرا للتنمية والتطوير بواسطة الشركات الخاصة للمنتجات الجديدة والقادرة على المنافسة، ودعم ترقية إبداعات القطاع الخاص الناجحة في الصناعات الجديدة. وفي البلدان التي تتسم ببيئة عمل فقيرة، فإن المناطق الاقتصادية الخاصة أو المجمعات الصناعية قادرة على تيسير دخول الشركات، والاستثمار المباشر الأجنبي، وتشكيل التجمعات الصناعية. وأخيرا، قد يكون بوسع الحكومة أن تساعد الشركات الرائدة في الصناعات الجديدة من خلال تقديم الحوافز الضريبية لمدة محدودة، والمشاركة في تمويل الاستثمارات، أو توفير فرص الحصول على الأرض أو النقد الأجنبي.

ويزود نهجنا هذا صناع القرار السياس�� في البلدان النامية بإطار عمل للتصدي لتحديات التنسيق الشاقة الكامنة في عملية إنشاء صناعات جديدة قادرة على المنافسة. كما يوفر هذا النهج إمكانية تغذية بيئة الأعمال المفضية إلى نمو القطاع الخاص، وخلق فرص العمل، والحد من الفقر.

وفي حين يناضل الاقتصاد في مختلف بلدان العالم من أجل الحفاظ على النمو أو استعادته في عام 2011، فمن المرجح أن تصبح الأضواء المسلطة على السياسات الصناعية أكثر سطوعاً وتركيزاً من أي وقت مضى. وبالاستعانة بإطار العمل السليم فلا يوجد من الأسباب ما قد يجعلها تبقى في الظل.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured