Thursday, October 23, 2014
0

غزلان وسلاحف

ميونيخ ـ لقد انتهت الأزمة المالية العالمية الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية. وكما أطبقت علينا هذه الأزمة فجأة في عام 2008، فها هي ذي ترحل بعد ما يقرب من الثمانية عشر شهراً وبنفس السرعة التي حلت بها علينا تقريبا. ويبدو أن برامج إنقاذ البنوك التي بلغت قيمتها خمسة تريليون يورو وبرامج التحفيز الكينزية التي بلغت قيمتها تريليون يورو أخرى نجحت في إبعاد شبح الانهيار. فبعد أن هبط الناتج المحلي الإجمالي العالمي بمقدار 0,6% في عام 2009، بات من المتوقع طبقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي أن يسجل نمواً يبلغ 4,6% هذا العام و4,3% في عام 2011 ـ أي أسرع من متوسط النمو على مدى العقود الثلاثة الماضية.

ولكن أزمة الديون الأوروبية لا تزال باقية، والأسواق لا تثق بشكل كامل في الهدوء الحالي. ولا تزال علاوة المجازفة الإضافية التي يتعين على البلدان المتعثرة مالياً أن تدفعها مرتفعة، الأمر الذي يشير إلى استمرار الخطر.

ففي العشرين من أغسطس/آب بلغت العلاوات الإضافية على أسعار الفائدة اليونانية 8,6% نسبة إلى نظيراتها الألمانية، وهو مستوى أعلى حتى من ذلك الذي بلغته في نهاية إبريل/نيسان عندما أصبحت اليونان مفلسة عملياً الأمر الذي أدى إلى اتخاذ تدابير الإنقاذ على نطاق الاتحاد الأوروبي بالكامل. كما ارتفعت الفوارق بالنسبة لأيرلندا والبرتغال، رغم أن الأمر بدا بنهاية يوليو/تموز وكأن حزمة الإنقاذ الضخمة التي اشترك فيها الاتحاد الأوروبي وبلدان منطقة اليورو وصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي، والتي بلغت قيمتها 920 مليار يورو، قادرة على تهدئة الأسواق.

وينقسم العالم في الوقت الحالي إلى مجموعتين من الدول: تلك التي خرجت من الأزمة وتمر بمرحلة من التعافي القوي، وتلك التي تخلفت وبدأت تشير إلى نشوء مشاكل جديدة. وتنتمي البرازيل وروسيا والهند والصين ـ والتي يطلق عليها بلدان "البرهص" ـ إلى المجموعة الأولى. وحتى روسيا، حيث كان التحسن صعباً ومتردداً، من المتوقع أن تسجل نمواً يبلغ 4,3% هذا العام. أما الصين فتظل في المقدمة بمعدل نمو يبلغ نحو 10%.

وتتألف المجموعة الثانية من البلدان التي تعاني من مشاكل الديون، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ورغم أن الولايات المتحدة من المتوقع أن تنمو بنسبة 3,3% هذا العام وبنسبة 2,9% في العام القادم ـ وهو المتوسط الطويل الأمد تقريباً للنمو في الولايات المتحدة على مدى الأعوام الثلاثين الماضية ـ فإننا لا نستطيع أن نعتبر هذا تحسناً ملموساً قادراً على دعم ذاته، وذلك نظراً للعجز المالي الذي من المتوقع أن يصل إلى 11% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، قبل أن يتراجع إلى 8,2% في عام 2011، وهي نسبة مرتفعة رغم التراجع.

ورغم أن الولايات المتحدة لم تعد تعاني من ارتفاع معدلات البطالة، فإن معدل البطالة الذي يبلغ 9,5% حالياً يُعَد مرتفعاً للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، إذ يعادل ضعف مستواه تقريباً قبل الركود. وتظل المشكلة قائمة في السوق العقارية، التي كان انهيارها سبباً في اندلاع الأزمة. ويبدو أن مؤشر كيس-شيللر لمساكن الأسرة الواحدة سجل بعض الانتعاش في ربيع 2009، بعد انحداره بما يعادل 34% نسبة إلى موجة الازدهار الأخيرة السابقة للأزمة. ولكن أسعار المساكن ظلت ثابتة منذ ذلك الوقت ولم تظهر اتجاهاً واضحا.

وفي مايو/أيار 2010 سجلت مشاريع بناء مساكن الأسرة الواحدة أدنى مستوياتها منذ العمل بهذا لمؤشر في عام 1963. وأثناء الفترة من مايو/أيار إلى يونيو/تموز من هذا العام هبطت أسعار العقارات التجارية بنسبة ضخمة بلغت 4%. وكل هذا من شأنه أن يؤثر سلباً على الاستهلاك وصناعة البناء والنظام المصرفي في الولايات المتحدة.

فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من تشريع الإصلاح المصرفي الأخير، فإن الولايات المتحدة لم تنجح حتى الآن في علاج أوجه القصور البنيوية التي تعيب أسواق رأس المال لديها. والمشكلة الرئيسية هنا أن تدفق الائتمان الأجنبي كان هزيلاً لأن الأوراق المالية الأميركية المدعومة بالرهن العقاري والمشتقات المالية القائمة عليها أصبحت غير قابلة للبيع في أي مكان تقريبا.

ولقد تفككت هذه السوق ببساطة، حيث تراجع حجم الإصدارات السنوية بنسبة 97% ـ من 1,9 تريليون دولار إلى 50 مليار دولار فقط ـ أثناء الفترة بين عام 1996 وعام 2009. وكان لزاماً على كل مشاريع تمويل الإسكان تقريباً (95% منها) في عام 2009 أن تمر عبر الوكالات التابعة للدولة مثل فاني ماي، وفريدي ماك، وجيني ماي لمنع الانهيار الكامل لاقتصاد الولايات المتحدة.

وفي أوروبا أيضاً لا تزال الصورة مشوشة. فما تزال بلدان الازدهار سابقا ـ اليونان وأيرلندا وأسبانيا ـ تعاني من الركود، ومن المتوقع أن يستمر ناتجها المحلي الإجمالي في الانكماش. فقد ارتفعت معدلات البطالة في أسبانيا ـ التي تعد واحدة من أضخم بلدان أوروبا اقتصادا ـ إلى عنان السماء حتى بلغت 20%، ولم تظهر أي علامات للتحسن حتى الآن. وفي عام 2009 تقلص الاقتصاد الأسباني بنسبة 3,6%، ومن المتوقع أن يتقلص بنسبة 0,4% هذا العام. أما في فنلندا وبريطانيا وإيطاليا فمن المتوقع أن تكون معدلات النمو أقل من المتوسط.

بيد أن ألمانيا، صاحبة أضخم اقتصاد في أوروبا، تشهد تحسناً اقتصادياً قوياً ومدهشا. وطبقاً لمؤشر دورة الأعمال التابع لمعهد ايفو فإن الاقتصاد الألماني بلغ منطقة "الرواج"، سواء فيما يتصل بالتوقعات أو تقييم الموقف الحالي. والواقع أن هذا المؤشر لم يسجل طيلة تاريخه الذي بلغ خمسين عاماً مثل هذا الصعود الحاد الذي سجله على مدى الأشهر الاثني عشر الماضية.

ومن المتوقع أن تنمو ألمانيا، التي كانت صاحبة أبطأ نمو في أوروبا طيلة أعوام عِدة، بنسبة 3% أو أكثر هذا العام، في حين توقف المتوسط في بلدان الاتحاد الأوروبي الخمسة عشر (وبلدان الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين ككل) عند مستوى 1,1% فقط. كما أظهرت سوق العمل الألمانية تحولاً خارقا. فمعدل البطالة الذي يبلغ الآن 7% يُعَد أقل قليلاً مما كان عليه حتى في أوج موجة الازدهار السابقة في خريف 2008، ومن المتوقع أن يستمر المعدل في الانحدار.

ومن ناحية أخرى، فإن فرنسا، صاحبة ثاني أضخم اقتصاد في أوروبا، ما زالت تكافح. فقد بلغ معدل البطالة لديها 10% حالياً، ومن المتوقع أن يدور معدل نمو ناتجها المحلي الإجمالي في هذا العام حول 1,3%، وهو ما يزيد قليلاً عن المتوسط في الاتحاد الأوروبي. وفي حين أصبح معدل البطالة في ألمانيا الآن أدنى قليلاً من مستواه أثناء موجة الازدهار الأخيرة، فإن المعدل الفرنسي أعلى كثيراً من مستواه أثناء فترة الركود السابقة (2004-2005).

ويكمن تفسير هذا العالم المنقسم في حقيقة مفادها أن البلدان التي شهدت موجة ازدهار طويلة مدعومة بواردات ضخمة من رؤوس الأموال، مثل اليونان وأسبانيا والولايات المتحدة، تجد الآن صعوبة متزايدة في الحصول على التمويل الخارجي. وفي المقابل، سنجد أن البلدان التي صدرت رؤوس الأموال تتمتع الآن بفائض من السيولة لأن رؤوس الأموال بدأت في الابتعاد عن البلدان "المشبعة". وهذا الفائض في المعروض من الائتمان يؤدي إلى الاستهلاك الإضافي والاستثمار، وبالتالي الازدهار.

إن العالم الغربي يشهد حالياً عملية إعادة توازن للحافظات الاستثمارية، وهو ما يعمل على عكس مسار التصنيف الدولي لمعدلات النمو نسبة إلى نظيراتها قبل الأزمة. والآن يتعثر الأبطال السابقون على المضمار، في حين تركض سلاحف الماضي مثل الغزلان.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured