Tuesday, October 21, 2014
0

فرنسا تبحث عن أوروبا

مع انضمام عشر دول أعضاء جديدة، أصبح الاتحاد الأوروبي يشتمل على 25 دولة وبات تعداد سكانه يتجاوز 453 مليون مواطن. وفي ضوء الحقائق التاريخية التي تؤكد أن الدول الأعضاء الحالية في الاتحاد الأوروبي كانت قد خاضت عدداً لا يحصى من الحروب بين بعضها البعض، وأن حرباً باردة أدت إلى تقسيم القارة طيلة 45 عاماً إلى كتلتين متعاديتين، فإن تجربة أوروبا اليوم تمثل نجاحاً ذا معزى تاريخي بارز.

الحقيقة أن الاتحاد الأوروبي يمثل العديد من الرموز في ذات الوقت. فهو يضمن السلام في المقام الأول: حيث أصبحت الحرب مستحيلة من الناحية الفنية بين دول الاتحاد المترابطة.

فضلاً عن ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي يشكل أداة مهيبة لتسوية النزاعات على المستوى الدولي. ولسوف نجد أن الشعبين الألماني والفرنسي، اللذين كان الحب بينهما منذ ستين عاماً يساوي في المقدار الحب المتبادل بين الشعبين الصربي والبوسني اليوم، قد أصبحا اليوم وكأنهما زوجان. وفي أيرلندا كان الكاثوليك والبروتستانت يقتل كل منهما الآخر طيلة قرن من الزمان، لكنهما الآن بعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد أدركا حماقة الصراع الذي كان قائماً بينهما وانتبها إلى حتمية تسوية النزاع بينهما والصلح. أما الشعبان المجري والروماني، وبعد تسعة قرون من الكراهية والحروب، فقد أصبحا الآن عضوان عاملان في نفس العملية. كما أيدت اليونان مؤخراً فتح المفاوضات بشأن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي خلال السنوات القادمة.

كما حمل الاتحاد الرخاء والازدهار لأوروبا، وذلك لأنه يشكل آلية فعالة تدفع الدول الأعضاء ذات النمو المتباطئ إلى تخطي الحواجز التي ظلت قائمة طويلاً أمام التنمية. فقد شهدت أيرلندا واليونان، اللتان كانتا ذات يوم من أفقر دول أوروبا، اندفاعاً اقتصادياً هائلاً، حيث اقتربت اليونان من المتوسط الأوروبي، بينما احتلت أيرلندا بالفعل مكانها كواحدة من بين أكثر دول أوروبا ثراءً.

هذه هي الأسباب التي تجعل الدول من خارج الاتحاد الأوروبي راغبة في الانضمام إليه. وخلال عامين ستتحقق هذه الرغبة بالنسبة لبلغاريا ورومانيا، بينما بدأت مفاوضات الانضمام مع كرواتيا وتركيا. وهناك أيضاً أحاديث دائرة بشأن حصول صربيا وأوكرانيا على العضوية. حيث أن العضوية بالنسبة لكل من هاتين الدولتين سوف تعني سلاماً مستقراً بينها وبين جيرانها وتسوية للصراعات الداخلية، علاوة على التعجيل بالنمو الاقتصادي.

كل ما سبق يستتبع قدراً معيناً من عدم الاستقرار، خاصة إذا ما اعتمدنا على المفاوضات بين الحكومات في توجيه التوسعة بدلاً من الاستناد إلى الخيارات الديمقراطية. ولقد كان الهدف من مشروع الدستور الأوروبي الجديد معالجة هذه المشكلة. والعجيب أن فرنسا التي من المقرر أن تصدق على الدستور من خلال استفتاء عام في التاسع والعشرين من شهر مايو، تعطي انطباعاً وكأنها ترغب في التصويت ضد الدستور. وإذا ما حدث هذا، فإن النتيجة ستكون زلزالاً مدمراً.

على الرغم من أن كل دولة من الدول الأعضاء قد لعبت دوراً في توحيد أوروبا، إلا أن فرنسا كانت بلا أدنى شك الدولة التي جادت بأغلب الأفكار وقدمت المؤسسين الرئيسيين.

ما الذي يجري إذاً؟ في فرنسا، كما في أماكن أخرى من أوروبا، كانت هناك دوماً طائفة من القوميين، أو المنادين بالسيادة الذين يرفضون أوروبا باسم الدفاع عن الأمة. ولكن سواء كان انتماء هؤلاء إلى أقصى اليمين أو إلى اليسار الشيوعي، فإنهم لا يمثلون أكثر من 20% من جمهور الناخبين. وفوق كل ذلك فهناك عاملان يفسران الظاهرة الغريبة التي كشفت عنها استطلاعات الرأي الأخيرة في فرنسا.

يتلخص العامل الأول في الحسابات التي يرغب الفرنسيون في تسويتها مع رئيسهم وحكومتهم. كان جاك شيراك قد أعيد انتخابه كرئيس للدولة بأغلبية 82% من الأصوات بسبب التهديد الذي أدركه الشعب في اليمين المتطرف. وتؤكد كافة الأدلة أن نصف هذه الأصوات كان جناح اليسار مصدرها. لكن شيراك تصرف بعد ذلك وكأن تفويضه كان جلياً واضحاً لا لبس فيه، فقام بتعيين حكومة شديدة المحافظة لم تشهد لها فرنسا مثيلاً طيلة نصف قرن من الزمان. وصار لسان حاله فيما يتصل بالشئون المالية يقول: "فلنجعل الفقراء يدفعون". وهذا في حد ذاته يشكل اغتصاباً للسلطة وإساءة لاستغلالها، كما يحرض العديد من الفرنسيين على التعبير عن غضبهم من خلال التصويت.

أما العامل الآخر فهو أن فرنسا، مثلها في ذلك مثل بقية دول العالم، تعاني من شكل من أشكال العولمة يتسم بسوء الإدارة. ونتيجة لهذا تعاني فرنسا من حالة متنامية من التفاوت بين الناس، ومن معدلات بطالة مرتفعة ومستمرة في الارتفاع، ومن عمليات إعادة الهيكلة المتواصلة في الشركات والتي يترتب عليها الاستغناء عن العمالة، والتهديد الذي تتعرض له الخدمات العامة وبرامج الرعاية الاجتماعية، علاوة على شعور عام بانعدام الأمان.

لقد خضع العالم لعمليات تحرير اقتصادي هائلة الحجم، أوصى بها المؤمنون بالنظريات والمبادئ المتعلقة بالنقد، ولاقت التأييد من قِـبَل القوى المحافظة التي فرضت نفوذها في الدول المتقدمة في شمال أميركا وأوروبا، والشرق الأقصى. لقد انتقل هذا الطوفان الاقتصادي إلينا من الولايات المتحدة ـ ومع أنه لا يحقق أي مصلحة من مصالح أوروبا، إلا أن قوى الجناح اليميني في كل دول أوروبا، والتي اندمجت مع الأغلبية التي تحكم أوروبا، قد احتشدت لتأييد ذلك التوجه الجديد القادم من الخارج.

إن الرغبة في رفض هذه الأحوال هي التي تفسر في المقام الأول الرفض الذي يريد العديد من أفراد الشعب الفرنسي أن يصرخوا معلنين إياه. لكن هذا خطأ كبير. فلن يتسنى إلا لأوروبا ككيان واحد يعكف سياسياً على فكرة التنظيم الأفضل، أن تسد الطريق أمام طوفان الليبرالية الجديدة. لكن الأمر يحتاج إلى قدر هائل من الوضوح المذهبي، وإرادة سياسية راسخة، ودستور يحكم كل هذا. والحقيقة أن رفض دستور الاتحاد الأوروبي يشكل أداة أكيدة لقتل الديناميكية الأوروبية وإضعاف قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها.

ما زال النقاش في فرنسا محتدماً، ولم يضع شيء بعد. فما زال أمام الشعب الفرنسي الفرصة والوقت لحشد القوى ـ وتشير استطلاعات الرأي إلى أن هذا قد بدأ بالفعل. فإن أوروبا تستحق هذا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured