Friday, August 29, 2014
2

السياسة الخارجية المنسية

دنفر ــ في نظر العديد من المراقبين الأجانب، تمثل الجولة التمهيدية من الانتخابات الرئاسية لعام 2012 في الولايات المتحدة ــ والتي سوف تستمر في الاشتداد حتى الصيف للأسف ــ استعراضاً مخيفاً لكل ما يجهله الأميركيون وزعماؤهم عن السياسة الخارجية. فالمناقشة تلو المناقشة تكشف عن حقيقة مفادها أن لا أحد من المرشحين الساعين إلى تحدي الرئيس باراك أوباما مهتم بشكل خاص بالتفاصيل المحيطة بعلاقات الولايات المتحدة بأي دولة في مختلف أنحاء العالم، ناهيك عن الأزمات التي تنتشر على الساحة الدولية، وخاصة تلك التي لا تتورط فيها قوات أميركية.

الواقع أن الجهل يبدو وكأنه مصدر للقوة بالنسبة للمرشحين الذين لا يزالون في السباق. فعندما بَدَر عن جون هانتسمان، أحد المنافسين المبكرين، بعض الثِقَل الفكري الحقيقي بإشارته إلى بعض النقاط المفيدة فيما يتصل بالتعامل مع الصين، والذي تخلله استعراض وجيز لإتقانه اللغة الصينية، رَدَّ عليه بعض المرشحين الآخرين بالسخرية والاستهزاء. ويبدو أن مجرد التعرف على المنظور الصيني كان يعني عدم أهلية هانتسمان، الذي سرعان ما أنهى ترشحه. ومن الواضح أن السياسة الخارجية أصبحت على نحو متزايد لا تثير سوى الأجزاء العاطفية من دماغ المرشح الرئاسي.

والحقيقة هي أن الأميركيين يواجهون صعوبة كبيرة عادة في فهم السبب وراء أهمية تفاصيل السياسة الخارجية بالنسبة لهم، ومن المؤسف أن المرشحين الجمهوريين لم يفعلوا إلا أقل القليل لمساعدتهم. في انتخابات 2008 الرئاسية، حاول المرشح جون ماكين في بعض الأحيان القيام بهذه المهمة، فشرح عند نقطة ما لمجموعة من المتشككين وجهات نظهر فيما يتصل بالمشاكل المتنامية في بلوشستان. ولكن في أغلب الأمر كان المرشحون حريصين على الابتعاد عن التحدث باللغة الصينية أو مناقشة الأقاليم الباكستانية المضطربة.

قد يتوقع العالم أن يكون الشعب الأميركي ــ القيم على القوة العظمى الوحيدة في العالم ــ أكثر اهتماماً بقضايا السياسة الخارجية. ولكن الأميركيين يحرصون بدلاً من ذلك على تقليص مشاركة الولايات المتحدة في شئون العالم على نحو متزايد لكي تتحول هذه المشاركة إلى ما يشبه المسرحية الأخلاقية ــ يتبادر إلى الذهن الدور المبدع الذي لعبه جاري كوبر كعمدة وحيد بين أهل البلدة الجبناء في فيلم "هاي نون". (هؤلاء الذين يرون دوراً لتحالف الراغبين قد يتمتعون بالقدر الكافي من سِعة الأفق للتفكير في ريو برافو، حيث يرحب جون واين ببعض الحلفاء".

وفي كثير من الأحيان يقول الزوار الأجانب للولايات المتحدة إن الأميركيين ربما كانوا من بين أكثر الشعوب وطنية على الإطلاق، وهو اتجاه متزايد. فقد اعتاد الناس على تعليق الأعلام الأميركية على مساكنهم في الأعياد الوطنية فقط. وفيما عدا ذلك كانت الأعلام لا تُرى إلا خارج المباني الحكومية. أما اليوم فقد أصبحت الأعلام معروضة في كل مكان طيلة العام (بوسعنا أن نرى أكبر الأعلام خارج وكالات بيع السيارات، حتى ولو كانت السيارات المعروضة مستوردة). وعلى نحو مماثل كانت مباريات البيسبول طيلة عقود من الزمان تبدأ بالنشيد الوطني؛ ولكن الآن يُطلَب من المشجعين حتى بعد منتصف المباراة أن يقفوا مرة أخرى ليتغنوا بنشيد "أميركا الجميلة".

لا شك أن قسماً من الديناميكية الحالية يتعلق بتداعيات الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. ولكن هذه الموجة من الحماس الوطني تبدو مدعومة بقوى أكثر عنفا ــ وربما بحس عاطفي محبط مفاده أن الدوافع الأميركية لا تُفهَم على النحو اللائق في بقية العالم. وثمة أغنية شعبية تلخص الأمر برمته في جملة: "أنا فخور بأن أكون أميركيا، حيث أعرف أنني حر على الأقل".

على الأقل؟ لقد تمتعت أميركا باقتصاد قائم على المعرفة ومستوى معيشي من بين الأعلى على مستوى العالم لعقود من الزمان. لا شك أن الحرية هي أساس هذا النجاح، ولكن هذا الإنجاز يُعَد أيضاً سبباً للفخر. فحتى يومنا هذا، يظل اقتصاد أميركا يشكل أحد أكثر مظاهرها إثارة للإعجاب في بقية العالم ــ بما في ذلك الصين.

ورغم ذلك يشعر الأميركيون بالإحباط. وما زلت أتذكر النظرة الحزينة على وجه أحد مراقبي الانتخابات من الولايات المتحدة في العراق، وهو نائب من تكساس، عندما سأل أحد المسؤولين العراقيين عما إذا كان العراق يعتزم رد الجميل للولايات المتحدة لأنها "أدخلت الديمقراطية" إليه، فهز المسؤول العراقي رأسه (في البداية لم يفهم السؤال تماما) في استخفاف ورثاء.

إن المناقشات الرئاسية لهذا العام لم تتعرض للسياسة الخارجية إلا من قبيل التعرف على ما إذا كان المرشح المحتمل "قويا" بالدرجة الكافية للتعامل مع التحديات ــ وهو سؤال عن الثبات العاطفي وليس عن الأساس الفكري اللازم لفهم هذه التحديات.

إن التاريخ السياسي الأميركي عامر بالرؤساء الذين لم يرقوا على نحو أو آخر إلى مستوى المسرح العالمي. ويبرز أول لقاء بين الرئيس الأميركي جون ف. كينيدي والرئيس السوفييتي نيكيتا خروشوف في الوعي السياسي الأميركي: فقد فشل الرئيس الأميركي الشاب على نحو ما في ترك انطباع إيجابي في مواجهة نظيره السوفييتي، الذي حاول الإفلات بنشر صواريخ نووية بعيدة المدى في كوبا، وهو التحرك الذي جعل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أقرب إلى الحرب من أي وقت مضى. وفي ضوء مثل هذه الروايات تحولت السياسة الخارجية في الحملات السياسية الأميركية إلى نوع من اختبار الرجولة، وليس ما هو مطلوب حقا: اختبار المعرفة والقدرة على الاجتهاد في الرأي.

والنبأ السار هنا هو أن هناك الكثير من الدلائل التاريخية التي تشير إلى أن المرشح بمجرد توليه للمنصب ينشأ لديه فهم للقضايا وحس بالفروق الطفيفة في إدارة هذه القضايا ــ وهي الحقيقة الكفيلة بتهدئة الرأي العام الدولي. ولكن سواء كان ذلك راجعاً إلى الإفراط في مشاهدة التلفاز أو فرط المناقشات والحوارات، فإن هذا "الموسم السخيف" بدا طويلاً بشكل خاص، بل ومخيفا. وسواء كان المرشحون الرئاسيون يدركون هذا أو يهتمون به أقل اهتمام، فإن العالم ينصت إلى كل كلمة يتلفظون بها بقدر من الاهتمام أعظم مما يبدونه هم في التلفظ بها في بعض الأحيان.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (2)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedGeorge Jagels

    Nice commentary. Foreign policy in a time of winding down wars and seemingly fewer threats from our decade-old enemy makes the issues even more prone to tropes. Iran dominates the debates, but deeper questions are there. This helps explain the thoughts of some Romney advisors:

    http://foreignpolicysifter.com/post/18175229053/unless-the-united-states-takes-the-lead-and-acts

  2. CommentedZsolt Hermann

    Here is a sentence from the article:
    "...The good news is that there is plenty of historical evidence to suggest that, once in office, the candidate develops an understanding of the issues and a feel for the nuances in managing them – a fact that should be calming to the international public..."
    With all due respect I do not share this optimism, moreover I do not remember one American administration that had any deep understanding of the dynamics of foreign policy in recent years, we have enough evidence of the "elephant in the china store" behavior from the Yugoslavian war through all the Middle East engagements to Afghanistan, or even the non-military crisis situations the US was involved in.
    To be fair this is not only an American problem, even the western European nations have no understanding of the Balkan or Eastern Europe, and today we can see how "sensitively" they deal with the Southern European nations as they have become burdens from good good, obliging consumers in the Eurozone.
    Simply the US is the biggest bully thus what they do is more obvious than what other nations are doing.
    This behavior simply comes from our inherent human nature when in whatever we are doing we only care about our own self interest and we truly do not care about others except how much we can use them for our own purposes.
    This is how we evolved beside each other up to this point.
    The reason it is becoming more of a problem today is that today we do not exists side by side, but we have become so integrated that we overlap on multiple levels, thus with any selfish, self centered action we cause much greater damage than ever before.
    The laws of integral systems dictate that in such an interconnected network that we exist in today before any calculation and action we have to take into consideration all the elements of the system, make sure that the planned action introduces an overall positive effect into the system, and only "pull the trigger" when these main conditions are met.
    We have selfish reasons to do so. Any negative influence we introduce to an integral system magnifies and comes back to us as a boomerang with multiple force.
    This is not simply a theory any more, through the global crisis we see evidence of it each day.
    Thus "learning on the job" is simply not good enough in our interdependent system that is already tensed enough, we need selfless leaders with global vision, who can work as team players, rising above selfish agendas or personal legacies.
    Unfortunately the American Presidential system is geared exactly the opposite way, so hopefully the next candidate will learn on the job fairly quickly...

Featured