Wednesday, November 26, 2014
0

مساكن في الهواء

في غضون الأشهر الستة المنقضية تحول الانتباه والقلق من العجز التجاري الهائل الذي تعاني منه أميركا إلى أسواق الأملاك العقارية المندفعة العارمة، وإلى "فقاعة" العقارات الوهمية. والحقيقة أن سببين على الأقل من الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع أسعار المساكن في الولايات المتحدة باتا مفهومين على نحو واضح. ولكن الأمر الذي يظل غير أكيد إلى حد بعيد حتى الآن هو ما إذا كان من الممكن تهدئة هذه السوق المحمومة دون سحب أميركا وشركائها التجاريين الرئيسيين إلى انهيار اقتصادي محتوم.

إن الازدهار الذي تشهده العقارات السكنية في الولايات المتحدة يرجع في المقام الأول إلى انخفاض أسعار الفائدة، وهو الأمر الذي يعني إمكانية اقتراض مبالغ ضخمة من أجل الرهن العقاري، مع تسديد أقساط شهرية معتدلة. ذلك أن انخفاض أسعار الفائدة يعزز من قدرة المقترض على السداد، مما يؤدي بالتالي إلى تشجيع الطلب. ومع ارتفاع الطلب وثبات المعروض من المساكن ـ على الأمد القريب على الأقل ـ ترتفع الأسعار تلقائياً.

ويكمن السبب الثاني في انقضاء فترة السبعين عاماً التي بدأت بالانتشار الواسع للسيارات ـ حيث كان بوسع المرء أن ينتقل إلى أي مكان تقريباً داخل حدود منطقة حضرية نموذجية خلال نصف ساعة أو أقل. فقبل أن تنتشر ملكية السيارات على نطاق واسع كانت أسعار الأراضي تعتمد على الموقع، وكان قرب الأرض من وسط المدينة أو محطة السكك الحديدية المحلية يعتبر من المميزات الإضافية.

أما الآن، ومع الازدحام الخانق الذي بات يعطل المرور في المدن الكبرى إلى حد سخيف، فقد مالت أسعار الأراضي التي تدخل فـي تحديد السعر الكلي للوحدة السكنية إلى الارتفاع من جديد. وربما كان بوسعنا أن نؤخر هذا الارتفاع في عنصر الأرض لعقد من الزمان إذا ما كان لدينا الاستعداد إلى التحول إلى أنماط سكنية أكثر كثافة، فنبادر على سبيل المثال إلى هدم المساكن التقليدية في سان فرانسيسكو، ثم نشيد في محلها بنايات أقرب إلى تلك التي نراها في منطقة (Upper West Side) بمدينة نيويورك. لكن الحقيقة أننا لسنا على استعداد لاتخاذ خطوة كهذه.

هذان العاملان ـ انخفاض أسعار الفائدة على القروض العقارية، والازدحام الذي بلغ حداً أصبحت معه سياراتنا عاجزة عن تهميش تكاليف الموقع ـ يساعدان كثيراً في تفسير الارتفاع المفرط في أسعار المساكن خلال العقد المنصرم. لكنهما لا يفسران الأمر بالكامل.

فعلى قمة هذين العاملين الجوهريين القويين تتربع فقاعة وهمية كبيرة. وتتكون هذه الفقاعة من أصحاب أموال يشترون مساكن إضافية لأنهم يتصورون أن أسعار المساكن سوف تستمر في الارتفاع، وأشخاص آخرين بلا مال يشترون مساكن يبلغ سعر الوحدة منها 400 ألف دولار في أحياء أقل رقياً وبأسعار فائدة غير قابلة للتغيير.

الواقع أن الطلب المترتب على أي من المجموعتين سريع الزوال. فحين يكتشف أفراد المجموعة الأولى أن أسعار المساكن ليست دائمة التصاعد، سيحاولون التخلص من ملكياتهم. وحين يكتشف أفراد المجموعة الثانية أن أسعار الفائدة لن تظل منخفضة على الدوام فلسوف يعجز العديد منهم عن تسديد أقساط الرهن العقاري التي ستصبح أكثر ارتفاعاً، فيحاولون كأفراد المجموعة الأولى التخلص من ملكياتهم العقارية.

قد لا تنتهي فقاعة الإسكان الأميركية إلى مآل سيء، ولكن إذا ما حدث هذا فلسوف يكون راجعاً علـى الأرجح إلى ارتفاع حاد في أسعار الفائدة. وقد يحدث هذا لسببين، الأول، حين يدرك المستثمرون أن القيمة الحالية للدولار مبالغ فيها، وأنهم سيتكبدون على الأرجح خسائر فادحة حين يعود الدولار إلى قيمته الأساسية، فيشرعون في بيع ما بحوزتهم مـن سندات الخزانة، وسندات الشركات، والأوراق المالية المعتمدة على الرهن العقاري. ومع هبوط أسعار هذه الأصول سترتفع عائداتها. ثم عند نقطة ما ستبلغ عائدات السندات والرهون العقارية حداً من الارتفاع يكفي لإشباع شهية المستثمرين إلى العائدات بحيث تتوازن مع مخاوفهم من انخفاض سعر الصرف.

يتفق كافة خبراء الاقتصاد على أن هذا العامل كان من شأنه أن يدفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة إلى الارتفاع منذ ثلاثة أعوام على الأقل. لكنها لم ترتفع حتى وقتنا الحاضر. هل يعني هذا أن إعصاراً قـد يضرب أسواق المال في العالم في أية لحظة؟ الإجابة هي أجل. وقد يعني هذا أيضاً أن النموذج الأساسي الذي وضعه الخبراء للاقتصاد العالمي ـ وبصورة خاصة افتراض "تساوي أسعار الفائدة المكشوفة"، والذي يعني أن الدخل الناتج عن الفوائد الأجنبية والذي تعبر عنه العملة المحلية لابد وأن يتساوى مـع أسعار الفائدة المحلية ـ هو بكل بساطة نموذج غير سليم.

فضلاً عن ذلك فإن العامل الثاني الذي قد يدفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة إلى الارتفاع بصورة حادة، لا يكمن في الخوف من انخفاض قيمة الدولار في المستقبل، بل في حقيقة انخفاض قيمته بالفعل فـي وقت سابق. تستورد الولايات المتحدة مـا يعادل 16% من ناتجها المحلي الإجمالي. وإذا ما افترضنا هبوطاً في قيمة الدولار بنسبة 40% ـ حيث يعبر نصف هذه النسبة عن ارتفاع القيمة الدولارية للواردات ـ فإن هذا يعني ارتفاعاً بنسبة 3.2% في المستوى الكلي للأسعار. ونظراً لالتزام بنك الاحتياطي الفيدرالي بالاستقرار الفعال للأسعار، فمن المرجح أن يلجأ البنك إلى رفع أسعار الفائدة بدلاً من السماح لمعدل التضخم في أي عام من الأعوام بالقفز من 3% إلى 6%.

إذا ما حدث ارتفاع حاد في أسعار الفائدة ـ إما بسبب هروب رؤوس الأموال توقعاً لانحدار قيمة الدولار أو بسبب تبني سياسة نقدية صارمة استجابة لانحدار قيمة الدولار ـ فلسوف نرى آنذاك مدى كفاءة بنك الاحتياطي الفيدرالي في التعامل مع الأزمة. وإذا ما ارتفعت أسعار الفائدة إلى حد أعلى مما ينبغي، فإن الانهيار الناتج عن هذا في قيمة المساكن سوف يؤدي إلى انتشار حالات حبس الرهن العقاري على نطاق واسع، فضلاً عن انهيار في معدلات الإنفاق الاستهلاكي.

هذا يعني كساداً اقتصادياً، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل في آسيا وربما في أوروبا أيضاً، وذلك لأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تظل الملاذ الأخير للمصدرين في العالم، وأن تعمل كضامن فعال لاستقرار الطلب، إلا إذا ظلت معدلات استهلاكها المحلية مرتفعة وقوية. ولكن إذا لم ترتفع أسعار الفائدة بالقدر الكافي، فسوف تتهاوى قيمة الدولار وتتصاعد معدلات التضخم في الولايات المتحدة بنفس القدر، كما حدث في سبعينيات القرن العشرين. وكل هذا من شأنه أن يمهد الساحة أمام نوع شديد القسوة والإيلام من الإجراءات، كتلك التي فرضها رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي آنذاك بول فولكر.

في ظل ظروف كهذه سيضطر بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى سلوك مسار مستقيم ضيق ـ وهـو موقف لا يحسد عليه بالتأكيد. ومع كل ذلك فما زال الصحافيين ـ وهم بلا أدنى شك ليسوا من الخبراء المتمرسين ـ يسألونني عن هوية الشخص الذي من المرجح أن يحتل "المنصب المرموق" في رئاسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في العام القادم.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured