Saturday, August 2, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

من الحادي عشر من سبتمبر إلى الربيع العربي

القاهرة ـ إن البيئة التي يزاول فيها تنظيم القاعدة أعماله اليوم تختلف تمام الاختلاف عن تلك التي شنّ منها أشهر وأبشع عملياته، أو هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الإرهابية. ففي شهر مايو/أيار، نجحت قوات خاصة تابعة للبحرية الأميركية توغلت داخل باكستان في قتل أسامة بن لادن مؤسس تنظيم القاعدة وزعيمها الكاريزمي. وفي هذا العام أزيلت ثلاثة أنظمة دكتاتورية وحشية من الشرق الأوسط ـ اثنان منهما بالاستعانة بتكتيكات المقاومة المدنية غير المسلحة، والثالث بواسطة تمرد مسلح استعان بقوات حلف شمال الأطلسي. كما نجحت الهجمات التي شنتها طائرات بدون طيارين في القضاء على العديد من قادة تنظيم القاعدة المخضرمين، بما في ذلك عطية عبد الرحمن مؤخرا.

ولكن هل فشلت الحركة الجهادية المسلحة فأصبح بقاء تنظيم القاعدة موضع شك؟

إن الحركة الجهادية تشكل إيديولوجية ثورية حديثة ترى أن العنف السياسي وسيلة مشروعة عقائدياً وتتسم بالكفاءة اللازمة من الناحية التكتيكية لإحداث التغيير الاجتماعي السياسي المطلوب. ولقد هيمن الإرهاب على الأنشطة المسلحة التي مارستها العديد من الجماعات التي تؤيد هذه النظرة إلى العالم، بما في ذلك تنظيم القاعدة بطبيعة الحال.

ولكن في حين حافظ تنظيم القاعدة على إيديولوجيته بعد الحادي عشر من سبتمبر، فإن قاعدته التنظيمية تغيرت بشكل كبير. فمن منظمة مركزية هرمية تحول التنظيم إلى بنية غير مركزية إلى حد كبير، وتحولت الفروع الإقليمية إلى كيانات فاعلة مهيمنة.

ففي المملكة العربية السعودية نشأ في أواخر عام 2002 تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، الذي دبر هجوم مذهل في الرياض في عام 2003. ثم أعقب ذلك ظهور القاعدة في العراق في عام 2004. وبحلول عام 2007 كان تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قد ظهر أيضا. وبهذا فرض "نموذج الأفرع المرخصة" سيطرته الكاملة. ولكن بعد مرور عشرة أعوام منذ الحادي عشر من سبتمبر، أصبحت هذه الأفرع مقيدة، وعاجزة عن التوسع.

وبالتوازي مع نموذج "الأفرع المرخصة"، تبنى تنظيم القاعدة أيضاً نهج "الشبكة العنكبوتية" الذي يتحاشى التنظيم لصالح العملاء المدربين الذين يشكلون خلايا صغيرة تقوم بشن هجمات محددة ثم تفكك. وتمثل المجموعات التي نفذت الهجمات في مدريد ولندن هذا النموذج.

ثم هناك نموذج "الجبهة الإيديولوجية"، الذي ناصره في مستهل الأمر الاستراتيجي الجهادي الشهير أبو مصعب السوري. وينصب التركيز هنا، كما هي الحال مع نهج الشبكة العنكبوتية، على فرضية مفادها أن الطريقة الأكثر أماناً للتنظيم هي البعد عن التنظيم. وفي دليله شبه العسكري المؤلف من 1600 صفحة تحت عنوان "الدعوة إلى المقاومة الإسلامية العالمية"، يقول أبو مصعب السوري: "إن هذا من شأنه أن يلحق الهزيمة بأي ترتيبات أمنية".

ويعمل هذا النظام من خلال نشر رواية تصف ما يعاني منه المسلمون من الظلم الشديد والإذلال، ويقدم إيديولوجية تحدد الوسائل الكفيلة بإزالة المظالم، ومن ثَم السماح للمتعاطفين بتجنيد أنفسهم في تنظيم القاعدة أو إنشاء عمليات خاصة بهم. وكان ذلك هو النموذج المتبع في حالة الرائد في جيش الولايات المتحدة نضال حسن، الذي قتل ثلاثة عشر من زملائه الجنود في فورت هود بولاية تكساس في عام 2009، وروشونارا شودري الذي طعن النائب البريطاني ستيفن تيمز في عام 2010.

الواقع أن تنظيم القاعدة لم يتحور هيكلياً فحسب، بل إن فكره الإيديولوجي بات مفتوحاً بشكل لا ينقطع للطعن من جانب جهات غير متوقعة على الإطلاق. ففي أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، سارع العديد من الحركات، والفصائل، والجهاديين البارزين، والأفراد المتشددين، إلى توجيه الانتقادات الشديدة لسلوك تنظيم القاعدة، ثم بدأت هذه الكيانات في التحرك نحو نبذ العنف، الأمر الذي حرم تنظيم القاعدة من عشرات الآلاف من المؤيدين والأنصار. ولقد أدى هذا إلى تحول منظمات بالكامل في مصر وليبيا والجزائر، فضلاً عن عدد كبير من الأفراد المتشددين في المملكة العربية السعودية واليمن والعراق وأفغانستان وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا، وغير ذلك من البلدان.

ففي مصر، قررت الجماعة الإسلامية، الحليفة السابقة لتنظيم القاعدة والتي تعاونت في اغتيال الرئيس أنور السادات في عام 1981، التخلي عن العنف السياسي ونقض شرعيته. أما الجماعة الإسلامية، التي قادت التمرد في صعيد مصر أثناء الفترة 1992-1997، والتي كانت ضالعة في تفجير المركز التجاري العالمي في نيويورك في عام 1993، فقد تبرأت من التكتيكات المسلحة بداية من عام 1997، ثم عززت هذا التغيير بإطلاق ما يقرب من 25 مجلداً من الحجج العقائدية والعقلانية للترويج لإيديولوجيتهم الجديدة.

وبعد الإطاحة بحسني مبارك من السلطة في مصر في وقت سابق من هذا العام، بادرت الجماعة الإسلامية على عقد انتخابات داخلية، بدلاً من تكديس الأسلحة وإعادة بناء جناحها المسلح. كما طالبت أعضاءها بتعبئة استمارات تسجيل لحزبها الجديد، ونظمت المسيرات الحاشدة ضد العنف الطائفي، وأصدرت بيانات مشتركة مع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في أسيوط في دعم التعايش السلمي، وأسست حزباً سياسياً تحت اسم "البناء والتنمية" لخوض الانتخابات.

أما منظمة الجهاد المصرية، التي أفرزت أيمن الظواهري، القائد الأعلى لتنظيم القاعدة الآن، فقد بدأت عملية تحول ناجحة جزئيا. صحيح أن العديد من فصائلها لا تزال تتمسك بالتكتيكات المسلحة، بما في ذلك الإرهاب. ولكن الكثير من فصائلها أيضاً تنتقد تنظيم القاعدة بشدة، وتحاول الآن تشكيل أحزاب سياسية تقليدية في مصر.

وهناك أيضاً الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، الحليفة السابقة لتنظيم القاعدة، والتي تخلت عن فكرها الإيديولوجي بين عامي 2005 و2010، وانضمت على الثورة ضد نظام العقيد معمر القذافي الدكتاتوري. ويتولى زعيم الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة عبد الحكيم بلحاج (الملقب بأبي عبد الله الصادق) حالياً قيادة المجلس العسكري في طرابلس، وهو الذي قاد الهجوم على مجمع القذافي في باب العزيزية.

وبعد خروجه منتصرا، دعا بلحاج إلى تعزيز الأمن، وحماية الممتلكات، وإنهاء عمليات الثأر، وبناء ليبيا الجديدة. والواقع أن هذه اللهجة المعتدلة تتفق عموماً مع تصريحات أغلب زعماء الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة طيلة الأشهر الستة الماضية، سواء في شرق ليبيا أو غربها. وفي الإجمال، كان الربيع العربي بمثابة ضربة قوية للفكر الجهادي ونجح إلى حد كبير في تقويض مبرراته وتفنيد حججه (والتي تتلخص في أن القتال المسلح يشكل الأداة الأكثر فعالية وشرعية للتغيير).

الواقع أن التأثير المشترك للعمليات الاستخباراتية، وهجمات الطائرات بدون طيارين، والتحولات ��لتي طرأت بين صفوف الجهاديين، والربيع العربي، كان سبباً في إحباط قوة "تنظيم القاعدة المركزي". ومن الواضح أن تعدد الأفرع وإعادة ترتيب الإيديولوجية يعني أن بعض أجزاء تنظيم القاعدة ربما تظل على قيد الحياة بسبب اندماجها بشكل أكثر عمقاً داخل مواقع محلية بعينها. ولكن تنظيم القاعدة بوصفه تهديداً عالمياً تقوض وتمكن منه الضعف بشدة.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured