Saturday, August 30, 2014
0

البحث عن الطلب العالمي

مرة أخرى انزلقت ألمانيا واليابان إلى حالة من الركود. ومرة أخرى نجد أن ثاني وثالث أضخم قوى العالم الاقتصادية الصناعية تختزلان إجمالي الطلب العالمي بدلاً من الإضافة إليه.

من وجهة نظر المواطنين الألمانيين واليابانيين نستطيع أن نقول إن هذه الأنباء ليست طيبة بالمرة. ذلك أن التكنولوجيات العالمية التي تشهد تحسناً متسارعاً لابد وأن تجعل من السهل نسبياً تقديم مستويات متصاعدة فيما يتصل بالناتج القومي ومستويات المعيشة. وعلى الرغم من ذلك فقد واجه الاقتصاد في كل من ألمانيا واليابان صعوبات جمة في هذا المجال طيلة العقد ونصف العقد الماضي. ومن المؤكد أن الجميع قد توقعوا منذ خمسة عشر عاماً أن يحقق الاقتصاد في البلدين آنذاك نتائج أفضل كثيراً مما كان بالفعل.

أما من وجهة نظر الاستقرار السياسي العالمي، فإن أنباء الركود والكساد في ألمانيا واليابان قد تشكل صدمة أشد سوءاً. ذلك أن الحكومات الديمقراطية تعقد صفقة مع شعوبها، وتستمد شرعيتها على الأمد البعيد من قدرتها على تحقيق مستويات معيشية مرتفعة وتشغيل أكبر نسبة من العمالة.

تعمل الأزمات والركود والكساد على تحويل أفكار الناس نحو عجز وفساد ساسة التيار السياسي السائد، والسلطان غير الشرعي لأصحاب المصالح الخاصة، وتشجعهم على انتقاد البرلمانات التي تمثلهم. وإن الأفكار التي تسيطر على أذهان الناس في أوقات الأزمات والكساد ليست زائفة. ذلك أن ساسة التيار السائد كثيراً ما تغلب عليهم صفة العجز والفساد (على المستوى الأخلاقي إن لم يكن على المستوى القانوني)، كما أن أصحاب المصالح الخاصة يتمتعون بسلطان عظيم وغير شرعي، والهيئات التشريعية كثيراً ما تتسم بالقصور العقلي. ولكن لم يحدث قط أن حاولت دولة ما أن تستخلص النتائج من هذه المشاعر الشعبية ولم ينته بها الأمر إلى الكارثة.

ومن وجهة نظر الاستقرار الاقتصادي العالمي، فإن أنباء قصور وعجز النمو في ألمانيا واليابان قد تكون هي الأسوأ على الإطلاق. منذ ستة أو سبعة أعوام كانت هناك مخاوف مبهمة مفادها أن القلب المتقدم للاقتصاد العالمي قد لا يستمر إلى ما لا نهاية مسحوباً بقاطرة الولايات المتحدة بمفردها. والآن بسبب السياسة المالية المروعة التي تنتهجها إدارة جورج دبليو بوش ، وقليل من سوء الحظ، فقد أقحم اقتصاد الولايات المتحدة نفسه في موضع غير مريح على الإطلاق، وأصبح الإفلات من هذا الموقف متعذراً بسبب العجز الضخم في الميزانية، علاوة على العجز التجاري.

إن تخليص أميركا من هذا الموقف يتطلب أن يبادر عدد كبير من المؤسسات والأفراد الذين يمتلكون أصولاً ضخمة مسماة بالدولار إلى الانتظار وعدم اتخاذ أية إجراءات إلى أن تخسر تلك الأصول المسماة بالدولار ثلث قيمتها أو أكثر في مقابل العملات الأخرى. ونستطيع هنا أن نذكر سابقة حدثت قريباً في الفترة ما بين 1985 و1987: حيث سلك مالكو الأصول المسماة بالدولار مساراً مشابهاً، لكنه كان أقصر كثيراً مما يتطلبه الأمر الآن. ولكن هل يستطيع المرء أن يستحم في نفس النهر مرتين؟

علاوة على ما سبق، فإن الخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر يتطلب ما هو أكثر من مجرد تخدير أصحاب الأصول المسماة بالدولار وتجميدهم في حالة سبات عميق بينما يخسرون حتى ما يستر أجسادهم من ملابس. بل إنه يتطلب أيضاً أن يتمكن ثمانية ملايين على الأقل من الأميركيين الذين يعملون حالياً في مجالات البناء وخدمات المستهلكين والصناعات المرتبطة بها من العثور على وظائف في مجال صناعات التصدير والاستيراد المنافسة.

وهذا ليس كل ما في الأمر. فلسوف يكون لزاماً أيضاً على ستة عشر مليوناً من العاملين خارج أميركا في مجالات التصدير إلى أميركا، أن يبحثوا عن وظائف في قطاعات أخرى. ولابد وأن تكون هذه الوظائف قادرة على تغطية الطلب القادم من خارج الولايات المتحدة، ذلك أنه بينما قد يؤدي انخفاض قيمة الدولار وربما الركود المحلي على الطلب إلى تقليص الفجوة بين الطلب الأميركي والإنتاج الأميركي، فلابد من تعزيز الطلب على نحو مواز نسبة إلى الإنتاج خارج الولايات المتحدة. وحين يعود التوازن ـ والذي تأخر بالفعل أكثر مما كنت أتوقع ـ فمن المهم، كما كان وزير المالية الأسبق لاري سومرز يقول، أن يتوازن الاقتصاد العالمي صعوداً وليس هبوطاً.

ولكن بدون النمو السريع في ألمانيا واليابان، فمن أين يأتي الطلب اللازم لموازنة الاقتصاد العالمي صعوداً في الأعوام العديدة المقبلة؟ ربما نستطيع بعد جيل من الآن أن نشير إلى الصين والهند باعتبارهما من الأسواق السريعة النمو المتعطشة لرأس المال والقادرة على سد الفجوة في الطلب العالمي. لكننا لم نصل إلى هذا بعد. فبينما تتسم الصين والهند بالضخامة من حيث أعداد العمالة بها، إلا أنها ما زالت تتسم بالضآلة من حيث بالناتج والطلب.

دون حدوث نمو سريع في الطلب في مكان ما خارج الولايات المتحدة ـ وتعتبر ألمانيا واليابان من أفضل الأماكن للبحث عن مثل هذا النمو السريع ـ فمن الصعب أن نتصور كيف يتمكن الاقتصاد العالمي من موازنة نفسه صعوداً على مدار الأعوام القليلة القادمة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured