16

ضياع الحلم الفرنسي

كامبريدج- ان الازمة في منطقة اليورو هي نتيجة لاصرار فرنسا على " المشروع الأوروبي"  وهو هدف الاتحاد السياسي والذي بدأ بعد الحرب العالمية الثانية عندما اقترح السياسيان الفرنسيان المهمان جان مونيت وروبرت شومان انشاء الولايات المتحدة الاوروبية.

لقد جادل مونيت وشومان بإن اتحاد سياسي مشابه لامريكا سوف يمنع اشكال الصراع التي تسببت بثلاثة حروب اوروبية رئيسة وهذه فكرة جذابة ولكنها فكرة اغفلت الحرب الاهلية المروعة في امريكا . ان اي اتحاد سياسي اوروبي يجعل اوروبا ايضا قوة تضاهي الولايات المتحدة الامريكية وهذا يعطي فرنسا والدبلوماسية الفرنسية المعقدة دورا مهما في الشؤون الاوروبية والعالمية.

لقد قاد حلم مونيت شومان الى اتفاقية روما لسنة 1956 والتي أسست منطقة تجارة حرة صغيرة والتي توسعت لاحقا لتشكل المجموعة الاقتصادية الاوروبية . لقد كانلتأسيس المجموعة الاقتصادية الاوروبية اثار اقتصادية ايجابية ولكن كما هو الحال فيما يتعلق بمنطقة التجارة الحرة لشمال امريكا فإنها لم تقلل من الهوية الوطنية او تخلق شعورا بالوحدة السياسية.

لقد كان ذلك هو الغرض من معاهدة ماستريخت لسنة 1992 والتي اسست الاتحاد الاوروبي . ان التقرير المؤثر " سوق واحد ، نقود واحدة " والصادر سنة 1990 تحت قيادة وزير المالية الفرنسي الاسبق جاك ديلور دعا لانشاء عملة موحدة معتمدا في ذلك على الحجة المزيفة بإن السوق الموحدة لا تستطيع ان تعمل بدون عملة موحدة. لقد جادل انصار العملة الموحدة وبشكل اكثر واقعية بإن العملة الموحدة قد تجعل الناس يتصرفون كاوروبيين وان التحول لبنك مركزي اوروبي قد يؤسس لانتقال السلطة من الحكومات الوطنية.

لقد قاومت المانيا اليورو حيث جادلت ان اتحاد سياسي كامل يجب ان يأتي اولا ونظرا لأنه لم تكن هناك اي امل بإن تقبل الدول الاخرى اتحاد سياسي فإن الموقف الالماني بدا وكأنه مناورة فنية لمنع تأسيس عملة موحدة. لقد كانت المانيا مترددة في التخلي عن المارك الالماني وهو رمز قوتها الاقتصادية والتزامها باستقرار الاسعار . لقد وافقت المانيا في نهاية المطاف على انشاء اليورو فقط عندما جعل الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران ذلك شرطا للدعم الفرنسي لاعادة توحيد المانيا.

بالاضافة الى ذلك وتحت الضغط الفرنسي فإن احد متطلبات معاهدة ماستريخت بإن البلدان التي تود الانضمام لليورو يجب ان يكون دينها الوطني اقل من 60% من الناتج المحلي الاجمالي قد تم تخفيفه من اجل السماح بانضمام بلدان كان ينظر اليها على انها تتجه باتجاه تحقيق ذلك الهدف علما ان ذلك التعديل سمح لليونان واسبانيا وايطاليا بالانضمام لليورو.

لقد تجاهل الاقتصاديون ما قبل مرحلة اليورو التحذيرات بإن فرض عملة موحدة على دول غير متجانسة سوف يؤدي في نهاية المطاف لمشاكل اقتصادية خطيرة . لقد اعتبروا المخاطر الاقتصادية غير مهمة مقارنة ببرنامجهم المتعلق بالوحدة السياسية .

لكن انشاء اليورو قد تسبب في هبوط حاد في اسعار الفائدة في البلدان الموجودة على الاطراف مما ادى الى فقاعات عقارية مبنية على الديون والى قيام الحكومات بالاقتراض من اجل تمويل الزيادة في الانفاق الحكومي. ان من المثير للدهشة ان الاسواق المالية العالمية قد تجاهلت المخاطر الائتمانية لهذا الدين السيادي حيث كانت تطلب فروقات صغيرة جدا بين اسعار الفائدة على السندات الالمانية والسندات اليونانية وغيرها من سندات الدول الموجودة على الاطراف.

لقد انتهى كل ذلك سنة 2010 بعد ان اعترفت اليونان بأنها كذبت فيما يتعلق بعجز الميزانية والديون لديها. لقد استجابت الاسواق المالية بطلب اسعار فائدة اعلى كثيرا على سندات البلدان التي لديها نسب ديون حكومية عالية وانظمة مصرفية اصابها الضعف نتيجة لديون الرهن العقاري الزائدة عن الحد.

لقد تم اجبار ثلاثة بلدان صغيرة وهي اليونان وايرلندا والبرتغال على قبول المساعدة من صندوق النقد الدولي وعلى عمل تخفيضات مالية انكماشية مؤلمة. ان الوضع في اليونان هو حاليا ميئوس منه ومن المحتمل ان يؤدي الى المزيد من التقصير عن الدفع والانسحاب من منطقة اليورو. ان اسبانيا ايضا تعاني من متاعب خطيرة بسبب العجز في ميزانيات حكوماتها الاقليمية المستقلة تقليديا وبسبب ضعف بنوكها وحاجتها لان ترحل ديونها السيادية الضخمة كل عام .

ان من الواضح ان الاتفاقية المالية والتي وافق عليها الاتحاد الاوروبي مؤخرا لن تقوم بالحد من العجز في الميزانية او تخفيض الديون الوطنية . لقد كانت اسبانيا اول دولة تصر على انها غير قادرة على التقيد بالشروط التي وافقت عليها للتو علما ان بلدان اخرى سوف تتبع اسبانيا قريبا. لقد اقترح الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ايجاد توازن بين قيود الميزانية ومبادرات النمو علما ان فرنسا قد اجبرت في وقت سابق ميثاق الاستقرار للاتحاد الاوروبي ليصبح ميثاق الاستقرار والنمو. ان الاتفاقية المالية هي مبادرة خالية المضمون وربما كانت المحاولة الاخيرة للتظاهر بإن اعضاء الاتحاد الاوروبي يسيرون في اتجاه الاتحاد السياسي.

ان من الواضح ان المشروع الاوروبي قد فشل في تحقيق ما اراده القادة السياسيون الفرنسيون منذ البداية وبدلا من الوئام والشعور بتحقيق الاهداف طبقا لاحلام مونيت وشومان ، يوجد الان صراع وفوضى. ان الدور الدولي الاوروبي يتقلص حيث تطورت مجموعة الدول الخمسة العظام لتصبح الدول العشرين العظام والان ومع قيام المستشارة الالمانية انجيلا ميركيل بتحديد الشروط لمنطقة اليورو فإن الطموح الفرنسي بالهيمنة على السياسة الاوروبية قد تم اجهاضه.

حتى ل�� تمكنت معظم دول منطقة اليورو من الاحتفاظ بالعملة الموحدة فإن السبب وراء ذلك سيكون ان التخلي عن اليورو سيكون امرا مؤلما من الناحية المالية. اما الان وقد اتضح ضعف اليورو ، فإن اليورو سوف يبقى كمصدر للمتاعب بدل من ان يكون مصدرا للقوة والسلطة السياسية.