2

السياسة الخارجية المنسية

دنفر ــ في نظر العديد من المراقبين الأجانب، تمثل الجولة التمهيدية من الانتخابات الرئاسية لعام 2012 في الولايات المتحدة ــ والتي سوف تستمر في الاشتداد حتى الصيف للأسف ــ استعراضاً مخيفاً لكل ما يجهله الأميركيون وزعماؤهم عن السياسة الخارجية. فالمناقشة تلو المناقشة تكشف عن حقيقة مفادها أن لا أحد من المرشحين الساعين إلى تحدي الرئيس باراك أوباما مهتم بشكل خاص بالتفاصيل المحيطة بعلاقات الولايات المتحدة بأي دولة في مختلف أنحاء العالم، ناهيك عن الأزمات التي تنتشر على الساحة الدولية، وخاصة تلك التي لا تتورط فيها قوات أميركية.

الواقع أن الجهل يبدو وكأنه مصدر للقوة بالنسبة للمرشحين الذين لا يزالون في السباق. فعندما بَدَر عن جون هانتسمان، أحد المنافسين المبكرين، بعض الثِقَل الفكري الحقيقي بإشارته إلى بعض النقاط المفيدة فيما يتصل بالتعامل مع الصين، والذي تخلله استعراض وجيز لإتقانه اللغة الصينية، رَدَّ عليه بعض المرشحين الآخرين بالسخرية والاستهزاء. ويبدو أن مجرد التعرف على المنظور الصيني كان يعني عدم أهلية هانتسمان، الذي سرعان ما أنهى ترشحه. ومن الواضح أن السياسة الخارجية أصبحت على نحو متزايد لا تثير سوى الأجزاء العاطفية من دماغ المرشح الرئاسي.

والحقيقة هي أن الأميركيين يواجهون صعوبة كبيرة عادة في فهم السبب وراء أهمية تفاصيل السياسة الخارجية بالنسبة لهم، ومن المؤسف أن المرشحين الجمهوريين لم يفعلوا إلا أقل القليل لمساعدتهم. في انتخابات 2008 الرئاسية، حاول المرشح جون ماكين في بعض الأحيان القيام بهذه المهمة، فشرح عند نقطة ما لمجموعة من المتشككين وجهات نظهر فيما يتصل بالمشاكل المتنامية في بلوشستان. ولكن في أغلب الأمر كان المرشحون حريصين على الابتعاد عن التحدث باللغة الصينية أو مناقشة الأقاليم الباكستانية المضطربة.

قد يتوقع العالم أن يكون الشعب الأميركي ــ القيم على القوة العظمى الوحيدة في العالم ــ أكثر اهتماماً بقضايا السياسة الخارجية. ولكن الأميركيين يحرصون بدلاً من ذلك على تقليص مشاركة الولايات المتحدة في شئون العالم على نحو متزايد لكي تتحول هذه المشاركة إلى ما يشبه المسرحية الأخلاقية ــ يتبادر إلى الذهن الدور المبدع الذي لعبه جاري كوبر كعمدة وحيد بين أهل البلدة الجبناء في فيلم "هاي نون". (هؤلاء الذين يرون دوراً لتحالف الراغبين قد يتمتعون بالقدر الكافي من سِعة الأفق للتفكير في ريو برافو، حيث يرحب جون واين ببعض الحلفاء".

وفي كثير من الأحيان يقول الزوار الأجانب للولايات المتحدة إن الأميركيين ربما كانوا من بين أكثر الشعوب وطنية على الإطلاق، وهو اتجاه متزايد. فقد اعتاد الناس على تعليق الأعلام الأميركية على مساكنهم في الأعياد الوطنية فقط. وفيما عدا ذلك كانت الأعلام لا تُرى إلا خارج المباني الحكومية. أما اليوم فقد أصبحت الأعلام معروضة في كل مكان طيلة العام (بوسعنا أن نرى أكبر الأعلام خارج وكالات بيع السيارات، حتى ولو كانت السيارات المعروضة مستوردة). وعلى نحو مماثل كانت مباريات البيسبول طيلة عقود من الزمان تبدأ بالنشيد الوطني؛ ولكن الآن يُطلَب من المشجعين حتى بعد منتصف المباراة أن يقفوا مرة أخرى ليتغنوا بنشيد "أميركا الجميلة".

لا شك أن قسماً من الديناميكية الحالية يتعلق بتداعيات الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. ولكن هذه الموجة من الحماس الوطني تبدو مدعومة بقوى أكثر عنفا ــ وربما بحس عاطفي محبط مفاده أن الدوافع الأميركية لا تُفهَم على النحو اللائق في بقية العالم. وثمة أغنية شعبية تلخص الأمر برمته في جملة: "أنا فخور بأن أكون أميركيا، حيث أعرف أنني حر على الأقل".

على الأقل؟ لقد تمتعت أميركا باقتصاد قائم على المعرفة ومستوى معيشي من بين الأعلى على مستوى العالم لعقود من الزمان. لا شك أن الحرية هي أساس هذا النجاح، ولكن هذا الإنجاز يُعَد أيضاً سبباً للفخر. فحتى يومنا هذا، يظل اقتصاد أميركا يشكل أحد أكثر مظاهرها إثارة للإعجاب في بقية العالم ــ بما في ذلك الصين.

ورغم ذلك يشعر الأميركيون بالإحباط. وما زلت أتذكر النظرة الحزينة على وجه أحد مراقبي الانتخابات من الولايات المتحدة في العراق، وهو نائب من تكساس، عندما سأل أحد المسؤولين العراقيين عما إذا كان العراق يعتزم رد الجميل للولايات المتحدة لأنها "أدخلت الديمقراطية" إليه، فهز المسؤول العراقي رأسه (في البداية لم يفهم السؤال تماما) في استخفاف ورثاء.

إن المناقشات الرئاسية لهذا العام لم تتعرض للسياسة الخارجية إلا من قبيل التعرف على ما إذا كان المرشح المحتمل "قويا" بالدرجة الكافية للتعامل مع التحديات ــ وهو سؤال عن الثبات العاطفي وليس عن الأساس الفكري اللازم لفهم هذه التحديات.

إن التاريخ السياسي الأميركي عامر بالرؤساء الذين لم يرقوا على نحو أو آخر إلى مستوى المسرح العالمي. ويبرز أول لقاء بين الرئيس الأميركي جون ف. كينيدي والرئيس السوفييتي نيكيتا خروشوف في الوعي السياسي الأميركي: فقد فشل الرئيس الأميركي الشاب على نحو ما في ترك انطباع إيجابي في مواجهة نظيره السوفييتي، الذي حاول الإفلات بنشر صواريخ نووية بعيدة المدى في كوبا، وهو التحرك الذي جعل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أقرب إلى الحرب من أي وقت مضى. وفي ضوء مثل هذه الروايات تحولت السياسة الخارجية في الحملات السياسية الأميركية إلى نوع من اختبار الرجولة، وليس ما هو مطلوب حقا: اختبار المعرفة والقدرة على الاجتهاد في الرأي.

والنبأ السار هنا هو أن هناك الكثير من الدلائل التاريخية التي تشير إلى أن المرشح بمجرد توليه للمنصب ينشأ لديه فهم للقضايا وحس بالفروق الطفيفة في إدارة هذه القضايا ــ وهي الحقيقة الكفيلة بتهدئة الرأي العام الدولي. ولكن سواء كان ذلك راجعاً إلى الإفراط في مشاهدة التلفاز أو فرط المناقشات والحوارات، فإن هذا "الموسم السخيف" بدا طويلاً بشكل خاص، بل ومخيفا. وسواء كان المرشحون الرئاسيون يدركون هذا أو يهتمون به أقل اهتمام، فإن العالم ينصت إلى كل كلمة يتلفظون بها بقدر من الاهتمام أعظم مما يبدونه هم في التلفظ بها في بعض الأحيان.