Thursday, October 23, 2014
0

الاستقلال أو الحرب

ستراسبورج ـ في تسعينات القرن العشرين حول العالم أنظاره بعيداً عن الإبادة الجماعية في رواندا، وعن "حرب البحيرات العظمى" في شرق الكونغو، والتي حصدت أرواح قرابة الخمسة ملايين إنسان ـ وهو أعظم عدد من القتلى في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية. ولكن هل تكون الغَلَبة لمثل هذا الصمت والإهمال مرة أخرى إذا تجددت الحرب الأهلية في السودان؟

إن اتفاق السلام الذي أبرم في نيفاشا بكينيا في عام 2005 بين الحكومة السودانية والمتمردين التابعين للحركة الشعبية لتحرير السودان ألزم الجانبين، اللذين دامت الحرب بينهما طيلة القسم الأعظم من نصف القرن الماضي، على العمل من أجل الوحدة. ولكن مع بلوغ اتفاقية السلام الشاملة المزعومة ذروتها، تخلت الحركة الشعبية لتحرير السودان فجأة وبلا مقدمات عن كافة ادعاءاتها السابقة بأن الوحدة مع الشمال والحكومة في الخرطوم ممكنة أو مرغوبة.

والاستفتاء المقرر أجراؤه في التاسع من يناير/كانون الثاني من شأنه أن يمنح الناخبين في الجنوب الفرصة لإنشاء دولة مستقلة ذات سيادة. وسوف يشهد إقليم أبيي الغني بالنفط تصويتاً مستقلاً ولكنه متزامن مع الاستفتاء، وبموجب هذا التصويت يختار الناخبون هناك ما إذا كانوا يريدون الانضمام إلى الشمال أو الجنوب.

الواقع أن الاندماج المصطنع بين شمال السودان ذي الأغلبية العربية المسلمة وبين الجنوب الأفريقي، حيث المسيحية والمعتقدات الوثنية التقليدية هي الغالبة، كان فاشلاً بشكل واضح. فمنذ حصول السودان على استقلاله عن المملكة المتحدة في عام 1956، اجتاحت البلاد حرب أهلية شبه مستمرة تتغذى على الانقسامات الثقافية والدينية بين الشمال والجنوب. ثم تعقدت الأمور في وقت لاحق بسبب صراع منفصل ـ هذه المرة بين المسلمين ـ على الموارد في منطقة دارفور الغربية.

وإذا كان الجنوب غير المسلم قد نال عند استقلال البلاد درجة كبيرة من الاستقلال الذاتي على الأصعدة الدينية والثقافية والإدارية في إطار هيكل اتحادي فيدرالي انتقالي، لكان من المتصور الآن أن تظل البلاد في سلام. ولكن الجنوب لم يكتسب هذه الحريات إلا في عام 2005، مع اتفاقية السلام الشاملة، وبعد صراع دموي.

أثناء القسم الأعظم من نصف القرن الماضي، سعى الشمال جاهداً إلى فرض إرادته على الجنوب. ولقد خضع الجنوبيون لعملية تهميش منهجية ومؤسسية. وكان فرض الصبغة الإسلامية بمثابة الأداة الرئيسية للقمع، وخاصة فرض الشريعة الإسلامية. وفي الحرب الأهلية السودانية الثانية وحدها، التي اندلعت في عام 1983 (والتي كانت في الأساس استمراراً للحرب الأولى التي انتهت في عام 1972)، قُتِل أكثر من مليوني إنسان، وتحول ملايين آخرون إلى لاجئين.

الواقع أن أماكن قليلة على الأرض يعيش عليها أناس أشد فقراً وعوزاً من أهل جنوب السودان. ففي أغلب الأماكن هناك لا وجود على الإطلاق للبنية الأساسية، والملايين من الألغام الأرضية التي لم تنفجر لا تزال متناثرة في التربة. ولكن الجنوب لم يُحتَل قط، بل إن الجيش الشعبي لتحرير السودان حارب الشمال مرتين ولم يتمكن الشمال من قهره.

إن الحجة المؤيدة لاستقلال جنوب السودان ترتكز إلى حقيقة مفادها أن الجنوب سوف يكون قادراً على إدارة اقتصاد ناجح مستدام. ذلك أن ما يقرب من 80% من النفط السوداني يوجد في الجنوب، هذا فضلاً عن الخير الذي تبشر به المساحات الشاسعة من الأراضي الخصبة المروية طبيعياً في مجال الزراعة التجارية. وقد تحتوي أرض الجنوب أيضاً على ثروات معدنية هائلة، ولو أن لا أحد يستطيع أن يجزم بذلك نظراً لاستحالة التنقيب في أراضي الجنوب لمدة طويلة.

وتشير كافة استطلاعات الرأي إلى أن الجنوبيين، إذا أتيحت لهم فرصة الاختيار في استفتاء نزيه وجيد التنظيم، سوف يصوتون بأغلبية ساحقة لصالح الاستقلال. ولكن الفترة السابقة لعقد الاستفتاء كانت مشحونة بالتوترات، حيث يسعى الرئيس السوداني عمر البشير، الذي وجهت إليه المحكمة الجنائية الدولية الاتهام بارتكاب جريمة الإبادة العرقية في دارفور، يسعى إلى تأخير وتعطيل الاستفتاء.

وكان الشمال يدبر لشن سلسلة من الضربات العسكرية الصغيرة النطاق على إقليم جنوب السودان طيلة الأشهر القليلة الماضية. ومن المحتمل أيضاً أن يكون الشمال منهمكاً الآن في الحفر أفقياً إلى حقول النفط في الجنوب، متحدياً بذلك اتفاقية السلام الشاملة. وتخشى الحركة الشعبية لتحرير السودان أن يستخدم البشير التصويت لصالح الاستقلال في الجنوب كذريعة لاستئناف حرب شاملة.

بيد أن الحرب لا تصب في مصلحة أي من الأطراف، ولا حتى البشير. فهو يعتمد على النفط في جمع العائدات الحكومية، وطبقاً لتسريبات أذيعت مؤخراً فإنه يعمل الآن على تكديس ثروة شخصية هائلة في الخارج. والبشير يدرك مدى مثابرة وإصرار الجيش الشعبي لتحرير السودان. ولكن إذا انتهى الجيش الشعبي لتحرير السودان إلى السيطرة على أو إغلاق أغلب موارد النفط في السودان فقد يخرج الشمال في النهاية من الأمر برمته صُفر اليدين.

وقد يؤدي تجدد الصراع أيضاً إلى جر الولايات المتحدة (التي تدعم الجنوب) والصين (السند الدولي الرئيسي للبشير) إلى صراع خطير ومتصاعد بالوكالة من ذلك النوع الذي كان شائعاً في أفريقيا أثناء سنوات الحرب الباردة. والواقع أن الصين كانت تستثمر بكثافة في الآونة الأخيرة في إثيوبيا المجاورة على أمل شراء الحياد من رئيس الوزراء ملس زيناوي في حالة نشوب الحرب، وذلك على الرغم من أن الحكومة في أديس أبابا من الأرجح أن تساند أتباع الديانة المسيحية في الجنوب.

والواقع أن احتمالات نشوب حرب بالوكالة هي التي تجعل كافة القضايا المعلقة قابلة للانفجار ـ تقسيم عائدات النفط، وترسيم الحدود، وتحديد مصير جبال النوبة المتاخمة ومنطقة النيل الأزرق. ولكن سواء نشبت حرب بالوكالة أو لم تنشب، فإن إعادة رسم الحدود الاستعمارية لأفري��يا على هذا النحو غير المسبوق (كان انفصال إريتريا قبل عقدين من الزمان بمثابة المثال الأخير) قد تؤدي إلى عواقب وخيمة فيما يتصل بمستقبل القارة بالكامل.

إن حصول جنوب السودان على الاستقلال من شأنه أن يرغم الغرب على مواجهة المعتقدات التقليدية الراسخة بشأن أفريقيا، وبخاصة معتقد مفاده أن دولاً مثل الصومال ونيجيريا أكثر استقراراً ككل واحد مقارنة بحالها إذا تم تقسيمها إلى قسمين أو أكثر. والواقع أن حصول جنوب السودان على الاستقلال من المتوقع أن يمهد الطريق أمام الاعتراف الدبلوماسي بأرض الصومال، تلك المنطقة المستقرة التي كانت محمية بريطانية سابقاً والتي تتمتع بالاستقلال بحكم الأمر الواقع عن بقية الصومال منذ عام 1991.

إن العالم يحبس أنفاسه مع اقتراب موعد عقد الاستفتاء في السودان. ولا شك أن جنوب السودان سوف يواجه تحديات هائلة باعتباره دولة ذات سيادة، ولكن البديل ـ العودة الحتمية إلى الحرب ـ خطير إلى حد لا يمكن تصوره، سواء بالنسبة للسودان أو أفريقيا. والآن يحظى شعب جنوب السودان أخيراً بالفرصة لتقرير مصيره. وبالنسبة لأهل جنوب السودان، وقضية السلام الدائم في المنطقة، فقد يشكل هذا بداية عظيمة القيمة للعام الجديد.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured