Friday, November 21, 2014
2

تقدير الدولة الحسنة الأداء حق قدرها

مدريد ــ يبدو أن انتصار الديمقراطية واقتصاد السوق ــ "نهاية التاريخ" كما وصفه الفيلسوف السياسي الأميركي فرانسيس فوكوياما ــ والذي قيل إنه حتمي مع سقوط سور برلين، سرعان ما تبين أنه لم يكن أكثر من سراب إلا قليلا. ولكن في حين تقدم الصين رقصتها الفكرية على قدم واحدة في محاولة للحفاظ على حكم الحزب الواحد وتبني عقيدة الرأسمالية في نفس الوقت، فقد حول مفسرو التاريخ تركيزهم نحو الاقتصاد: فلن يتمتع الجميع بحرية اختيار حكوماتهم، ولكن الازدهار الرأسمالي سوف تكون له الغلبة في مختلف أنحاء العالم.

ورغم ذلك فإن الاضطرابات الاقتصادية التي تزعزع أركان أوروبا الآن، بدأ تآكل الطبقة المتوسطة في الغرب، وفجوة التفاوت الاجتماعي المتنامية في مختلف أنحاء العالم، في تقويض مزاعم الرأسمالية بأنها حققت انتصاراً عالميا. فالآن تُطرَح أسئلة صعبة: هل الرأسمالية كما نعرفها مصيرها إلى زوال؟ وهل لم تعد السوق قادرة على توليد الازدهار؟ وهل تصلح نسخة رأسمالية الدولة في الصين كبديل ونموذج قادر على تحقيق النصر؟

إن عملية البحث عن الذات المنتشرة الآن والتي استحثتها مثل هذه الأسئلة تعمل على تغذية اعتراف متزايد بأن نجاح الرأسمالية لا يعتمد على سياسة الاقتصاد الكلي أو المؤشرات الاقتصادية فحسب. بل إن هذا النجاح يستند إلى قاعدة صخرية من الحكم الرشيد وسيادة القانون ــ بعبارة أخرى، دولة جيدة الأداء. والواقع أن الغرب تجاهل الأهمية الجوهرية لهذه الحقيقية أثناء انشغاله بمكافحة الشيوعية.

ولم يحمل لواء الحرب الباردة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي فحسب، بل وأيضاً الأفراد والمجموع بالمصطلح الإيديولوجي. وعندما تتنافس في البلدان المستقلة حديثاً أو النامية فإن هذه المعارضة الإيديولوجية تتحول إلى نوع من المانوية، فتعزز الشك العميق، إن لم يكن الرفض الصريح للمبادئ المنافسة. ونتيجة لهذا فإن محاولات تعزيز مؤسسات الدولة كانت تُعَد في الغرب غالباً حيلة شيوعية، في حين نظرت الكتلة السوفييتية إلى أي ذِكر للحرية والمسؤولية الفردية باعتبارها حجة تتذرع بها الثورة الرأسمالية المضادة.

منذ فترة طويلة ظل كبار خبراء الاقتصاد يزعمون أن اعتماد الغرب بشكل أكبر على الأسواق أسفر عن نمو اقتصادي أسرع وأكثر قوة. ولكن بالنظر إلى الدولة والسوق من حيث الصراع الطبيعي بينهما لم يعد يعكس الواقع (إن كان قد عكسه في أي وقت مضى). بل وقد بات من الواضح على نحو متزايد أن الخطر الذي يهدد الرأسمالية اليوم لا ينبع من حضور الدولة، بل من غيابها أو عدم كفاية أدائها.

ولنتأمل الأحداث الأخيرة في الأرجنتين، التي تواجه خسائر اقتصادية مؤكدة مع إعادة المستثمرين القلقين النظر في استثماراتهم في البلاد في أعقاب تأميم الحكومة لعملاق الطاقة شركة "واي بي اف". وهي ردة فعل منطقية، لأن المستثمرين يبحثون عن الأمان في النظام القانوني الفعّال القادر على حمايتهم من القرارات السياسية المتقلبة.

وتقدم لنا المكسيك دليلاً آخر على أن السوق وحدها لا تكفي. إن النظام القضائي الذي يتسم بالكفاءة والسيطرة القانونية الفعّالة من العناصر الضرورية لازدهار الرأسمالية. وفي البرازيل، تتجرأ الحكومة لأول مرة فتتصدى لعدم شرعية الأحياء الفقيرة المحيطة بالمدن الكبرى في البلاد. أو لنتأمل الازدهار الذي حققته غانا وكيف يسير، كما هي الحال في البرازيل، جنباً إلى جنب مع تحسن إدارة الحكم. وعلى الطرف الآخر المناقض، سنجد أن تقويض الرئيس هوجو شافيز في فنزويلا للمؤسسات في بلاده، وتحويلها إلى دولة مخدرات، يضع فنزويلا إلى جانب هايتي باعتبارهما استثناءً من النجاح الاقتصادي الذي حققته أميركا اللاتينية مؤخرا.

وبشكل أكثر عموماً فإن الدول المزدهرة على مستوى العالم هي تلك التي تتمتع بمؤسسات قوية وفعّالة، تدعمها أطر قانونية تضمن سيادة القانون. ودول أميركا اللاتينية وأفريقيا ليست الأمثلة الوحيدة التي تثبت هذه الحقيقة. إن المشاكل الداخلية التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي، وأزمة الديون السيادية المستمرة، ترتبط بوضوح بضعف مؤسساته، ولا يزال الاتحاد الأوروبي يواجه ديمقراطيات عاجزة على أطراف أوروبا.

وعلى أعتاب أوروبا، تعمل المحاكمة الصورية وسجن رئيسة الوزراء الأوكرانية السابقة يوليا تيموشينكو على تعريض مكانة بلادها الاقتصادية الدولية للخطر. وبشكل خاص، كان ازدراء الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش لسيادة القانون سبباً في تجميد علاقات أوكرانيا بالاتحاد الأوروبي، مع تعليق اتفاقية التجارة الحرة الشاملة والارتباط لحين الإفراج عن تيموشينكو وغيرها من السجناء السياسيين. وعلى نحو مماثل، تعمل المحاكمات السياسية في مصر على اجتذاب الاهتمام الدولي وردع الاستثمار الأجنبي في البلاد.

وفي آسيا، تكشف الصين عن زيف النظر إلى رأسمالية الدولة باعتبارها بديلاً منافساً للرأسمالية الليبرالية. والتعامل معها باعتبارها بدائل لا يزيد في واقع الأمر إلا قليلاً عن كونه بقايا فكرية من عصر الحرب الباردة، أشبه إلى حد كبير بمفهوم "رأسمالية الدولة" ذاته. الواقع أن الصين، بفضل قدرتها المذهلة على التكيف، تخطو خطوات هائلة نحو استيعاب القوة المتصاعدة لأسواقها وشعبها. وفي خضم هذه العملية، يعترف المسؤولون بأهمية الحكم الرشيد، كما أثبتت الجهود المبذولة مؤخراً لتبرير عملية تطهير بو شي لاي والتحقيق معه باعتباره مثالاً لصيانة الحزب الشيوعي لسيادة القانون.

يقول آدم سميث ــ رمز نظرية السوق ــ إن الثروة تنشأ عندما تعمل المؤسسات العامة على تمكين "اليد الخفية" للسوق من التوفيق بين المصالح. بيد أن الحرب الباردة شوهت هذه الحكمة. وفي عالم خال من القيود الإيديولوجية التي فرضها ذلك العصر، فإن الوقت حان لكي نعلن بصوت عال واضح أن مستقبل الرأسمالية يرتبط بالحكم الفعّال وسيادة القانون، وبالتالي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتعزيز الدولة الحسنة الأداء.

ترجمة: إبراهيم محمد علي Translated by: Ibrahim M. Ali

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (2)

    Please login or register to post a comment

    1. Commentedjames durante

      Weird: the whole article seems to turn on assuring capitalism's success. Is this just simple bourgeois economics or religion? Or is there a difference between the two?

        CommentedNicholas Milstone

        The article emphasizes on how capitalism could work better. There's no hint of advocacy that the capitalism is always right.

    Featured