Thursday, October 30, 2014
0

من روما إلى موسكو

كانت زيارة موسكو وصياغة علاقات تقارب مع الكنيسة الأرثوذكسية من بين الأحلام التي راودت بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني. وعلى الرغم من دعوته لزيارة موسكو من قِـبِـل آخر ثلاثة رؤساء حكموا روسـيا ـ فلاديمير بوتـن، وبوريس يلتسـين، وميخائيل جورباتشوف ـ إلا أن معارضة بطريرك الأرثوذكس أليكسي للزيارة منعت البابا من القيام بتلك الرحلة قبل وفاته. تُـرى هل ينجح البابا بنيديكت السادس عشر في تحقيق هذا الإنجاز الكبير الذي عجز صديقه وسلفه عن تحقيقه؟

على الرغم مـن استرجاع روسيا مؤخراً لأيقونة سيدة قازان التي كانت معلقة ذات يوم فـي غرفة نوم يوحنا بولس، إلا أن العلاقات بين الفاتيكان والبطريركية مـا زالت متوترة. لذا فقد ظل بوتن، الذي يبدو عادة في هيئة من لا حدود لنفوذه وسطوته، شديد الحذر بشأن إصدار الدعوة للبابا بنيديكت. وهناك عامل سياسي جديد أدى إلى تفاقم شدة هذا الحذر: ذلك أن الدفاع عن الأرثوذكسية بات من الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الفكرة القومية التي يسعى بوتن إلى تأسيس شرعية نظامه عليها.

وهذا أحد الأسباب التي جعلت بوتن يختار أن يكون واحداً من رؤساء الدول القلائل الذين لم يحضروا جنازة البابا يوحنا بولس. ومع أن الكنيسة الأرثوذكسية أرسلت وفداً لحضور الجنازة، إلا أن البطريرك أليكسي حذر فور انتهاء الجنازة من أن الخلافات بين فرعي المسيحية تمتد إلى جذور أعمق كثيراً من جنسية البابا السابق البولندية، والتي كانت تشكل دوماً منطقة مؤلمة على نحو خاص بالنسبة للسلافيين الأرثوذكس في روسيا.

كان الروس يرون أن جنسية يوحنا بولس البولندية تربط بينه وبين تاريخ طويل من الاضطهاد الذي عانت منه الأرثوذكسية الروسية. ولقد كتب ألكسندر بوشكين في عام 1836 قائلاً: "كانت الأرثوذكسية دوماً موضع اضطهاد التعصب الكاثوليكي ... فكان مبشروها يصبون لعناتهم على الكنيسة الأرثوذكسية، ويلتجئون إلى النفاق والرياء والتهديدات في محاولة لا ترمي فقط إلى تجنيد البسطاء من الناس في الكاثوليكية، بل أيضاً استقطاب الكهنة والقساوسة الأرثوذكس". وكان الروس الذين ظلوا ينظرون إلى الكنيسة الكاثوليكية باعتبارها تهديداً يقتبسون هذه السطور على نحو منتظم.

أما البابا بنيديكت فلأنه من ألمانيا، وهي الدولة التي تسودها البروتستانتية، فهو لا يحمل على كتفيه عبء ذلك التاريخ المرير. وربما كان هذا أحـد الأسباب التـي دفعت أليكسي إلى الرد بصورة إيجابية على الحديث الأول للبابا بنيديكت الذي حث فيه على المصالحة وتمنى أن تؤدي هذه المصالحة إلى تحسين "العلاقات الأرثوذكسية الكاثوليكية في منطقة ما بعد الدولة السوفييتية".

وتستطيع الحكومة الروسية التي كانت على علاقات ودية مع الفاتيكان عادة أن تحتضن هذه الروح الإيجابية وتغذيها. والحقيقة أن وزير الخارجية الروسـي سيرجي لافروف يفكر في العديد من المشاريع التي يرى أن الفاتيكان يستطيع المساعدة في تحقيقها، وعلى نحو خاص فيما يتصل بدفع قضية المصالحة إلى الأمام وخلق نوع من "الشراكة بين الحضارات".

ومؤخراً نادى عضو رئيسي بارز آخر من أعضاء الفاتيكان، وهو الكاردينال والتر كاسبر رئيس مجلس الوحدة المسيحية، بعقد لقاءات كاثوليكية أرثوذكسية عالية المستوى تعكف على محاولة توحيد فرعي المسيحية. ويحظى الكاردينال كاسبر باحترام كبير في روسيا لكونه الرجل الذي أعاد أيقونة سيدة قازان إلى مسقط رأسها. وفـي خطاباته العامة اقترح كاسبر أكثر من مرة أن يعتبر الفاتيكان قضية توحيد المسيحية هدفاً رئيسياً له. كما أعلن مراراً وتكراراً ـ وهو الأمر الأكثر الأهمية من وجهة نظر الأرثوذكس ـ أن "الوحدة لا تعني التماثل بالضرورة".

من الضروري أن ندرك أهمية انتماء كل من البابا بنيديكت والكاردينال كاسبر إلى أصل ألماني، وذلك لأن العلاقات الروسية الألمانية ربما أصبحت الآن أكثر دفئاً مما كانت عليه في أي وقت مضى. ومن المعروف أن بوتن، على وجه الخصوص، يجيد اللغة الألمانية بعد أن أمضى سنوات عديدة في ألمانيا الشرقية أثناء خدمته كعميل في هيئة الأمن القومي والاستخبارات السوفييتية (KGB). فضلاً عن ذلك، فعلى عكس البابا يوحنا بولس الثاني الذي كان باعتباره بولندياً ينظر دوماً إلى روسيا الشيوعية كدولة قمعية ظالمة، يحمل بنيديكت مشاعر الذنب الألمانية النابعة من الماضي النازي للدولة وغزوها الوحشي لروسيا.

نستطيع اليوم أن ندرك في كل من روما وموسكو ذلك الشعور المتنامي بالأمل في إمكانية تمهيد الطريق إلى الوحدة المسيحية، ولكن بات من الواضح على نحو متزايد أن هذا الطريق لن يكتمل حتى النهاية إلا بالمرور عبر برلين.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured