Wednesday, October 22, 2014
3

أحادية خضراء

جنيف ــ في قمة ريو+20 المرتقبة في البرازيل، يجتمع أكثر من 135 رئيس دولة وحكومة، ونحو خمسين ألف مشارك، من بينهم رجال أعمال وممثلون للمجتمع المدني، للإعراب عن التزامهم الجماعي بدعم التنمية الشاملة المستدامة. ولكن على الرغم من الهدف المتمثل في الوحدة والعمل الجماعي الذي تستند إليه القمة، فإن أفضل السبل للمضي قدماً بالنسبة للاقتصاد العالمي يتلخص في البناء على الإجراءات والتدابير التي تتخذها الدول والمناطق منفردة في السعي إلى تحقيق مصالحها الخاصة.

ولكن على الرغم من خطاب القمة الطموح، فإن الإجماع حول كيفية تحقيق التنمية المستدامة لا يزال غائبا، وهو ما تجسد في الخلاف حول إمكانات "النمو الأخضر". فيزعم المؤيدون أن "التكنولوجيا النظيفة"، و"التمويل الذكي"، والسياسات العامة "الداعمة للاستثمار" من شأنها أن تستهل عصراً جديداً مستنيراً من النمو الاقتصادي الذي لا يتسبب في تدهور البيئة. ولكن النمو الأخضر في نظر المعارضين ليس أكثر من تغيير تجميلي للنهج المعتاد في العمل الذي قادنا ً إلى الأزمة المالية العالمية، والذي يديم الفقر ويؤدي إلى تفاقم حالة التفاوت وعدم المساواة بين الناس.

ونظراً لهذا التباعد والاختلاف، فيتعين على صناع القرار أن يستغلوا الفرص المباشرة المتاحة اليوم، بدلاً من التعويل على الاحتمال المرغوب ــ ولو أنه بعيد المنال ــ للتوصل إلى إجماع عالمي. إن الاعتماد على الاقتصاد العالمي، الذي يقوم اليوم على الاستخدام المكثف للموارد وتحركه الرغبة في الربح، في تسليم المنافع العامة العالمية المتمثلة في الأمن البيئي والتنمية، يتطلب قدراً عظيماً من التفاؤل العميق، وخاصة في ضوء الظروف السياسية والاقتصادية العصيبة التي تمر بها القوى الرئيسية الكبرى، وعلى رأسها أوروبا والولايات المتحدة. والواقع أن أوجه القصور التي تعاني منها أسواق رأس المال ــ والتي باتت واضحة جلية في الأعوام الأخيرة ــ لا تبعث على الأمل إلا قليلا. فعلى الرغم من التزايد المستمر للاستثمار في التكنولوجيا النظيفة، فإن مجموع الاستثمارات لا يزال بعيداً عن مبلغ التريليون دولار سنوياً أو أكثر المطلوب لتوفير الطاقة النظيفة وتنفيذ مشاريع البنية الأساسية اللائقة بالقرن الحادي والعشرين.

وهناك حاجة إلى التدخلات السياسية القوية، ولكن الساحة السياسية العالمية عامرة بالفوضى. فمنظمة التجارة العالمية تشرف على نظام تجاري معاد للاستراتيجيات الاقتصادية والصناعية اللازمة لتوسيع نطاق استخدام التكنولوجيا الخضراء. ويفتقر مفاوضو المناخ العالمي إلى التفويض، والحافز، والكفاءات اللازمة للتوصل إلى الإجماع المطلوب بشدة لتيسير التحول الاقتصادي.

بيد أن الاقتصاد العالمي اليوم هو كل ما نملك، لذا يتعين علينا أن نسعى إلى تحقيق أقصى قدر ممكن من الاستفادة منه في دفع التغييرات الخضراء المطلوبة إلى الأمام. وهذا يعني الاستفادة من التحركات الأحادية من جانب الدول أو التجمعات الإقليمية منفردة لوضع الاقتصاد العالمي على مسار أكثر استدامة.

ولقد بدأ بالفعل تطبيق بعض السياسات المفيدة: ففي الصين تغذي إعانات الدعم العامة الضخمة مجموعة أساسية من شركات الطاقة النظيفة ذات التوجهات الدولية؛ وتسعى أوروبا إلى مد خطة مقايضة الكربون إلى شركات الطيران غير الأوروبية؛ وتتحرك الولايات المتحدة نحو أمن الطاقة من خلال استغلال المخزون المحلي من غاز حجر الإردواز.

فضلاً عن ذلك فإن العديد من الدول الأقل تقدماً والحريصة على تأمين مكان لنفسها في النظام الاقتصادي العالمي في الغد تتخذ تدابير أحادية تسمح لها بوضع يدها على حلقات في سلاسل القيمة العالمية من الصناعات المنخفضة الكربون، والطاقة المتجددة بشكل خاص.

يتعين على زعماء العالم، بدلاً من محاولة احتواء هذه الأحادية، أن يعملوا على دعمها وتعزيزها في السعي إلى تحقيق المنافع العامة العالمية. والواقع أن نجاح مثل هذه الاستراتيجية يتوقف على ثلاثة عوامل: التركيز على عدد قليل من التحركات الوطنية والإقليمية الكبيرة، وتوفير القدر الكافي من التمكين السياسي لهذه التحركات، وتشكيل التحالفات الدولية لتوجيهها على مسار مشروع.

وأحد المجالات الواجب استهدافها هنا صناديق الثروة السيادية، التي من المتوقع أن ينمو مجموع أصولها على مدى العقد القادم من 3 إلى 4 تريليون إلى 10 تريليون دولار. فضلاً عن ذلك فإن الحكومات تشتري من السلع والخدمات ما تقرب قيمته من 3 إلى 4 تريليون دولار سنويا، وهي قوة ذات إمكانات هائلة لحفز التحولات في السوق. وتتجاوز إعانات دعم الوقود الأحفوري 400 مليار دولار سنويا، في حين تشير التقديرات إلى أن الإجمالي السنوي لإعانات الدعم العامة من الموارد الطبيعية يتجاوز تريليون دولار. وسوف تزيد الصين وحدها مستوى الاستثمار المباشر في الخارج على مدى العقد المقبل بما يقدر بنحو تريليون دولار ــ وهذا بمثابة هدية للاستدامة إذا قمنا بصياغة عملية نشر هذا المبلغ وقد وضعنا هذه الرؤية في الاعتبار.

إن تشكيل هذا التوجه الأحادي يتطلب إيجاد سبل جديدة للتعاون، ولقد بدأت مثل هذه المنابر في الظهور بالفعل. ومن الممكن أن تعمل مؤسسات مثل اللجنة الوزارية للطاقة النظيفة برعاية الولايات المتحدة، ووكالة الطاقة المتجددة التي تتخذ من أبو ظبي مقراً لها، والوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا)، ومعهد النمو الأخضر العالمي الذي تأسس بمبادرة من كوريا الجنوبية، على توفير مسارات العمل العملية لتعزيز التحركات الأحادية.

كما يركز جيل جديد من الشراكات بين القطاعين العام والخاص على إطلاق العنان لفرص استراتيجية في مجال النمو الأخضر. ويبرز العديد من أكثر الشراكات تبشيراً في منتدى النمو الأخضر العالمي بقيادة الدنمرك، وهي تتضمن تحالفات تعمل على تخضير المشتريات العامة، وإنشاء "منطقة تجارة للطاقة المستدامة"، والتصدي لإعانات دعم الوقود الأحفوري في مختلف أنحاء العالم.

في وضعه الحالي، أصبح الاقتصاد العالمي غير لائق لخدمة الاحتياجات الجماعية اليوم، ناهيك عن الغد. ولابد من إصلاح أسواق رأس المال، ليس فقط لضمان قدرتها على الصمود ــ وهو مجال تركيز محاولات إصلاح السوق المالية اليوم ــ بل وأيضاً لضمان تخصيص الأموال على النحو الذي يؤمن مرونة الاقتصاد الحقيقي والبيئة الطبيعية التي نعتمد عليها. ومن ناحية أخرى، يتعين على صناع السياسات أن يستفيدوا من الأصول الاقتصادية المركزة الموجهة لتحفيز التحول الاقتصادي الأكثر اخضراراً واستدامة.

إن القوة الأكثر عتياً في الاقتصاد السياسي العالمي اليوم تتمثل في القرارات الأحادية التي تتخذها البلدان والمجموعات الإقليمية في السعي إلى تحقيق مصالحها الاقتصادية الخاصة. وهي القوة التي ينبغي تسخيرها من خلال التعاون الدولي الذي يهدف إلى تعزيز فعالية مثل هذه القرارات على المستوى الوطني وإسهامها في توفير المنافع العامة العالمية. ويتعين على هؤلاء الذين سيحضرون قمة ريو+20 أن يحتضنوا هذه الفرصة الاستراتيجية الواعدة رغم صعوبتها.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedTim Hall

    But what about the globalised nature of the economy and equity when dealing with international environmental politics? http://www.symnews.org/a-response-to-simon-zadek/

  2. CommentedZsolt Hermann

    The situation is very simple.
    Until we all understand, feel, and live through the knowledge that we are all sitting on the same boat, and if somebody starts drilling a hole underneath himself he sinks the whole boat, and nobody can escape or disconnect from this tight network, we will never achieve anything at these "summits".
    At the moment leaders and the public alike still think that we can sort out our own problems and we do not need to care about others, "what is mine is mine, what is yours is yours" and we can even smile, and be happy if somebody else has problems, or cannot cope with his own conflicts as we can benefit from it.
    Global, integral means exactly how it sounds. We are totally interdependent.
    As soon as we truly feel this then we will start making decisions reflecting our global reality.
    As long as we ignore the obvious reality and facts around us we will continue living in our "individual, and free" illusion digging ourselves deeper and deeper.

      CommentedA. T.

      The problem is not only (or perhaps today, even not mostly) about each of us doing what is best for our own selfish interests. The problem is that we cannot agree on what is best for all of us. It's not drill a hole in the boat or don't drill a hole in the boat – there are many interconnected and dynamic processes, and many different ways to reasonably estimate the impacts of each of them. As a result, many often mutually-exclusive solutions, each of which can reasonably claim to be in the "common interest" (and yet simultaneously be perceived as unfair or unworkable), are possible.

      The seeming impossibility of squaring this circle (I certainly don't know how it could be done), with all sides convinced that it is they who are most right (and everyone who disagrees must be greedy, evil, or stupid) is what is preventing ANY action from happening, with no side capable of moving without the support of the others and few sides (understandably, given the stakes involved) willing to compromise much.

Featured