Wednesday, July 23, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

مقامرة جايثنر

لوس انجليس ـ في مقابلة أجريت معه مؤخرا، عَرَض وزير خزانة الولايات المتحدة تيم جايثنر وجهة نظره فيما يتصل بطبيعة النمو الاقتصادي العالمي والدور الذي يلعبه القطاع المالي الأميركي. وهي في الواقع رؤية مثيرة للانزعاج الشديد، فهي ترقى إلى مقامرة ضخمة غير محسوبة بمستقبل الاقتصاد الأميركي ـ وتشير إلى أن جايثنر يُعَد المسؤول الرسمي الأول على مستوى العالم الذي يخدم إيديولوجية المصلحة الذاتية التي يتبناها أسياده من القائمين على البنوك الكبرى.

يزعم جايثنر أن العالم سوف يشهد الآن عملية "تعميق مالي" كبرى، وأن هذا يرجع إلى الطلب المتنامي في الأسواق الناشئة على المنتجات والخدمات المالية. وهو يتحدث بطبيعة الحال عن البلدان "المتوسطة الدخل" مثل الهند والصين والبرازيل. وهو محق في التأكيد على أن كل هذه البلدان أحرزت تقدماً رائعاً وأنها الآن تقدم فرصاً عظيمة لأبناء الطبقة المتوسطة الصاعدة، الراغبين في تكديس المدخرات، والاقتراض بسهولة أكبر (لأغراض الاستثمار الإنتاجي، وشراء المساكن، والتعليم، إلى آخر ذلك)، وبصورة أكثر عموما، تحرير الاستهلاك من المعوقات.

ولكن جايثنر قفز قفزة كبرى. فهو يريد أن تحمل بنوك الولايات المتحدة لواء الريادة في التنمية المالية في هذه البلدان. والواقع أن كلماته تستحق أن نوردها هنا كاملة:

"لست متحمساً على الإطلاق لمحاولة تقليص الأهمية النسبية للنظام المالي في اقتصادنا بوصفه اختباراً للإصلاح، وذلك لأننا لابد وأن نفكر في حقيقة مفادها أننا نعمل في إطار العالم الأرحب... وهو الأمر نفسه بالنسبة لمايكروسوفت أو أي شيء آخر. ونحن نريد للشركات الأميركية أن تستفيد من ذلك... الآن أصبحت الشركات المالية مختلفة بسبب المجازفة، ولكن بوسعنا أن نحتو هذا من خلال التنظيم".

إن هذه الرؤية تنطوي على ثلاث مشاكل خطيرة. الأولى أن جايثنر يتجاهل كل ما نعرفه عن نمط التنمية المالية المتبع في مختلف أنحاء العالم. من النادر للغاية أن تتطور الأنظمة المالية من دون أزمات كبرى. والواقع أن الخبرات في العقود الأخيرة تؤكد ما كان ينبغي لنا جميعاً أن ننتبه إليه بوضوح من القرون السابقة: فمع نمو البلدان وتكديسها للمدخرات، تصبح عُرضة على نحو متزايد للانهيار المالي. ونظراً للخبرة المكثفة التي يتمتع بها جايثنر في مكافحة الأزمات بوصفه وزيراً لخزانة الولايات المتحدة، وبحكم عمله سابقاً في صندوق النقد الدولي، وبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، فإن السذاجة التي أبداها حالياً فيما يتصل بهذه النقطة تصبح مذهلة ببساطة.

والمشكلة الثانية أن جايثنر يفترض أن المخاطر التي تواجهها أضخم الشركات في الولايات المتحدة يمكن احتواؤها من خلال التنظيم، في حين تشير كل معارفنا بشكل مباشر إلى العكس. وحتى أشد المؤيدين لتشريع دود-فرانك للإصلاح يؤكدون أن هذا التشريع لم تقطع سوى خطوات جزئية في اتجاه الحد من الحوافز المقدمة للمؤسسات المالية الكبرى بهدف حثها على خوض مجازفات كبرى. وإذا نظرنا إلى التأثير المجمع للقانون الجديد، بالإضافة إلى متطلبات رأس المال الإضافية الضعيفة التي تم الاتفاق عليها بموجب اتفاقية بازل الثالثة، ونهج عدم التدخل الذي أشار إليه بالفعل مجلس الإشراف على الاستقرار المالي (والذي يترأسه السيد جايثنر)، فسوف يتبني لنا أنه من الصعب أن نصدق أن أي شيء قد تحسن حقا.

في واقع الأمر، ولأن أضخم البنوك لدينا أصبحت الآن وبلا أدنى شك أضخم من أن تترك للإفلاس، فقد أصبح لديها الآن حافز أضخم يدفعها إلى زيادة مستويات ديونها نسبة إلى صافي أصولها. وتعمل الروافع المالية الأعلى على زيادة حجم المكافآت عندما تكون الظروف مواتية ـ حيث يحصل المديرون التنفيذيون والمتاجرون على مستحقاتهم استناداً إلى العوائد التي يحققونها على صافي الأصول. وحينما تسوء الأحوال، على سبيل المثال في أوقات الأزمات، فإن الخسائر يجري تحويلها إلى الدائنين. وإذا كانت خسائر الدائنين ضخمة ومنتشرة إلى الحد الذي قد يهدد النظام المالي ككل، فإن الضغوط تتزايد في اتجاه دفع الحكومة إلى تنفيذ عمليات إنقاذ. وبهذا يتمتع المصرفيون بفوائد الجانب الإيجابي، في حين يتحمل دافعو الضرائب (والعاملون المسرحون نتيجة تعطل الائتمان) الجانب السلبي.

لقد جُن جنون القطاع المالي في الولايات المتحدة في تقديم القروض العالية المخاطر للأسواق الناشة أثناء سبعينيات القرن العشرين ـ وزعم القائمون عليه أن ذلك كان بمثابة حدود جديدة. ثم انفجرت محفظة القروض هذه في أزمة الديون في عام 1982. والآن نشهد نسخة أخرى من نفس الإقراض المتهور عبر الحدود، وبإشادة من كبار المسؤولين التنفيذيين في القطاع المالي (مثل جيمي ديمون من جيه. بي مروجان تشيس) ـ الذين أقنعوا السيد جايثنر فيما يبدو بمجاراتهم على الصعيد الفكري.

والمشكلة الثالثة أن جايثنر يتجاهل تمام التجاهل العوامل التي أدت إلى تدمير جزء كبير من أوروبا اقتصاديا. ويتعين عليه أن ينفق المزيد من الوقت مع السلطات في أيسلندا أو أيرلندا أو سويسرا، وهي البلدان حيث سمحت "العولمة المالية" بتضخم أحجام البنوك نسبة إلى الاقتصاد.

ففي أيسلندا، تمكنت أضخم ثلاثة بنوك من بناء قوائم مالية عالمية بلغت أحجامها أحد عشر إلى ثلاثة عشر ضعف حجم اقتصادها. ثم انهارت.

وفي أيرلندا، جُن جنون أضخم ثلاثة بنوك في السعي إلى الحصول على العقارات التجارية ـ الممولة بالاقتراض على نطاق واسع من بلدان منطقة اليورو (بما في ذلك ألمانيا). أما الساسة فقد نظروا في الاتجاه الآخر ـ أو التزموا الصمت بمقابل مالي كما يزعم البعض ـ بينما عملت هذه البنوك على بناء قوائم مالية عادلت قيمتها ضعف الناتج المحلي الإجمالي الأيرلندي. ثم انهارت تلك البنوك، الأمر الذي أدى إلى الإضرار بشدة بقدرة الحكومة على سداد ديونها.

وفي سويسرا، كان مجموع القوائم المالية لأضخم بنكين هناك (يو بي إس وكريدي سويس) في خريف عام 2008 قد بلغ ثمانية أمثال الناتج المحلي الإجمالي السويسري ـ استناداً في الأساس إلى أنشطتهما العالمية. والواقع أن تجار الرهن العقاري في لندن ـ ولم يكن الكثيرون منهم سويسريين ـ خاضوا مجازفات هائلة كادت تؤدي إلى انهيار بنك يو بي إس. وكان بوسع الحكومة السويسرية أن تتحمل تكاليف الإنقاذ بالكاد. والآن يتحرك البنك الوطني السويسري في الاتجاه المعاكس تماماً لاتجاه جايثنر ـ حيث يسعى إلى تقليص أحجام هذه البنوك الضخمة وتمويل المزيد من أنشطتها بالاستعانة بصافي الأصول، وليس بالاستدانة.

إن جايثنر موظف عام ب��لغ الذكاء ومخضرم. ولا شك أن وجهات نظره فيما يتصل بمستقبل التمويل سوف تساعد في صياغة الأحداث في هذا السياق. ولهذا السبب فإننا نتجه لا محالة نحو قدر عظيم من المتاعب.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured