Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

الفوضى العاملة في الهند

نيودلهي ـ في كل عام، وأثناء موسم الأمطار في الهند، نستطيع أن نتوقع بنفس اليقين "موسم الرياح الموسمية" في البرلمان الهندي. وفي كل عام تحتدم المناقشات لتحديد أي الأمرين أكثر عصفاً وهياجا، الطقس أم الهيئة التشريعية.

ولنتأمل هنا الدورة الحالية، التي بدأت في الأول من أغسطس/آب. فقد تأجل يوم الافتتاح، تمشياً مع الممارسات التقليدية، حداداً على وفاة أحد الأعضاء الباقين إلى الدورة الجديدة بين الدورتين. ولكن التأجيل لم يعلن عنه إلا بعد مقاطعة تحية المجاملة الروتينية لرئيس مجلس النواب السريلانكي الزائر بواسطة النواب التاميل المنتمين إلى أحد الأحزاب الإقليمية، والذين نهضوا على أقدامهم مطالبين بطرده بسبب سلوك حكومته في التعامل مع الأقلية التاميلية في البلاد. ولكن سرعان ما أسكت النواب الضالين، وتلقى الزائر تحية حارة من بقية النواب.

ولكن الأمور لم تحل بهذه السرعة والسلاسة في اليوم التالي. فبمجرد إدلاء أحد الأعضاء المنتخبين الجدد بالقسم فوجئ الحضور بعدد من النواب من حزب ساماج، الذي يحكم أكبر ولاية هندية وهي أوتار براديش، يقتحمون مقصورة المجلس وهم يصرخون بشعارات ويلوحون بلافتات احتجاجاً على السياسات الحكومية في الاستحواذ على الأراضي.

وحاول رئيس المجلس لبضع دقائق حملهم على العودة إلى مقاعدهم، ثم استسلم وأجل الجلسة لمدة ساعة. وعندما عاد أعضاء البرلمان إلى الاجتماع، سار أعضاء المعارضة ـ الذين انضم إليهم الآن نواب من حزب إقليمي منافس ـ باتجاه مكتب رئيس المجلس، محدثين ضوضاء أعلى. وبعد بضع دقائق أكثر عقماً من المحاولات غير المجدية لإيصال صوته إلى الناس رغم الضوضاء، قرر رئيس المجلس تأجيل البرلمان مرة أخرى. ثم بذلت محاولة أخرى قبل تأجيل جلسة ذلك اليوم، ولكن من دون التعامل مع أي بند تشريعي.

وهذا للأسف الأمر الطبيعي المتوقع في البرلمان الهندي، الذي يبدو أن العديد من أعضائه المعارضين يتصورون أن تعطيل ومقاطعة الإجراءات، بدلاً من تقديم حجج مقنعة، الوسيلة الأكثر فعالية لفرض وجهات نظرهم. وفي الشتاء الماضي، أهدِرَت جلسة كاملة من خمسة أسابيع من دون يوم عمل واحد، لأن أحزاب المعارضة اتفقت على مماطلة المجلس وتعطيله، الأمر الذي جعل التأجيل في كل يوم حتميا. ولم يشهد البرلمان أي جلسة في الأعوام الأخيرة لم تخسر على الأقل بضعة أيام بسبب تعطيل متعمد.

لم تكن هذه هي الحال دوما. فقد كان الساسة الهنود في البداية فخورين ببرلمانهم الأشبه بنظام ويستمنستر البرلماني الذي تبنوه بعد الاستقلال. وكان القوميون في الهند عازمين على التمتع بالديمقراطية التي حرمهم منها حكامهم المستعمرون، وأقنعوا أنفسهم بأن النظام البريطاني هو الأفضل. وعندما سافر كليمنت أتلي، الذي تولى منصب رئيس وزراء بريطانيا في وقت لاحق، إلى الهند كمشارك في لجنة دستورية، وزعم أن النظام الرئاسي أفضل من النظام البرلماني، استجاب المشاركون معه في الحوار من النواب الهنود بقدر عظيم من الرعب والهلع. ويتذكر أتلي ذلك الموقف قائلا: "كان الأمر وكأنني عرضت عليهم سمناً صناعاً نباتياً بدلاً من الزبد".

إن العديد من أعضاء البرلمان الجدد ـ الذين تلقى العديد منهم تعليمهم في انجلترا وتطلعوا إلى التقاليد البرلمانية البريطانية بإعجاب ـ يجدون متعة عظيمة في ممارسة أساليبهم الأصيلة. فلا زال أعضاء البرلمان الهندي يقرعون مكاتبهم بإصبع الإبهام، بدلاً من التصفيق بالأكف، عند استحسان أمر ما. وعندما يطرح مشروع قانون للتصويت، فإن نداء التأكيد لا يزال "آي"، وليس "نعم". وفي الخمسينيات كان عضو البرلمان الشيوعي الموالي لانجلترا هيرين موخيرجي يتباهي بأن رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن أكد له أن البرلمان الهندي شبيه بالبرلمان البريطاني في أكثر من جانب. وحتى بالنسبة لشيوعي كانت تلك لحظة فخر.

ولكن ستة عقود من الاستقلال جلبت معها تغييراً كبيرا، مع تضاؤل التعرض للممارسات البريطانية وعودة الأسلوب الهندي الصاخب الطبيعي إلى تأكيد نفسه. بل إن بعض مجالس الولايات الهندية في النظام الفيدرالي شهدت بالفعل مشاهد قلب وتحطيم الأثاث، وانتزاع الميكروفونات، والتراشق بالنعال بين النواب الجامحين، ناهيك عن التعارك بالأيدي وتمزيق الملابس في مشاجرات.

ورغم أن الأمور لم تصل إلى هذا الحد بعد في المجلس التشريعي الوطني، فإن مدونة قواعد السلوك التي اطلع عليها كل أعضاء البرلمان المنتخبين الجدد ـ بما في ذلك الأوامر القضائية ضد من يتحدث في غير دوره، أو يصرخ بشعارات، أو يلوح بلافتات، أو يسير إلى مقصورة البرلمان ـ تنتهك بشكل روتيني. وما لا يقل غرابة عن ذلك إفلات المشرعين من العقاب رغم انتهاكهم للقواعد التي أقسموا على التمسك بها.

ذات يوم كان التعامل مع مثل هذه السلوكيات حازما. ومن بين أقوى الذكريات من طفولتي تلك الصورة للنائب الاشتراكي راج نارين، وهو مصارع سابق، وهو محمول إلى خارج المجلس بواسطة أربعة رقباء مسلحين لأنه تحدث صارخاً في غير دوره وعصى أوامر رئيس المجلس بالعودة إلى مقعده.

ولكن بمرور السنين، سمحنا لتلك المعايير بالانحراف، مع تفضيل تأجيل الجلسات عن طرد النواب. وفي العام الماضي، تم إيقاف خمسة من نواب مجلس الشيوخ في البرلمان الهندي بسبب اعتدائهم على مكتب ضابط الجلسة، فحطموا ميكروفونه ومزقوا أوراقه. ولكن بعد بضعة أشهر وبعض الاعتذارات الصامتة، أعيد هؤلاء النواب إلى أماكنهم بهدوء.

وربما كان ذلك منطقيا، لأنه يسمح للمعارضة ببعض المساحة في نظام حيث يقرر تصويت خط الحزب أغلب النتائج التشريعية. فقبل أربعة عقود، في زمن أكثر أناقة ودماثة، أنهى أحد النواب المعارضين إحدى المناقشات التي كانت نتيجتها مفروغاً منها بهذه الكلمات: "نحن نمتلك الحجج وأنتم تملكون الأصوات". وبعد أعوام أصبح نفس عضو البرلمان، اتال بيهاري فاجبايي، رئيساً لوزراء الهند، فكان حريصاً على منح المعارضة أكبر مساحة ممكنة من الانحراف عن القواعد.

وكانت النتيجة مؤسسة هندية غريبة لا تتسامح أغلب الأنظمة البرلمانية مع معاييرها السلوكية السائدة. وفي البرلمان الهندي يشعر العديد من الأعضاء بأن الوسيلة الأفضل لإظهار قوة مشاعرهم تتلخص في مقاطعة عملية التشريع بدلاً من مناقشة القانون. والواقع أن خبير الاقتصاد جون كينيث جالبريث من جامعة هارفارد، والذي خدم في عهد الرئيس الأميركي كينيدي كسفير إلى الهند، وصف البلاد بجملة معبرة "الفوضى العاملة". ولا نحتاج إلى النظر إلى ما هو أبعد من معبد الديمقراطية الهندية لنراها وهي تعمل.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.