كمبريدج ـ أثبتت أزمة الرهن العقاري الثانوي من جديد مدى صعوبة ترويض المال، الصناعة التي تمثل طوق النجاة بالنسبة للاقتصاد الحديث والخطر الأعظم الذي يتهدده في نفس الوقت. ورغم أن هذه الحقيقة لا تشكل نبأً جديداً بالنسبة للأسواق الناشئة التي شهدت العديد من الأزمات المالية أثناء ربع القرن الماضي، إلا أن نصف قرن من الاستقرار المالي أغرى الدول المتقدمة اقتصادياً بالشعور بالرضا عن الذات.
عكس هذا الاستقرار نوعاً من المقايضة البسيطة: التنظيم في مقابل حرية العمل. فقد أخضعت الحكومات البنوك التجارية للتنظيم المتعقل في مقابل تزويدها بالتأمين العام على الودائع والقيام بوظيفة الإقراض كملاذ أخير. كما خضعت أسواق السندات المالية لمتطلبات المكاشفة والشفافية.
إلا أن إلغاء التنظيمات والضوابط المالية أثناء فترة التسعينيات كان السبب أيضاً في توجيهنا نحو مناطق غير مأهولة. فقد وعدت عملية إلغاء التنظيمات بتفريخ الإبداعات المالية القادرة على تعزيز القدرة على الوصول إلى الائتمان، وإيجاد قدر أعظم من التنوع في حافظات الاستثمار، وتوزيع عامل المجازفة على أولئك الأكثر قدرة على تحملها. وزعم أنصار التحرير المالي أن الإشراف والتنظيم يشكلان عائقاً وأن الحكومات غير قادرة على ملاحقة التغيير.
ولكن ما الفارق الذي أحدثته أزمة اليوم؟ نحن ندرك الآن أنه حتى أعظم لاعبي السوق حنكة كانوا على جهل تام بالأدوات المالية الجديدة التي ابتكرت أثناء السنوات الأخيرة، ولا أحد يستطيع أن ينكر الآن أن صناعة المال تحتاج إلى إصلاح شامل.
ولكن ما هي الإصلاحات اللازمة على وجه التحديد؟ يميل خبراء الاقتصاد الذين يركزون على مثل هذه القضايا إلى الانقسام إلى ثلاث مجموعات.
أولاً أنصار التحرر، والذين يرون أن أي شيء يدخل بين شخصين بالغين متفقين يشكل جريمة. على سبيل المثال، إن كنت تبيع قطعة من الورق فأبديت أنا رغبتي في شرائها، فإن المسئولية تعود إليّ في التعرف على ما أشتريه والانتباه إلى أية عواقب غير مواتية قد تترتب على شرائي لهذه القطعة. وإذا ما لحق بي الضرر نتيجة لشرائي لهذه القطعة فلا يجوز لي أن ألوم أي شخص غير نفسي. ولا يحق لي أن ألتمس العون من الحكومة.
ويدرك معارضو هذا النوع من التحرر وجود عيب قاتل في هذه الحجة: إذ أن الصدمات المالية يترتب عليها ما يطلق عليه خبراء الاقتصاد "المجازفة الشاملة" ـ حيث يتحمل الجميع جزءاً من الثمن. وكما أظهرت مسألة إنقاذ بنك "بير ستيرنز" فقد تضطر الحكومة إلى إعانة المؤسسات الخاصة بهدف منع الهلع الذي قد يؤدي إلى عواقب أشد وطأة في أماكن أخرى. وعلى هذا فإن العديد من المؤسسات المالية، وخاصة الضخمة منها، تعمل تحت ضمانة حكومية ضمنية. وهذا يبرر تنظيم الحكومة لعمليات الإقراض والممارسات الاستثمارية.
ولهذا السبب سنجد أن خبراء الاقتصاد في كل من المجموعتين الثانية والثالثة ـ المتحمسين للمال والمتشككين في المال ـ يميلون إلى التدخل. إلا أن درجة التدخل التي يتسامح معها أفراد المجموعتين تختلف، الأمر الذي يعكس وجهات نظرهم المختلفة فيما يتصل بمدى إخفاق التوجه السائد في الإشراف والتنظيم المتعقل.
يميل المتحمسون للمال إلى النظر إلى كل أزمة باعتبارها فرصة للتعليم. ورغم أن التنظيم والإشراف لن يصلا إلى الكمال أبداً، إلا أن توسيع نطاق هذا النوع من الإشراف بحيث يشمل صناديق المجازفة العالية وغيرها من الأدوات المالية غير المنظمة من شأنه أن يخفف من العيوب والمشاكل المترتبة على الاستعانة بمثل هذه الأدوات. وإذا تعقدت الأمور بالنسبة للهيئات التنظيمية المعتادة، فمن الممكن دوماً تكليف القطاع الخاص بهذه المهمة، وذلك بالاعتماد على نماذج المجازفة التي تتبناها الهيئات المختصة بالتسعير وشركات التمويل. والحقيقة أن المكاسب المترتبة عل الإبداع المالي أضخم من أن نتخلى عنها بفرض المزيد من التدخلات الثقيلة.
بيد أن المتشككين في المال يعترضون على هذا. إذ أنهم أقل اقتناعاً بأن الإبداعات المالية الحالية تؤدي إلى مكاسب ضخمة (باستثناء المكاسب التي تحققها لصناعة المال ذاتها)، وهم يشككون في مدى فعالية التنظيمات المالية المتعقلة. فالتعقل الحقيقي يتطلب في نظرهم استعانة الجهات التنظيمية بمجموعة أعرض من الأدوات، بما في ذلك تحديد سقوف كمية، وفرض الضرائب على الصفقات المالية، وفرض القيود على تحويل الأصول إلى سندات، أو أشكال الحظر الأخرى على الصفقات المالية ـ وكل هذا يشكل نكبة عظمى بالنسبة لأغلب الممارسات السائدة في أسواق المال.
لكي ندرك الأساس المنطقي للدعوة إلى فرض المزيد من التنظيمات والضوابط المالية، فعلينا أن ننظر إلى ثلاث صناعات أخرى خاضعة للتنظيم: العقاقير، والتبغ، والأسلحة النارية. ففي كل من هذه الصناعات نحاول إيجاد نوع من التوازن بين المنافع الشخصية وحرية الأفراد وبين المخاطر التي يتحملها المجتمع والأفراد نتيجة لهذه الصناعات.
تتلخص إحدى الإستراتيجيات في استهداف السلوكيات التي تؤدي إلى المشاكل والاعتماد على ضبط الذات. ويدافع المتحمسون للمال عن هذا التوجه، الذي يقوم على تعيين المعايير السلوكية والسماح للوسطاء الماليين بالتعامل بحرية في كل ما عدا ذلك.
إلا أن أدواتنا التنظيمية تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في ثلاث مناطق. فنحن نقيد القدرة على الوصول إلى أغلب العقاقير، ونفرض الضرائب الثقيلة والقيود على تسويق التبغ، ونتحكم في توزيع وملكية الأسلحة النارية. ونحن هنا نعمل وفقاً لمبدأ بسيط يتلخص في: ما دامت قدرتنا على مراقبة وتنظيم السلوك محدودة بالضرورة، فلابد وأن نعتمد على نطاق أعرض من أدوات التدخل.
نستطيع على نحو ما أن نشبه المتحمسين للمال بالمدافعين عن تملك الأسلحة في أميركا، والذين يزعمون أن الأسلحة لا تقتل الناس، بل إن الناس هم الذين يقتلون الناس. والمعنى الضمني هنا واضح: فالواجب علينا أن نعاقب هؤلاء الذين يستخدمون الأسلحة في ارتكاب الجرائم، لا أن نعاقب الآخرين أيضاً بفرض القيود على حريتهم في الوصول إلى الأسلحة. ولكن لأننا لا نستطيع أن نضمن قدرة التهديد بالعقاب على ردع كل الجرائم، ولا نستطيع أن نمسك بكل المجرمين، فإن هذا يقلص من قدرتنا على حث مالكي الأسلحة على التصرف من واقع الشعور بالمسئولية.
ونتيجة لهذا تحرص أغلب المجتمعات المتقدمة على فرض ضوابط وقيود مباشرة على ملكية الأسلحة. ويعتقد المتشككون في المال على نحو مماثل أن قدرتنا على منع المتعاملين في أسواق المال من الخوض في المجازفة المفرطة محدودة بنفس القدر.
إن اتفاقنا مع المتحمسين أو المتشككين يتوقف على نظرتنا إلى المنافع الصافية المترتبة على الإبداع المالي. وإذا ما رجعنا إلى مثال العقاقير، فإن السؤال هنا يدور حول ما إذا كنا نعتقد أن الإبداع المالي مثله كمثل الأسبرين، الذي تترتب عليه منفعة ملموسة بقدر ضئيل من المجازفة، أو ما إذا كنا نرى الإبداع المالي وكأنه نوع من الأمفيتامينات (المنشطات)، التي تبث فينا الشعور بالنشاط والخفة ثم تؤدي بنا في النهاية إلى عواقب صحية خطيرة.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.