Sunday, September 21, 2014
0

أفريقيا الفرنسية بعد خمسين عاماً

داكار ـ في هذا الشهر تحتفل البلدان الناطقة بالفرنسية في أفريقيا بالذكرى الخمسين لاستقلالها، كما تحتفل بالعلاقات التي حافظت عليها مع فرنسا منذ استقلالها. ولكن هل يستحق الأمر الاحتفال حقاً؟

حتى قبل أن يتولى الرئيس الفرنسي شارل ديجول مقاليد الحكم في عام 1958، توقع نشوء موجة من القومية الثورية التي سرعان ما تجتاح أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. وبوصفه رئيساً لفرنسا فقد سعى إلى اتقاء هذا المد العارم فاقترح على الزعماء الوطنيين في المستعمرات الفرنسية في أفريقيا التسوية عن طريق التفاوض على الاستقلال.

ولكي يقبل هؤلاء الزعماء عرض ديجول فكان عليهم أن يتفقوا، من بين أمور أخرى، على السماح بتمركز القوات الفرنسية على أراضي بلدانهم، وتزويد فرنسا بمدد ثابت من المواد الخام بأسعار محددة سلفاً، وقبول جميع ديون الحقبة الاستعمارية المستحقة لفرنسا بلا نقاش، والحفاظ على الفرنك الأفريقي كعملة مشتركة، ومنح الخزانة الفرنسية حق النقض فيما يتصل بالقرارات التي تتخذها البنوك المركزية دون الإقليمية في بلدانهم. ولقد نجح ديجول في فرض أغلب طلباته، فمنح تلك البلدان الاستقلال.

ومنذ ذلك الحين ظلت أفريقيا الفرانكفونية (الناطقة بالفرنسية) تدفع ثمن استقلالها. ولقد تدخلت القوات الفرنسية على نحو متكرر في تشاد والجابون وزائير وأفريقيا الوسطى وتوجو وكوت ديفوار بهدف دعم وحماية حكام فاسدين ومستبدين وغير أكفاء، والإطاحة بزعماء متمردين أو قمع الاضطرابات المدنية. وحتى الآن لم تكفر فرنسا عن دورها في تمكين عملية الإبادة العرقية التي شهدتها رواندا في عام 1994.

وعلى الصعيد النقدي، فككت بلدان منطقة الفرنك البنية الفيدرالية التي وحدتها أثناء الاحتلال الفرنسي وأقامت الحواجز التجارية بدلاً من ذلك. حتى أن الفرنك الذي يصدره بنكان مركزيان دون إقليميين غير قابل للتحويل. ونتيجة لهذا اختنقت التجارة الإقليمية وتجمد التكامل الاقتصادي.

ثم تفاقمت الصعوبات الاقتصادية التي تلت ذلك في عهد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، الذي انتهج رئيس وزرائه بيير بيريجوفوي سياسة الفرنك الفرنسي القوي ـ وهي السياسة التي أدت في النهاية إلى خفض قيمة فرنك غرب أفريقيا بنسبة هائلة بلغت 100% في عام 1994. وكان ارتفاع قيمة اليورو في مقابل الدولار منذ عام 2002 وحتى وقت قريب يعني أن التحول في ربط سعر صرف فرنك غرب أفريقيا من الفرنك الفرنسي إلى اليورو كان سبباً في تكرار نفس السيناريو. وبما أن الدولار الأميركي يهيمن على القسم الأعظم من صادرات هذه البلدان، إلى جانب تقييم وارداتها أساساً باليورو، فقد تسبب هذا في نشوء عجز بنيوي مزمن أدى إلى تخريب الاقتصاد في بلدان منطقة الفرنك، وبمرور كل يوم تتزايد احتمالات خفض قيمة العملة التي باتت تلوح في الأفق للمرة الثانية.

والأمر الأشد ترويعاً هو أن فرنسا أعلنت عن ضمانها تحويل الفرنك الأفريقي إلى العملات الصعبة، شريطة أن تسلم بلدان منطقة الفرنك الخمسة عشر 100% من احتياطياتها الأجنبية للخزانة الفرنسية. ثم تم تخفيض النسبة إلى 65% ثم إلى 50% في عام 2005، ولكن فرنسا ما زالت تخصم حصتها مباشرة من عائدات تصدير هذه البلدان.

فضلاً عن ذلك فإن شرط تغطية الصرف الأجنبي بنسبة 20% والمنصوص عليه في الاتفاقية الموقعة مع فرنسا في عام 1962 بلغ الآن 110%. ويضمن قرار مراقبة الصرف الأجنبي الصادر في عام 1993 انتفاع فرنسا وحدها من استنزاف رأس المال على هذا النحو من خلال تقييد التدفق الحر لرأس المال بحيث يتم توجيهه إلى فرنسا فقط. وبطبيعة الحال كان ما أعقب ذلك من هروب رؤوس الأموال بكميات هائلة سبباً في استنزاف اقتصاد بلدان المنطقة وتآكل قدرتها التنافسية.

وهو أمر مشين، لأن الوضع الاقتصادي في أماكن أخرى من أفريقيا شهد تحسناً في السنوات الأخيرة ـ في شرق وجنوب أفريقيا ـ حيث يتقدم التكامل الاقتصادي في إطار السوق الموحدة لشرق وجنوب أفريقيا (COMESA) واتحاد تنمية جنوب أفريقيا (SADC).

ومن المؤسف أن التجمع الإقليمي في غرب أفريقيا، أو الاتحاد الاقتصادي لبلدان غرب أفريقيا (ECOWAS) يفتقر إلى الفعالية. فمع إنشاء الاتحاد الاقتصادي لبلدان غرب أفريقيا قامت بلدان منطقة الفرنك بإنشاء تجمعين دون إقليميين، الاتحاد الاقتصادي النقدي لغرب أفريقيا (WAEMU) والاتحاد الاقتصادي النقدي لوسط أفريقيا (CEMAC)، وذلك في محاولة للحد من النفوذ البريطاني والأميركي والنيجيري. ونتيجة لهذا فقد تخلفت بلدان غرب أفريقيا عن النهضة الحالية التي تشهدها أفريقيا ـ ولا شك أن احتمالات الركود لفترة مطولة في منطقة اليورو سوف تزيد من الضرر الواقع على بلدان غرب أفريقيا.

إن العلاقة غير المتوازنة بين فرنسا ومستعمراتها السابقة في أفريقيا من شأنها أن تخرب الثقة إذا تغاضينا عن الحالة النفسية التي كان عليها "محررو" أفريقيا قبل خمسين عاماً. فكان أول رؤساء السنغال، ليوبولد سيدار سنجور، من أقوى المؤمنين بتفوق الجنس الأبيض، حتى أنه كتب ذات يوم: "العقل إغريقي، والعاطفة زنجية". وكان ليون مبا، أول رؤساء الجابون، من أشد أنصار فرنسا، حتى أنه ترك ثروته الشخصية بعد وفاته لفرنسا من أجل تمويل بناء مستشفى في باريس.

وعلى نحو مماثل، اخترع مؤسس كوت ديفوار، فيلكس هوفويت بوانيي، تعبير "أفريقيا الفرنسية" من أجل التأكيد على الارتباط بين فرنسا ومستعمراتها السابقة. ولقد ذهب هوفويت بوانيي في دعمه للسياسات الفرنسية في أفريقيا إلى الحد الذي قاده إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا وتحويل بلاده إلى طريق لعبور الإمدادات للانفصاليين في بيافرا.

لم يكن من المرجح بأي حال من الأحوال أن يخالف هؤلاء الزعماء الأوامر الصادرة عن فرنسا، وينطبق نفس القول على ورثتهم. فقد أطلق سراح المتهمين باختطاف الطفل الفرنسي في تشاد بناء على طلب فرنسا. وفي مالي تم الإفراج عن العديد من المشتبه بهم في جرائم إرهابية ـ أعضاء فرع محلي لتنظيم القاعدة ـ في مقابل رهينة فرنسية واحدة. وكان الرئيس السنغالي عبد الله واد يصف الفرنك الأفريقي ذات يوم بأنه من مخلفات الاستعمار ـ ولكن ذلك حدث حين كان أحد زعماء المعارضة. أما الآن فهو يعتبر الفرنك الأفريقي أفضل عملة في العالم.

إن الوضع الراهن على الصعيدين الاقتصادي والنفسي يضمن بقاء التحرر الحقيقي لبلدان أفريقيا الفرنسية أملاً بعيد المنال رغم مرور خمسين عاماً منذ الاستقلال. وإن كان هناك ما يستحق أن نحتفل به فهو أن ميزان القوى الاقتصادية العالمية يتحول الآن نحو البلدان الناشئة، وأن الجيل الجديد الذي نشأ في عالم تحكمه العولمة بات الآن مستعداً لتولي زمام القيادة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured