Friday, October 31, 2014
0

هل خذلت الليبرالية الجديدة المكسيك؟

منذ ستة أعوام كنت أميل إلى اعتقاد مفاده أن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية ( NAFTA ) تشكل في حد ذاتها نجاحاً كبيراً. وكانت الحجة الرئيسية في صالح هذه الاتفاقية أنها كانت بمثابة الطريق الواعد الذي تستطيع الولايات المتحدة أن تسلكه من أجل رفع الفرص التي من شأنها أن تجعل من المكسيك بلداً ديمقراطياً مزدهراً، وأن الولايات المتحدة تحاول مساعدة المكسيك في التقدم على مسار النمو من منطلق الحرص على تحقيق مصالحها الأنانية، فضلاً عن واجبها الذي يفرضه عليها حق الجوار.

ومنذ تفعيل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية حقق الناتج المحلي الإجمالي في المكسيك نمواً سنوياً بلغ 3.6%، وازدهرت صادرات المكسيك التي بلغت اليوم 28% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن كانت 17% في عام 1999، و10% في عام 1990. ومن المتوقع في العام القادم أن تصل صادرات المكسيك الحقيقية إلى خمسة أمثال ما كانت عليه في عام 1990.

وفي هذا السياق بالتحديد ـ التنمية السريعة لصناعات التصدير والارتفاع الملموس في حجم الصادرات ـ تجلت قدرة اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية على إحداث التغيير المطلوب. ذلك أن هذه الاتفاقية تضمن للمنتجين المكسيكيين الوصول، بلا تعريفات أو قيود على الحصص، إلى سوق الولايات المتحدة، وهي السوق الاستهلاكية الأكبر على مستوى العالم.

مما لا شك فيه أن عدد المستثمرين القادرين على تغطية سوق الولايات المتحدة كان سيقل كثيراً لولا هذا الضمان. والحقيقة أن زيادة التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك تدفع كلاً من البلدين نحو درجة أكبر من التخصص وتقسيم أكثر دقة للعمل في مجال الصناعات المهمة مثل صناعة السيارات، حيث أصبحت الأقسام التي تتطلب أعداداً مكثفة من العمالة أكثر كفاءة ومهارة في المكسيك، وصناعة المنسوجات حيث أصبح الغزل والنسج العالي التقنية ينتشر بصورة متزايدة في الولايات المتحدة، بينما تتولى المكسيك عمليات القص والحياكة التي تتطلب قدراً أدنى من التقنيات الحديثة.

إن مكاسب الكفاية الناجمة عن اتساع رقعة السوق وتشجيع التخصص لابد وأن تؤدي بدورها إلى النمو السريع لمعدلات الإنتاجية في المكسيك. وعلى نحو مماثل فإن ارتفاع معدلات الكفاية لابد وأن يجد الدعم في الازدهار الحاصل في بنية رأس المال، والذي لابد وأن يصاحب الضمان الذي من شأنه أن يمنع أي موجة من موجات النـزوع إلى الحماية التي قد تشهدها الولايات المتحدة في المستقبل إلى إغلاق المصانع في المكسيك.

الكلمة الرئيسية التي ينبغي أن ننتبه إليها هنا هي "لابد". فاليوم يحصل مائة مليون مكسيكي على متوسط دخل حقيقي ـ في ظل تعادل القوى الشرائية ـ يبلغ حوالي عشرة آلاف دولار أميركي سنوياً، وهو ما يوازي ربع المستوى الحالي في الولايات المتحدة. ويستثمر المكسيكيون حوالي خمس الناتج المحلي الإجمالي في بناء رأس المال الثابت الإجمالي ـ وهي نسبة صحية ـ كما نجحوا إلى حد كبير في توسيع نطاق اندماجهم في الاقتصاد العالمي (أو اقتصاد أميركا الشمالية على وجه الدقة) منذ توقيع اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية.

إلا أن نمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 3.6% سنوياً، مقترنا بزيادة سنوية في تعداد السكان تبلغ 2.5%، يعني أن الدخل المتوسط لم يرتفع إلا بمقدار 15% عما كان عليه قبل توقيع اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، وأن الفجوة بين متوسط الدخل في المكسيك ونظيره في الولايات المتحدة قد اتسعت في واقع الأمر. وبسبب تزايد حدة التفاوت في المكسيك فلسوف نجد إن الأغلبية العظمى من المكسيكيين يعيشون في ظل أحوال معيشية ليست أفضل مما كانت عليه قبل خمسة عشر عاماً. (الحقيقة أن الجزء الوحيد من التنمية المكسيكية الذي شهد نجاحاً عظيماً كان ذلك الجزء المرتبط بارتفاع الدخول ومستويات المعيشة نتيجة لارتفاع معدلات الهجرة إلى الولايات المتحدة، وبالتالي ارتفاع إجمالي التحويلات النقدية إلى المكسيك).

وهذا يشكل لغزاً محيراً على الصعيد الفكري: فنحن نؤمن بقوى السوق، والمنافع المترتبة على التجارة، والتخصص، والتقسيم الدولي للعمالة. ولقد رأينا تلك الزيادة الهائلة التي شهدتها الصادرات المكسيكية إلى الولايات المتحدة طيلة العقد الماضي. كما ندرك القوة الهائلة الكامنة في الاقتصاد المكسيكي ـ حيث بيئة الاقتصاد الشامل المستقرة، وحسن التدبير على المستوى المالي، وانخفاض معدلات التضخم، وانخفاض حجم المجازفة في المكسيك ككل، والقوى العاملة المرنة، والنظام المصرفي المعزز القادر على الوفاء بديونه، وبرامج تقليص الفقر التي شهدت إصلاحات ناجحة، والعائدات المرتفعة من النفط وخلافه.

إلا أن سياسات الليبرالية الجديدة الناجحة لم تسفر عن الزيادة السريعة في معدلات الإنتاجية وأجور الطبقة العاملة، وهو ما كان الليبراليون الجدد من أمثالي قد يتوقعونه بكل ثقة إذا ما علموا في عام 1995 أن الصادرات المكسيكية سوف تتضاعف لتصل إلى خمسة أمثالها في غضون إثني عشر عاماً.

مما لا شك فيه أن العجز الاقتصادي ما زال سائداً في المكسيك حتى الآن. وطبقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ( OECD ) فإن هذا العجز يتضمن متوسط منخفض للغاية لسنوات التعليم المدرسي، حيث يكاد العاملون الشباب لا يحصلون على أي قدر من التعليم أك��ر مما حصل عليه نظراؤهم الأكبر سناً؛ ولا ينالون إلا قدر ضئيل من التدريب على رأس العمل؛ وحيث تتحمل الشركات أعباءً بيروقراطية ثقيلة؛ وحيث القضاة ورجال الشرطة فاسدون، ومعدلات الجريمة مرتفعة؛ وحيث يؤدي قطاع غير رسمي عريض من العمالة المنخفضة الإنتاجية إلى تضييق القاعدة الضريبية ورفع معدلات الضرائب المفروضة على بقية القطاعات الاقتصادية. إلا أن كل هذا العجز لا ينبغي أن يكون كافياً لتحييد أو إلغاء الدور الذي تلعبه المزايا الجغرافية القوية التي تتمتع بها المكسيك والفوائد الجمة المترتبة على سياسات الليبرالية الجديدة.

ولكن يبدو أنه كان كافياً. ذلك أن العبء الديموغرافي المترتب على النمو السريع لقوة العمل يتفاقم بصورة هائلة حين لا تكون قوة العمل هذه حاصلة على قدر جيد من التعليم، وبصورة خاصة حين تكون البنية الأساسية غير وافية، وحين تتفشى الجريمة والفساد الرسمي.

ونحن الليبراليون الجدد نؤكد أن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية لم تكن السبب في فقر البنية الأساسية، وارتفاع معدلات الجريمة والفساد الرسمي. وبهذا التأكيد نشير إلى أن أحوال الشعب المكسيكي كانت قد تصبح أكثر سوءاً اليوم لولا اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية وتأثيراتها الملموسة التي رجحت الكفة الإيجابية للميزان.

قد يكون تحليل الليبراليين الجدد سليماً. إلا أنه مجرد عذر، خاصة وأن ذلك التحليل قد لا يكون سليماً. فبعد أن شهدنا النمو البطيء في المكسيك طيلة الخمسة عشر عاماً الماضية، لم يعد بوسعنا أن نكرر النغمة القديمة التي تقول إن الطريق السليم الواضح هو بلا شك طريق الليبرالية الجديدة المتمثل في اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، والإصلاحات المرتبطة بها.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured