Tuesday, November 25, 2014
0

السياسات الطائفية الجديدة في الهند

مرة أخرى، تلقي الطوائف الهندية بظلها على السياسات الهندية. كان من المفترض أن تساعد "الحجوزات" (المقاعد المحجوزة) لهذه الطوائف في التعليم والوظائف الحكومية في دعم فقراء الهند، ولكنها، وعلى أرض الواقع، ساعدت على تقوية نظام التمييز موغر القدم في الهند بدلاً من إضعافه.

وبين الحين والآخر، وخصوصاً قبل الانتخابات، تطالب المجموعات الطائفية بمكانها على لوائح "الغير من الطبقات المتأخرة" (غ ط م)، في سبيل الاستفادة من هذه "الحجوزات". وبالفعل، تدلي الأحزاب السياسية بجزرة "الحجوزات" أمام الكثير من الطوائف، لا بل تزيد بالوعود في توسعة هذه الحجوزات لتطال سياستها الدخول إلى مؤسسات النخبة التعليمية والقطاع الخاص.

يعتبر الكثير من الناس أن مسير الهند على خطى الطائفية إنما هو توكيد مرحب "بالهوية". وبالفعل، ينادي معظم المفكرين والسياسيين بشكل عام بسياسة الهوية الطائفية باعتبارها خطوة نحو تحقيق المساواة الحقيقية. ويغالي بعضهم في الدفاع عن هذا التوجه لدرجة أن يعتبر أن الظهور الأخير للأقليات الطائفية في الشمال الهندي وتطبيق الحكومة المركزية لمبدأ الحجوزات الطائفية إنما هو ثورة صامتة وبأن السياسة الطائفية إنما هي نظام لا ديني يقف في وجه الطائفية الدينية.

وعلى كل حال، يجب أن تعتمد السياسات العامة على المنطق والدليل وليس على الهرطقة السوسيولوجية السطحية. وبغض النظر عن أن اعتبار الطائفية مؤشراً اجتماعياً اقتصادياً جيداً أو خلاف ذلك، يبقى الحرمان مشكلة غير محلولة. وبالفعل لن يستطيع مبشرو الطائفية والسياسات العامة التي تعتمد الطائفية أساساً لخطوطها العريضة إثبات ادعاءاتها من خلال مسوحات صغيرة مضللة لبلد متعدد الطوائف كثير التنوع كبير كالهند. علاوة على ذلك غالباً ما تقسم هذه الاستطلاعات الهند إلى ثلاثة طوائف كبرى الأمر الذي يشوه الصورة الحقيقية.

منذ استقلال الهند، رفضت حكومتها أن تجمع معلومات دقيقة عن المكونات الاجتماعية الاقتصادية للطوائف. وتم تجاهل الكم الهائل من المعلومات التي جمعت خلال الاحصاءات العامة وتقارير تسوية عائدات الأراضي التي أعدت في الفترة ما بين العام 1903 و 1931. ولو كانت الطائفة مؤشراً جيداً للحرمان الآن لكانت أكثر وضوحاً في الماضي. ولكن التحليل الإحصائي لهذا الدليل ـ وهي المعلومات الكمية الوحيدة على المستوى الكلي والتي يمكن الحصول عليها ـ لا يثبت كون الطائفة مؤشراً واضحاً للحرمان.

وعلى سبيل المثال، يشغل حالياً أقل من ثلث العمال الوظائف المحجوزة عادة لطوائفهم. يلاحق العمال من كل طائفة طيفاً واسعاً من الوظائف على الرغم من أن الزراعة تؤمن حصة الأسد من الوظائف الممنوحة. ضمت كل طائفة مزيجاً متنوعاً من العمال والمزارعين ومالكي الأراضي. وبينما ركزت بعض الطوائف على بعض المهن توزعت اهتمامات غيرها من الطوائف بشكل مساوٍ على وظائف أخرى. واقتصر التعلم والحصول على الوظائف الحكومية أو المهن رفيعة المستوى على قسم صغير من السكان غالباً ما ينتمي للنخب العليا من المجتمع.

ولم يكن توزيع الأراضي عادلاَ وغالباً ما تم التمييز بين المزارعين – الفئة الوظيفية الفردية الأكبر لدى معظم الطوائف والتي تضم المراتب الروحية على اختلافها ـ على أساس الحجم والمركز الاقتصادي. وتشابه حجم الممتلكات في ما بين معظم الطوائف العليا وبعض الطوائف الدنيا. الأمر الذي أدى إلى التفاوت الكبير بين الوضع الاقتصادي للعائلات ضمن نفس الطائفة.

وعلى كل الأحوال كانت غالبية الفلاحين سواء انتمت إلى طوائف عليا أو طوائف دنيا مدقعة في الفقر. ولكن وفي نفس الوقت كان يمكننا أن نلحظ وجود الملاك وكبار المزارعين والتجار ضمن الطوائف ذات المرتبة الروحية المنخفضة، لا بل كان الكثير منهم يدفع ضرائب الدخل.

وفي حال نظرنا على سبيل المثال إلى معدل المركز الاقتصادي لأفراد كل طائفة في الشريحة التالية، لوجدنا بأن معظم الطوائف ذات المراتب العالية تحتل مراكز اقتصادية متقدمة بينما وعلى العكس حكم على معظم أفراد طوائف "اللا مساس" بأدنى المراكز الاقتصادية. ولكن في بعض المناطق مثل ميسور (كارناتاكا) وماداراس (تاميل نادو) وأوتار براديش على سبيل المثال، تحتل بعض الطوائف الروحية الدنيا مراكز اقتصادية أكثر أهمية من تلك التي تحتلها الطوائف الروحية العليا.

تبدو الحقيقة الأكثر وضوحاً في البيانات المجموعة، تفاوت المراتب الاقتصادية ما بين الطوائف المتساوية من ناحية المرتبة الروحية. وتزداد حدة هذه الاختلافات بين الطبقات متوسطة المرتبة، التي يطلق عليها في يومنا هذا اسم "الغير من الطبقات المتأخرة"، ويمكننا ملاحظتها عبر جميع أنحاء الهند. وحتى ضمن مجموعات "اللا مساس" تحتل بعض الطوائف مراتب اقتصادية أعلى من غيرها.

ضمن الطبقات المتوسطة من الطوائف الزراعية، حصل بعضها على مواقع اقتصادية أعلى من خلال الاستفادة من الري بالقنوات ومن خلال التوجه التجاري. واحتلت معظم الطوائف الزراعية والحرفية من المرتبة الروحية ذاتها مراكز اقتصادية متدنية، الأمر الذي أدى إلى درجة كبيرة من اللاانسجام بين الطوائف الدنيا. وفي بعض المناطق ـ مثل أوتار براديش وبومباي (ماهاراشترا وجوجارات) والمناطق الناطقة بلغة التالوغو من مدراس (آندرا براديش) ـ تحتل بعض الطوائف المتخلفة المراكز الاقتصادية الدنيا وليست طوائف اللا مساس من يحتلها.

وبالتالي، لا يمكن اعتبار الطائفة مؤشراً حقيقياً للحرمان المادي حتى خلال العقود الأولى من القرن العشرين. ولكن يدعي المنادون بالسياسات الطائفية أن التخلف الاجتماعي الذي عانت منه هذه الطوائف تاريخياً هو المبرر لضرورة "الحجوزات" الطائفية وليس الحرمان الاقتصادي.

وفي حقيقة الأمر، لم يعاني معظم تعداد الطوائف الدنيا من درجات متساوية من الإعاقة الروحية. بل كان هناك تدرج وهيكلية تحكم التداخل بين الطوائف متوسطة المرتبة ومن ضمنها طوائف اللا مساس وحافظت على اختلاط الطوائف في حدوده الدنيا. وعبر التاريخ، قلد الأغنياء من الطوائف الدنيا عادات وشعائر وطقوس الطوائف الأعلى، مثل عادات زواج الأطفال ودفع المهور ومنع الأرامل من الزواج. وفي بعض الأحيان استطاعت بعض المجموعات الغنية من الطوائف الدنيا الانفصال وتشكيل طوائف جديدة استطاعت أن تحتل موقعاً روحياً أعلى. وغالباً ما استطاعت طائفة مزدهرة مادياً أن ترفع من مرتبتها الروحية في التراتبية الطائفية.

ومن خلال الاعتماد على الطائفة كمحدد للسياسة العامة، ستساوى الحكومة الهندية من ناحية التعامل ما بين فقرائها وأغنيائها، الأمر الذي سيزيد من مكاسب الأغنياء. والذي بدوره سيساعد على ضم النخب العليا من الطوائف الدنيا إلى التحالف الحاكم، وتشتيت الفقراء عبر الطوائف. ولكن اعتبار هذه السياسة بأي شكل من الأشكال عاملاً مساعداً يعتبر ضرباً من ضروب النفاق.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured