Tuesday, July 29, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

هيلاري كلينتون في بكين

نيويورك ـ سافرت هيلاري كلينتون إلى الصين. والحقيقة أن حرص وزيرة خارجية الولايات المتحدة على أن تكون آسيا، وخاصة الصين، مقصدها في أول رحلة تقوم بها إلى الخارج يدل على ذكاء واضح، وإذا ما أديرت هذه الرحلة بالثقة التامة في الذات فمن الممكن أن تحقق لإدارة أوباما عائدات ضخمة في إطار محاولاتها الرامية إلى إعادة ترسيخ زعامة الولايات المتحدة للعالم.

والواقع أن اختيار هيلاري كلينتون لزيارة آسيا الآن، رغم أن وزارة الخارجية ما زالت غير مستقرة ـ حيث لم يتم اختيار سفير إلى الصين بعد، وحيث العديد من المسؤولين القدامى إما رحلوا أو في طريقهم إلى الرحيل، وحيث ما زال العديد من المعينين الجدد غير متمكنين ـ يشهد على تصميمها على اعتبار آسيا منطقة خاصة بها.

إن ما تضيفه هيلاري كلينتون إلى هذه المهمة يتلخص في الانفتاح والرغبة في بناء هيكل جديد للعلاقات الصينية الأميركية. ولكن رغم التأثير الذي تحدثه مجموعة ضخمة من القضايا الأخرى فإن تعزيز هذه العلاقات الثنائية الأكثر أهمية على مستوى العالم يتطلب اهتماماً مشتركاً جديداً. ومن عجيب المفارقات في هذا السياق أن قضية تغير المناخ قد تشكل نطاقاً جيداً للبحث عن هذا الاهتمام المشترك.

يتعين على الحكومة الصينية ألا تستخف بالتزام كلينتون و أوباما بهذه القضية. ولقد قالت كلينتون في الخطاب الذي ألقته أمام جمعية آسيا في نيويورك قبيل قيامها برحلتها: "إن التعاون في مجال الطاقة النظيفة وترشيد استهلاك الطاقة يشكلان فرصة حقيقية لتعميق مجمل العلاقات بين الولايات المتحدة والصين".

إن إقرار كلينتون علناً بأن الولايات المتحدة كانت تاريخياً المصدر الأضخم لانبعاث الغازات المسببة لظاهرة الانحباس الحراري العالمي يعني ضمناً أنها تعلن أن أميركا لابد وأن تتزعم الجهود الرامية إلى الحد من الانبعاثات الضارة وبناء اقتصاد عالمي أقل اعتماداً على الكربون. ولا شك أن الصين انتظرت الاستماع إلى هذا الإقرار طويلاً.

إذن فقد مهدت كلينتون المسرح لاستكشاف مشروع مشترك محتمل مع الصين في مواجهة التحدي المتمثل في تغير المناخ. وتَـقَبُل الصين لهذه المبادرة سوف يعكس الدرجة التي تعتزم الصين والولايات المتحدة اعتمادها في نقل الحوار من المستوى النظري إلى مستوى الممارسة الفعلية، فضلاً عن تعزيز استقرار العلاقة بين البلدين.

حتى الآن اتخذت الصين موقف الانتظار والترقب، حيث انتظر المسؤولون لكي يروا من يعتزم أوباما تعيينه للتعامل مع الصين وماذا سيقول المبعوثون الجدد. وهذا الموقف الـحَذِر مفهوم، ولكن ما يبدو وكأنه مفقود في الصين هو الإقرار بما آلت إليه الحال في الولايات المتحدة من عدم اليقين، وكيف أن كل شيء تقريباً أصبح في حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار في ظل وجود رئيس جديد.

ومع حرص قادة الصين على التحوط للأمور مسبقاً والمبادرة إلى العمل، فربما تمكنت الصين من التأثير على السياسات الصادرة في النهاية عن الجانب الأميركي. إذ أن كلينتون و أوباما عبارة عن "ورقة بيضاء" حين يتعلق الأمر بالصين. وبوجود كلينتون في بكين فقد حان الوقت الآن للشروع في رسم معالم المستقبل المشترك للعلاقات الصينية الأميركية على نحو متأن ومدروس.

في حديثها، استحضرت كلينتون القول المأثور الصيني القديم "حين تجد نفسك في قارب مشترك فلابد وأن تعبر النهر في سلام مع الآخرين". ويشير هذا القول المأثور إلى قصة قديمة حيث وجد الجنود المتحاربون من دولة وو ودولة يو أنفسهم على نفس القارب في نهر أثناء عاصفة، فاتفقوا على إلقاء أسلحتهم والتعاون من أجل عبور النهر. وهو تشبيه مناسب يعبر عن الموقف الآن حيث وجدت كل من الولايات المتحدة والصين نفسها وقد أصبحت على ظهر كوكب يعيش حالة خطيرة من ارتفاع درجات الحرارة نتيجة للتقدم التكنولوجي الجامح.

إنه لأمر لا مفر منه أن تثير كلينتون قضايا مثل مسألة التبت، وحقوق الإنسان، وغير ذلك من القضايا المثيرة للجدال. بيد أن كل الأدلة تشير إلى أنها تريد أن تفعل ذلك في سياق علاقة أميركية صينية جديدة الصياغة وتضع التعاون في مركز اهتمامها.

وهذا يعني أن القيادات الصينية سوف ترتكب خطأً فادحاً إذا تعاملت مع قضية تغير المناخ باعتبارها مسألة فرعية، ناهيك عن اعتبارها مشكلة مفروضة على بلدان نامية مثل الصين من أجل عرقلة نموها الاقتصادي. يتعين على الصين أن تتقبل دعوة كلينتون للتعاون فيما يتصل بقضية تغير المناخ، وهذا من شأنه أن يشكل قضية تحول للنموذج الذي يحكم العلاقات الصينية الأميركية، تماماً كما فعلت الجبهة الموحدة ضد الاتحاد السوفييتي في عام 1972، حين ذهب ريتشارد نيكسون و هنري كيسنجر إلى الصين لبدء تطبيع العلاقات بين الولايات المتحدة والصين.

وبينما يفكر قادة الصين في نقطة التحول هذه فلابد وأن يدركوا مدى المرونة التي تتسم بها السياسة الخارجية الأميركية حالياً. فرغم اعتيادهم على التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها "قوة عظمى" مهيمنة تميل في كثير من الأحوال إلى اللوم والتقريع، إلا أن الواقع الحالي يؤكد أن الولايات المتحدة لا تبدأ إدارة رئاسية جديدة فحسب، بل وتبدأ أيضاً فصلاً جديداً بالكامل في تاريخها. وتحضرني هنا مقولة دنغ شياو بينغ الشهيرة في وصفه للإصلاحات الصينية في ثمانينيات القرن العشرين: "نحن نتلمس طريقنا عبر النهر فوق الصخور".

ليس الأمر أن إدارة بوش تركت العلاقات الصينية الأميركية في حالة سيئة إلى هذا الحد، ولكن احتمالات التغيير الحقيقي نحو الأفضل لم تكن قط أعظم مما هي عليه الآن. والحقيقة أن انفتاح كلينتون على الأساليب الجديدة ورحلتها المبكرة إلى بكين من العوامل التي تشكل فرصة متاحة لقادة الصين للمساعدة في صياغة الكفاح ضد تغير المناخ العالمي، والذي ربما يمثل التحدي الأعظم أهمية الذي يواجه العالم في عصرنا الحديث.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured