Monday, September 1, 2014
6

عجائب التجارة الحرة

كمبريدج ــ قبل فترة بسيطة دعاني اثنان من زملائي في جامعة هارفارد إلى الظهور كضيف في مقررهما التعليمي عن العولمة. ولقد حذرني أحدهما سلفاً بقوله: "ينبغي لي أن أخبرك بأنك سو تتحدث إلى حشد مؤيد للعولمة إلى حد كبير". وفي أول لقاء، سأل الطلاب كم منهم يفضلون التجارة الحرة على فرض القيود على الواردات؛ وكانت الإجابة أكثر من 90%. ولكن هذا كان قبل أن يتعرفوا على عجائب الميزة النسبية!

نحن نعلم أن هذا السؤال عندما يُطرَح في استطلاعات رأي حقيقية تشمل عينات تمثيلية ــ وليس طلاب هارفارد فقط ــ فإن النتائج تأتي مختلفة تماما. ففي الولايات المتحدة يؤيد من شملهم الاستطلاع فرض قيود تجارية بهامش اثنين إلى واحد. ولكن استجابة طلاب هارفارد لم تكن بمثابة مفاجأة تامة. إن المستجيبين (للاستطلاع) من ذوي المهارات العالية والتعليم الأفضل يميلون أكثر من العمال الكادحين إلى تأييد التجارة الحرة. وربما كان طلاب هارفارد يصوتون ببساطة وهم يفكرون في محافظهم (في المستقبل).

أو ربما لم يفهموا كيف تعمل التجارة حقا. فعندما التقيت بهم طرحت نفس السؤال ولكن في صيغة مختلفة، فأكدت على التأثيرات المحتملة التي قد تخلفها التجارة على عملية التوزيع. وهذه المرة تبخر الإجماع على التجارة الحرة ــ بل وبسرعة أكبر مما كنت أتوقع.

بدأت محاضرتي بسؤال الطلاب عما إذا كانوا يوافقون على إجرائي لتجربة سحرية بعينها. فاخترت اثنين من المتطوعين، نيكولاس وجون، وأخبرتهم بأنني قادر على جعل 200 دولار تختفي من حساب نيكولاس المصرفي بلا أثر، في حين أضيف 300 دولار إلى حساب جون. وهذه الهندسة الاجتماعية الفذة من شأنها أن تجعل حال الطلاب في الصف أفضل بما يعادل 100 دولار. تُرى هل يسمحوا لي بتنفيذ هذه الحيلة السحرية؟

كان الذين صوتوا بالإيجاب قِلة ضئيلة. وكان العديد مترددين. وعارض أكثرهم هذا التغيير.

من الواضح أن الطلاب شعروا بعدم الارتياح إزاء فكرة التسامح مع إعادة توزيع الدخل بهذا القدر الكبير، حتى ولو أصبحت الكعكة الاقتصادية أكبر نتيجة لهذا. ثم سألتهم كيف فضلوا جميعهم تقريباً وبشكل غريزي التجارة الحرة، التي تفرض شكلاً مماثلا ــ بل وربما أكبر ــ من أشكال إعادة التوزيع من الخاسرين إلى الفائزين. ويبدو أن السؤال فاجأهم.

وهنا قلت لهم، دعونا نفترض أن نيكولاس وجون يمتلكان شركتين صغيرتين متنافستين. ولنفترض أن جون أصبح أكثر ثراءً بنحو 300 دولار لأنه عمل بقدر أعظم من الاجتهاد، وادخر واستثمر أكثر من نيكولاس، وأنتج منتجات أفضل، فأزاح نيكولاس من السوق وتسبب في خسارته نحو 200 دولار. كم عدد الطلاب الذين يوافقون الآن على هذا التغيير؟ هذه المرة وافقوا بأغلبية عظمى ــ الواقع أن الجميع وافقوا ما عدا نيكولاس!

ثم طرحت افتراضات أخرى، ولكنها الآن تتصل مباشرة بالتجارة الدولية. ماذا لو أن جون أزاح نيكولاس من السوق باستيراد مدخلات أعلى جودة من ألمانيا؟ أو بنقل التصنيع إلى الصين، حيث لا تحظى حقوق العمال بالحماية اللائقة؟ أو باستئجار عمال في سن الطفولة في إندونيسيا؟ مع كل من هذه الفرضيات البديلة انخفض التأييد للتغيير المقترح.

ولكن ماذا عن الإبداع التكنولوجي، الذي يؤدي غالبا، كما هي حال التجارة، إلى جعل بعض الأشخاص في حال أسوأ؟ هنا، قد يتجاوز عدد قليل من الطلاب عن عرقلة التقدم التكنولوجي. إن منع المصباح الكهربائي لحماية صانعي الشمع من خسارة وظائفهم يُعَد فكرة بالغة السخافة في نظر الجميع تقريبا.

هذا يعني أن الطلاب ليسوا بالضرورة ضد إعادة التوزيع. بل إنهم كانوا ضد أشكال معينة من أشكال إعادة التوزيع. فهم يهتمون بالعدالة الإجرائية شأنهم في ذلك شأن أغلب الناس.

ولكن لكي نحكم على نتائج إعادة التوزيع فيتعين علينا أولاً أن نتعرف على الظروف التي أدت إليها. فنحن لا نحقد على بل جيتس أو وارن بافيت بسبب ملياراتهم، حتى ولو اشتمل جمعها على معاناة بعض منافسيهما، على فرض أنهما ومنافسيهما يعملون وفقاً لنفس القواعد الأساسية ويواجهون نفس الفرص والعقبات إلى حد كبير.

وكنا لنفكر على نحو مختلف لو كان جيتس وبافيت أصابا الثراء ليس من خلال العرق والكد والإلهام، بل عن طريق الغش ومخالفة قوانين العمل، أو تدمير البيئة، أو استغلال الإعانات الحكومية في الخارج. وإذا كنا لا نقبل إعادة التوزيع على نحو يخالف القواعد الأخلاقية المشتركة على نطاق واسع، فما الذي قد يحملنا على قبولها لمجرد أنها تنطوي على معاملات أو صفقات تتم عبر الحدود السياسية؟

وعلى نحو مماثل، عندما نتوقع أن تتساوى تأثيرات إعادة التوزيع في الأمد البعيد، بحيث يخرج الجميع في النهاية فائزين، فإننا نميل في الأرجح إلى التغاضي عن عملية إعادة ترتيب الدخول. ويُعَد هذا سبباً رئيسياً وراء اعتقادنا بأن التقدم التكنولوجي لابد وأن يأخذ مجراه، على الرغم من تأثيراته المدمرة في الأمد القريب على بعض الأشخاص. ومن ناحية أخرى، عندما تضرب قوى التجارة على نحو ��تكرر نفس الناس ــ العمال الكادحين الأقل تعليما ــ فقد يتضاءل تفاؤلنا بالعولمة.

إن العديد من خبراء الاقتصاد لا ينتبهون إلى هذه الفوارق. فهم يميلون إلى إرجاع المخاوف المحيطة بالعولمة إما إلى دوافع فجة متعلقة بالحماية أو إلى الغباء، حتى ولو كانت قضايا أخلاقية حقيقية على المحك. فبتجاهلهم لحقيقة مفادها أن التجارة الدولية تشتمل أحيانا ــ وليس دائماً بكل تأكيد ــ على نتائج توزيعية مثيرة للمشاكل في الداخل، فإنهم بهذا يفشلون في إدارة الحوار العامة بالشكل اللائق. وهم يفوتون أيضاً الفرصة لترتيب دفاع أكثر قوة عن التجارة عندما المخاوف الأخلاقية بلا مبررات قوية.

ورغم أن العولمة تثير أحياناً أسئلة صعبة حول شرعية تأثيراتها على التوزيع، فلا ينبغي لنا أن نستجيب تلقائياً بتقييد التجارة. فهناك العديد من المقايضات الصعبة التي ينبغي لنا أن نفكر فيها، بما في ذلك العواقب التي قد يتحملها آخرون في مختلف أنحاء العالم والذين قد يصبحوا أكثر فقراً بأشواط من أولئك المتضررين في الداخل.

ولكن الأنظمة الديمقراطية مدينة لنفسها بإدارة الحوار على النحو اللائق، حتى يتسنى لها أن تؤسس اختياراتها على الوعي والإدراك المتأني. إن الهوس بالعولمة لأنها ببساطة تعمل على توسيع الكعكة الاقتصادية يُعَد الوسيلة الأضمن لانتزاع الشرعية منها في الأمد البعيد.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (6)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedBorko Handjiski

    I don't see why the term "procedural fairness" should be included in the debate on globalization, i.e. trade liberalization, at least not by those who support globalization. First, 90% of trade which is subject to restrictions (import duties) does not relate to products which can be described as "being produced in a procedural unfair manner". So, the discussion on trade liberalization should not be narrowed down to whether blood diamonds should be allowed to trade freely or not.

    If this terms were to be put on the table, countries like the U.S. and Western Europe have the least right to use it. Why? Because there was no procedural fairness in the depletion of natural and human resources (slavery) from what are today developing parts of the world which allowed these countries to make a leap in development using the power of the gun.

    Finally, who defines what is procedural fairness? Does the U.S. define how many hours Chinese workers should work or does China? Should the EU to Indonesia what to do with its environment? I don't think so, given that Indonesia's contribution to environmental pollution and change would be marginal to the contribution of the developed world. If Chinese workers want to work 12 hours a day, it is their right. If one disagrees, then France -- that is, the EU -- should impose restrictions on trade with the U.S. because U.S. workers spend much more time at work than what is allowed under French law.

    The reasons for free global trade are same as the reasons for not imposing trade restrictions among U.S. or EU states: trade increases the pie and makes everyone better off in the long run. Keeping to this simple argument should be enough.

  2. CommentedSoren Dayton

    Of course, this isn't what happens. What happens is that the state prevents John from making $300. That's the objection. That is morally wrong and politically unsustainable.

  3. CommentedJonathan Lam

    Gamesmith94134: why fair trade?

    After the effects of “barbed-wire barriers to imports” suggested by the businessmen and union members in US or the developed nations, they should understand the nature of their present financial crisis that they lost their competitiveness by a wide margin in the global term, and eliminate the choice for its people from affordability to growth because monopoly can level off its local innovation as well. Why can’t its industries be more effective or efficient to cut cost or lower price even after they met their competitions?

    Recently in China, I saw the railways imported from US, built in China in the 20s, they are still running. It was the top of technology for US, and we have the football team name Pittsburg Steelers----one of my favorite team. When the piece of the Oakland Bridge cracked, we must import it from China since we lost our competitiveness and effectiveness to pricing to the steel industry to China.
    Pittsburg Steelers turned into an icon for American Football and industry of its own, subsequently, the township and its steel worker union had made the bureaucrats proud of the steel industry that even Americans cannot afford; but, they can complain the economists outsourcing the industries for profitability. I am not prudential in protectionism since I am not sure why people do not throw stone inside the glass house; but the greenhouse effect for labor is costly, and the consequence of protectionism is anemic to growth in all terms of all imports or exports due to the loss of local innovations or the profitability under the labor cost that industries compete both fair and unfair competitions including anti-dumping or tariffs.

    In the recent years after we reckon the deficits wrecked the developed nations, and the surpluses prospers the emerging market nations. Many suggested the zero sum fair trade that many developed nations are dumping their technologies like green industries with high prices to the emerging nations in order to create its equilibrium; however, the resistance is high since its benefits to its consumers are minimal. Therefore, I would expect the bases of its consumers must be expanded first that the low-earning labors in these nations must achieve its sustainable living standard to be benefited to the technology transfers; then, the level of consumerism should meet its need in order to create the chain reaction of the supply and demand. Perhaps, they also need education to gain control systematically through the structural developments based on the foundation of necessity and affordability. Otherwise, the ClubMed syndrome will repeat to spread throughout the emerging market nations too; and, it was how the PIIGS got affected since 92’ that tourism did not help them to produce much to the bases of consumers, instead, they were subdued by the corruption and deficits as well.

    “Mark Sidwell argues that FAIRTRADE keeps uncompetitive farmers on the land, holding back diversification and mechanization. According to Sidwell, the FAIRTRADE scheme turns developing countries into low-profit, labor-intensive agrarian ghettos, denying future generations the chance of a better life.”

    In assuring the outcome of the FAIRTRADE can be the coming generation, we must develop the appropriate system or superstructure for monitoring the process in opening the commodity markets for those developing countries. Perhaps, in order to stretch the safety net for the poor farmers or labor, I think the organizing the groups in common interest may use the cooperative system that the group of small farmers can bundle up in their corps or commodities to set their corporation to market their goods. However, I would recommend the Development Bank of the United Nations as the free agent for Fair Trade which these developments can be invested in the open markets, and the organized grower or producers can grow into corporations with co-operatives; since some of the developments may have involved with international financial system and assisted in the market system during the transactions. Also, there must be a representative for the grower and producer like Africa Union, ASEAN or EU to represent and ensure the normalcy of its productivity and transparency on the transaction of these commodities.

    “That justification will not convince economists, who prefer a dryer sort of reasoning. But it is not out of place to remind ourselves that economists and bureaucrats need not always have things their own way.”

    Finally, if we must open the bases for new consumers, we must give the poor farmer and labors a chance to taste the FAIR TRADE and move away from poverty, we must stop the monopoly and give free trade a chance; then these new consumers can save us from the present financial crisis. If we accept the fact that we do need to trade honestly and share generously among nations and countries of people; there must be a system to protect the coming generation of grower and producer and a superstructure of networks to assure everyone is applying at will.

    May the Buddha bless you?

  4. CommentedPavlos Papageorgiou

    I don't agree that objections are limited to procedural fairness. In other words, I think some outcomes are objectionable even if they are the emergent result of fair processes. For example many people in the software industry did believe that Microsoft's near-monopoly status was a problem. The issue was not that it denied income to would-be competitors of Microsoft but that it caused the market to produce less good computers than it does now under competition from Apple and others.

    Regarding world trate, I think it is urgent to see distributional effects not from the side of importers and income but from the side of exporters and goods. Suppose a village in Africa contains a farmer and a craftswoman. Under protected conditions, they trade at very low prices and sustain each other. Under free trade, the farmer trades with the west, which absorbs all his output, and the craftswoman is redundant and starves. Literally.

    Where is the discussion on the supply-side effects of free trade? There should be a guiding principle that trade that connects vastly unequal economic networks with each other is a problem, just as connecting electrical circuits at very different voltage will dissipate energy and damage them. Tariffs should be applied not on imports but on exports, to ensure local supply or else redistribute the gains so that the worse-off can find alternative supply.

  5. Portrait of Kristy Mayer

    CommentedKristy Mayer

    You asked people to think about whether or not we should restrict trade. A more useful question is if and how we can both increase opportunities for international trade and ensure better distributional outcomes. For example, the United States’ trade preferences for developing countries are conditional on a variety of policy reforms in those countries – adopting international labor standards, moving toward a market-based economy, fighting corruption, etc. – and greater preferences generally come with more extensive conditions. Trade adjustment assistance is another, domestically focused, example. Do you think these and other, similar trade agreement provisions succeed at achieving both goals? If not, are there other models that may avoid restricting trade but also mitigate the trade’s distributional effects? It would behoove the United States, and other nations, to work hard to find an effective and palatable alternative to the binary restrict-or-don’t-restrict-trade decision.

      Portrait of Dylan Matthews

      CommentedDylan Matthews

      Kristy's point is a good one. Rodrik is quite right that the economic benefits of trade are unevenly distributed, and that the policy regime favored by the United States in recent years has done little to counteract the resulting increase in inequality. But it does not follow that trade liberalization is bad policy. It may follow that trade liberalization *without redistributive programs* to spread the gains more evenly is bad policy, but that is a different thing altogether. Most Scandinavian countries have arrived at regimes with very few trade restrictions but massively redistributive tax and social welfare systems, which avoid most of the maladies of trade that Rodrik identifies without sacrificing the gains.

  6. CommentedProcyon Mukherjee

    The developed world unfortunately is the biggest blind alley to protectionism when it comes to furthering free trade in agriculture and farm products, that leave billions in the under-developed and the developing world under-nourished simply because the subsidies that are doled out to protect the rich farmers come in the way of free trade to happen. This asymmetry is striking that the majority of the world’s poor would have gained as their reliance on farm products as source of income is one over-riding measure that is stunted by the veiled interference of an unfair policy that do not allow trade to happen although there is comparative advantage existing; John Rawl’s 'veiled ignorance' in this case seems to further the self-interests of a whopping minority.

    Procyon Mukherjee

Featured