Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

مشردون في العراق

يصرح المسؤولون الأمريكيون بأن عدد حوادث القتل الطائفي وغيرها في العراق تقلص منذ بداية الحملة العسكرية "سيرج" ولكن وعلى الرغم من احتمال صحة هذا الكلام، هل يعني هذا الأمر بأن العراق أصبح أكثر أمناً وسلامة؟

إن انعدام الأمن في العراق تعكسه وبشكل مذهل أرقام الناس المشردين من منازلهم. وتقدر الأمم المتحدة ـ منذ تموز ـ ازدياد أعداد الفارين من منازلهم بمقدار 60000 شهرياً. ويقول أفضل تقدير بأن ما يقارب الـ 16% من تعداد العراقيين أو على الأقل واحد من كل ستة أشخاص لا يعيشون في منازلهم.

غادر ما يقارب نصف الفارين البلاد، الأمر الذي يشير إلى مليوني لاجئ في الخارج تاركاً المليونين الباقيين في غياهب الهجرة الداخلية وهم يمثلون مأساة إنسانية طارئة.

كتبت العديد من التقارير الدولية عن حملات التبرعات الداعمة للاجئين العراقيين في سورية والأردن، ولكن المهاجرين الداخليين كانوا مغيبين عن مثل هذا الاهتمام، على الرغم من أن أوضاعهم أكثر هشاشة وخطراً لقربهم من الصراعات والمعايير المنخفضة للخدمات الرئيسية في العراق. وبالتالي يكونون أقل ظهوراً ويكون وصول المتبرعين والوكالات الداعمة إليهم أكثر صعوبة.

ولكن التشريد لم يبدأ بعد غزو عام 2003 ولكنه سبقه. فقد شردت أعداد كبيرة من السكان أثناء حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين سواءً بسبب الصراعات أو بسبب السياسات الحكومية. ولكن ومنذ العام 2003 أثر التشرد على كل سكان العراق والسبب الرئيسي واحد: استخدام العنف لتهجير الناس من مناطق معينة وذلك سعياً لتوطيد النفوذ السياسي والاقتصادي.

استهدفت الأحياء المختلطة عبر العراق من كل الجوانب المتصارعة عند تصاعد العنف الطائفي واستلام المليشيات المسلحة لزمام القوى. وضمن هذا الواقع، يعكس انعدام قدرة الحكومة أو القوى متعددة الجنسيات على ضبط هذه الفوضى الترهيبية غياب دور القانون. وهناك الكثير من العوامل الأخرى التي تؤثر على الهجرة الداخلية ومنها العمليات التي تقوم بها القوى متعددة الجنسيات نفسها، وانتشار الجريمة وانعدام الخدمات الأساسية والفقر المدقع. حتم التعقيد في المجتمع العراقي وتاريخه إلى إجبار العديد من الناس على الهجرة لأكثر من مرة، ومنهم من عاد من المنفى ليجد نفسه رهين التشريد الداخلي.

تبعاً لتقارير الأمم المتحدة، يشكل المهاجرون من العاصمة بغداد 69% من العدد الإجمالي للمهاجرين منذ شهر شباط/فبراير 2006، الأمر الذي يعكس المدى الذي وصلت إليه "الطائفية" في العاصمة. وبالتالي، نجد بأن أحد أسباب النجاح الذي ادعاه مؤيدو الحملة العسكرية "سيرج" يمكن أن يترجم بأن التطهير الطائفي في العاصمة كان فعالاً جداً لدرجة قارب فيها على التمام.

يتحرك المشردون العراقيون الذين يبقون في البلاد إلى المناطق التي تكون فيها مجتمعاتهم العرقية أو الطائفية قوية. وبالتالي يتوجه المشردون الشيعة من مركز البلاد إلى جنوبها، أما السنة فيتوجهون من جنوبها إلى مركزها، ويتوجه المسيحيون إلى مقاطعة نينوى. وفي المدن المختلطة مثل بغداد وبعقوبة يُجذب المشردون بشكل طبيعي إلى مناطق تمت مجانستها حديثاً.

يستأجر معظم المشردون أماكن إقامتهم أو يقيمون مع عوائلهم وأصدقائهم أو يحتلون ما يستطيعون احتلاله، ويلجأ القليل منهم إلى المخيمات. توجد مخيمات كبيرة في كربلاء والواسط وديالا ونينوى ولكن يستقر معظم المشردين في المدن بدلاً من المخيمات، إذا تسكن آلاف العوائل المشردة في المدن الرئيسية مثل بغداد والموصل. يشكل هؤلاء غالبية الملايين الثمانية من الشعب العراقي التي تعيش في فقر مدقع وبحاجة ماسة للمساعدة الإسعافية.

التعليم في حدوده الدنيا، والرعاية الصحية غير كافية والكثير من الناس يموتون دون أن يحسب لهم حساباً، وفي حين امكانية حاجة 25% إلى 40% من الشعب العراقي إلى المساعدات الغذائية في أي وقت من الأوقات، تصبح هذه الأرقام أكثر ارتفاعاً عندما نتكلم عن المشردين وذلك لصعوبة دخولهم في نظم التوزيع العامة والأهلية. استطاع ثلث المشردين فقط الدخول في نظام التوزيع السنة الفائتة، وصرح نصفهم بأنه يتلقى هذه المساعدات أحياناً.

تعتبر مشاهدة الناس في العراق ـ وخاصة النساء والأطفال ـ ينقبون في القمامة يومياً بحثاً عن قوت يومهم من الظواهر الجديدة. وضمن هذه الظروف يجد الكثير من الشباب أنفسهم مجبرين على الانضمام إلى المجموعات التي تتخذ العنف منهجاً، وحتى لو كان انضمامهم لضمان بعض الدخل وبعض الحماية فقط.

تواجه البيوت التي ترأسها النساء خاصة مصاعب جمة في حماية ودعم عوائلها. وتتزايد أعداد التقارير التي تشير إلى لجوء نساء عراقيات إلى الدعارة والدخول في شبكات تهريب الأطفال والنساء إلى الدول المجاورة. لقد أعلنت الحكومة مؤخراً عن برنامج يقدم مصروفاً إسعافياً للأرامل. وعلى كل حال، يبقى هذا البرنامج غير كافياً لتلبية ثلاثة ملايين أرملة في الوقت الذي يزيد الفساد والبيروقراطية من الطين بلة.

وتكمن مأساة أخرى سبّبها الصراع القائم في الأثر الذي تركه على الأقليات في البلاد والتي تشكل 10% من سكانها وهم أحد أهداف الإبادة. أشعلت الحملات العنيفة فتيل هجرات عظيمة لهذه الأقليات، الأمر الذي هدد الوجود المسيحي واليزيدي والمندائي في العراق البلد الذي وجدوا فيه لمئات من السنين.

وعلى الرغم من هشاشة الأقليات يعكس التوزيع الطائفي للمشردين التوزيع الطائفي للبلاد: 64% من الشيعة، 32% من السنة و4% من المسيحيين. فيما تعطينا الخلفية العرقية للمشردين الأرقام التالية: 93% من العرب، 4% من الآشوريين و1% من الأكراد ـ الأمر الذي يعكس عظم الأزمة الأمنية في مركز العراق والأمن النسبي في كردستان.

مع انحسار أعداد العائدين، تبدو فرص تحول الهجرة المؤقتة إلى هجرة وتشرد دائمين كبيرة جداً. وفي حال بقيت أرقام ومستويات التشريد على حالها ـ وهو الاحتمال الغالب ظاهرياً ـ ستتعمق المأساة الإنسانية بشكل أكبر، وخصوصاً عندما أجبرت الموارد المحلية القليلة العديد من المحافظات إلى رفض قبول مشردين جدد. يجب أن يحسب حساب ورطة هذه المحافظات ضمن أي خطة توضع في سبيل تحقيق شروط جديدة لأمن العراق.

شروق العبياشي: هي رئيسة المركز العراقي للدراسات في بغداد، وروبرت لاو: هو مدير برنامج الشرق الأوسط في دار شاثام Chatham House”

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured