Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

كيف نتصور الركود

شهد العالم خلال الأشهر الأخيرة اضطرابات عمت أسواق الإسكان، والنفط، والمال. ولكن ما زال من المنتظر أن تتعرض قطاعات مثل ثقة المستهلك، وإنفاق رأس المال، وتشغيل العمالة لضربة قوية. ولكن لماذا؟

إن ثقة المستهلك والأعمال التجارية لا تقوم في أغلبها على قواعد عقلانية. فسيكولوجية السوق تتحكم فيها الانطباعات العامة التي نتصورها في أذهاننا من يوم إلى التالي، وهي التي تشكل الأساس الذي نبني عليه تصوراتنا والروايات التي يقصها كل منا على الآخر.

وتشكل انطباعاتنا العامة عن الكوارث السابقة جزءاً من ثقافتنا الشعبية، التي كثيراً ما نختزنها في ذاكرتنا البعيدة المظلمة، إلا أنها تعود لإزعاجنا من وقت إلى آخر. ومثلها كمثل الأساطير التقليدية، فإن مثل هذه الصور المشتركة تجسد المخاوف الراسخة في أعماق أذهاننا. إلا إن الصور التي صاحبت أحداث الماضي المرتبطة باضطرابات السوق غائبة إلى حد كبير اليوم.

ولنتذكر معاً أزمة النفط العالمية التي بدأت في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1973، والتي أسفرت عن انهيار أسواق البورصة العالمية وتسببت في ركود عالمي حاد. لقد غرست هذه الأزمة صوراً حية في أذهان الناس: حيث كنا نرى الصفوف الطويلة من السيارات عند محطات الوقود، والأفراد الذين يركبون الدراجات إلى محال عملهم، وامتناع الناس عن استهلاك الوقود في أيام الأحد وما إلى ذلك من سبل التقنين.

اليوم بلغت أسعار النفط الحقيقية ضعف السعر الذي بلغته في أوج تلك الأزمة، إلا أننا لم نشهد صوراً كتلك التي رأيناها في الفترة من العام 1973 إلى العام 1975. حتى ان أغلبنا لا يتذكر تلك الصور القديمة. وهذا يعني أن ثقتنا لم تهتز بعد.

قبل انهيار سوق البورصة في التاسع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 1987 مباشرة، وهو اليوم الذي شهد أكبر انخفاض في يوم واحد لمؤشرات سوق البورصة في التاريخ، كانت الصور العالقة في أذهان الناس هي صور أزمة العام 1929. حتى أن صحيفة "وال ستريت جورنال" نشرت مقالة عن تلك الأزمة في صباح أزمة 1987. وأنا أعلم من خلال الدراسة التي أجريتها على المؤسسات الاستثمارية والمستثمرين الأفراد في الأسبوع التالي للأزمة، أن تلك الصور ساهمت في اشتداد أزمة 1987 بسبب تشجيعها للناس على البيع.

اليوم لم تعد أذهاننا تختزن صور أزمة 1929 ـ رجال الأعمال المنتحرين قفزاً من المباني، والعمال العاطلين الذين ينامون على المقاعد في الحدائق العامة، والصفوف الطويلة أمام مطابخ الحساء، والأطفال الفقراء الذين يبيعون التفاح في الشوارع. ويبدو أن أزمة 1929 لم تعد ذات صلة بالنسبة لأغلب الناس اليوم، ربما لأننا نجحنا في النجاة من أزمة 1987 وأزمة 2000 بخسائر قليلة نسبياً، بينما أصبحت أزمة 1929 وكأنها حدثت في عالم آخر، وليست مجرد جزء من الماضي البعيد.

ولكن يبدو أن صور أزمة 1987، التي تسببت فيها الحواسب الآلية في مباني المكاتب الفولاذية الزجاجية الحديثة، ما زالت عالقة في أذهان الناس إلى اليوم. فقد شهدت سوق البورصة في هذا العام أكبر انخفاض ليوم واحد في الذكرى السنوية العشرين لأزمة 1987، حيث انخفض مؤشر "ستاندرد آند بورز" بنسبة 2.56%. وهو أعلى انخفاض منذ العام 1987.

كانت صور الصفوف الطويلة أمام البنوك، والأشخاص الغاضبين المصطفين أمام البنوك المفلسة، قد قفزت إلى أذهاننا لمدة وجيزة في أعقاب أزمة "نورثرن روك" في بريطانيا. إلا أن التدخل المباشر من جانب بنك إنجلترا كان سبباً في منع هذه الصور من التشبث بسيكولوجيتنا الجماعية.

إن أول الصور التي تتبادر إلى أذهاننا اليوم هي صور أزمة الإسكان. فقد أصبحنا نتصور الشوارع في المناطق السكنية حيث لافتات "للبيع" في كل مكان أمام المساكن. والأسوأ من ذلك، صور حبس الرهن، والأسر المطرودة من مساكنها، وقد أصبحت مقتنياتها وأثاثها في الشارع.

إذا ما استمرت أسعار المساكن في التدهور في الولايات المتحدة، وربما في أماكن أخرى من العالم، فقد نستحضر في أذهاننا صوراً أكثر حياة. فقد يتخيل المرء صورة أحد أصدقاء ولده وهو ينتقل من مسكنه بسبب عجز والديه عن سداد أقساط الرهن العقاري وطردهما من بيتهما. وقد ترى منزلاً في الشارع الذي تقيم فيه وقد دمره ساكنه الغاضب بعد حبس رهنه. إن مثل هذه الصور تتحول إلى جزء من إحساس المرء بالواقع، وقد تضر بشعوره بالثقة وتقلل من استعداده للإنفاق ودعم الاقتصاد.

ولكن تُـرى هل تكون مثل هذه التغيرات في سيكولوجية الناس ضخمة إلى الحد الذي يجعلنا ننزلق إلى كساد عالمي؟ رغم أن احتمال كهذا بعيد عن الوضوح الآن، إلا أنه ما زال يشكل احتمالاً قائماً. إن سيكولوجية الناس لا تحتاج إلا إلى القدر الكافي من التغير حتى تهبط معدلات الاستهلاك أو الاستثمار بما يوازي نقطة نسبية واحدة أو ما إلى ذلك من الناتج المحلي الإجمالي للعالم، ثم تتولى التوابع والمضاعفات في السوق بقية الأمر.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.