ميلانو ـ يبدو أن أسوأ ما الأزمة المالية الاقتصادية قد انقضى. فقد كان أداء أسواق الأصول معقولاً في عام 2010. وعاد النمو إلى الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا. واستمرت عملية تقليص المديونيات في القطاع الخاص، ولكن في مقابل هذا ارتفع عجز القطاع العام ومديونياته. وفي الأسواق الناشئة عاد النمو إلى مستويات ما قبل الأزمة، ويبدو أن هذا النمو بات مستداما، بفضل السياسات غير التقليدية المصممة "لتعقيم" تدفقات رأس المال الضخمة.
ولكن استمرار النمو المرتفع في الأسواق الناشئة يتوقف على تجنب دورة انحدار كبرى ثانية في البلدان المتقدمة، التي لا تزال قادرة على استيعاب حصة ضخمة (ولو أنها في انحدار) من صادرات الأسواق الناشئة. وفي حين يمكن التحكم في تباطؤ النمو، فإن التحكم في النمو السلبي أمر غير وارد.
وعلى هذا فإن مخاطر الجانب السلبي في البلدان المتقدمة والتأثيرات غير المباشرة الناجمة عن سياسات الإنعاش التي تتبناها تشكل مصدر القلق الرئيسي في الأسواق الناشئة. وفي العديد من البلدان المتقدمة، بما في ذلك الولايات المتحدة، أصبحت توقعات النمو وتشغيل العمالة في تباعد مستمر، الأمر الذي يهدد التماسك الاجتماعي والانفتاح الاقتصادي.
وهذا الوضع ناتج إلى حد كبير عن ديناميكيات اقتصادية يمكن التنبؤ بها في مرحلة ما بعد الأزمة، في ظل المحاولات التي تبذلها الشركات والأسر في البلدان المتقدمة لإصلاح قوائمها المالية. ولكنه يعكس أيضاً خيارات سياسية غير تعاونية. والواقع أن محاولات تنسيق السياسات الاقتصادية في مختلف بلدان مجموعة العشرين، التي تمثل 85% من الناتج المحلي الإجمالي، كانت قاصرة عن المأمول إلى حد كبير في عام 2010.
كيف إذن قد تبدو مجموعة منسقة من السياسات الاقتصادية العالمية؟
أولا، لابد وأن تشتمل على خطط جديرة بالثقة في أوروبا والولايات المتحدة لاستعادة التوازن المالي. وفي أوروبا، يعني هذا الاتفاق على تقاسم الأعباء عن إعادة تمويل البلدان حيث تسبب العجز والديون في قطع سبل الوصول إلى الأسواق أو ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى عنان السماء. إن تدابير إعادة الهيكلة تلحق الضرر باليورو، وقد لا تكون تدابير ضبط الأوضاع المالية في البلدان المنكوبة كافية رغم أهميتها. وهذا من شأنه أن يضطر دول أوروبا الأكثر قوة، وخاصة ألمانيا، إلى تحمل المديونيات المتبقية. والآن يبدو المزيد من المركزية المالية والتوحيد السياسي أمراً محتماً لا مفر منه، ولكن الوصول إلى هذه النتيجة بشكل أو آخر قد يستغرق بعض الوقت.
وفي الولايات المتحدة يتلخص التحدي الرئيسي في استعادة التوازن المالي من دون الإضرار بالتعافي والنمو في المستقبل. وتتعقد عملية تصحيح التوازن بفعل حقيقة مفادها أن اليمين يخشى أن يستخدم اليسار الحوافز المالية كمسار نحو حكومة أضخم وبشكل مستدام، وهو المسار الذي يرفض اليمين (وعامة الناس كما يبدو) أن يسلكه.
أما البند الثاني في الأجندة فيتلخص في الانسحاب من التيسير الكمي في الولايات المتحدة، والذي تسبب في إغراق الأسواق الناشئة بفيض من رؤوس الأموال، ورفع أسعار السلع الأساسية ومستويات التضخم، ونشوء فقاعات الأصول. وقد يكون التدخل مطلوباً في القطاعات الهشة من الاقتصاد الأميركي، مثل الإسكان، حيث قد يؤدي الأداء المتعثر إلى دورة انحدار أخرى. ولكن مثل هذه التدخلات لابد وأن تكون أكثر دقة في تحديد أهدافها من جولة التيسير الكمي الثانية. والواقع أن إحجام أميركا عن استهداف مناطق الضعف أو الهشاشة يترك انطباعاً خارجياً بأن الهدف الحقيقي للجولة الثانية من التيسير الكمي هو إضعاف الدولار.
ومن غير الواضح، إذا ذهبنا إلى ما هو أبعد من ذلك، ما إذا كان التيسير الكمي قد ينتج قدراً كبيراً من النمو، أو كيف قد يتسنى له ذلك. ويزعم أنصاره أنه الأداة السياسية الرئيسية الوحيدة المتبقية، وأنه سوف يعمل من خلال زيادة الائتمان أو خفض سعر الخصم، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأصول، وبالتالي ارتفاع مستويات الاستهلاك من خلال التأثير على القوائم المالية. ولكن هل نريد حقاً أن نرى الولايات المتحدة وقد أصبحت غارقة في الديون حتى أذنيها مرة أخرى؟ لا أظن ذلك.
وعلى جانب القوائم المالية، وحتى لو أدى الانحدار المؤقت في أسعار الفائدة الطويلة الأجل إلى ارتفاع قيم الأصول، فإن الأسر المثقلة بالديون التي تعيش في ظل توقعات غير مؤكدة فيما يتصل بفرص العمل من غير المرجح أن تندفع إلى الاستهلاك. والواقع أن تأثير الثروة لا يعمل إلا إذا اعتقد الناس عن يقين بأن الثروة دائمة.
وثالثا، يتعين على البلدان المتقدمة والأسواق الناشئة التي تعاني من عجز مزمن أن تتخلص من هذا العجز. وتتفاوت السياسات المطلوبة لتحقيق هذه الغاية من بلد إلى آخر، كما تنطوي على تحولات بنيوية.
وفي حالة الصين فإن جزءاً رئيسياً من خطتها الخمسية الثانية عشرة يتلخص في تحويل الدخل إلى قطاع الأسر الصينية، حيث معدل الادخار مرتفع ولكن لا يزال أدنى من نظيره لدى الشركات. وآنذاك يستطيع الاقتصاد أن يستخدم مدخرات السر (من خلال الوساطة المالية المناسبة) لتمويل استثمارات الشركات والحكومة، وليس حكومة الولايات المتحدة. وهذا التحول البنيوي، إلى جانب ارتفاع سعر صرف الرنمينبي الحقيقي الفعّال في مقابل الدولار كنتيجة للتضخم وارتفاع الأجور السريع في قطاعات التصدير، من شأنه أن يرفع الآمال في انخفاض الفائض المتراكم لدى الصين.
ويتعلق البند الرابع بحقيقة مفادها أن الاقتصاد العالمي سوف يظل بعيداً كل البعد عن التوازن ما دام العجز الضخم في الحساب الجاري في الولايات المتحدة مستمرا. وبينما تعمل مرحلة ما بعد الأزمة على إعادة ضبط مستويات الاستهلاك والادخار المحلية، فإن الطلب الكلي في الولايات المتحدة سوف يظل راكدا. وفي الأمد الأبعد، سوف يصبح سد هذه الفجوة لازماً من خلال ارتفاع الطلب الأجنبي وزيادة فرص التصدير.
إن القطاع القابل للتداول في الولايات المتحدة آخذ في النمو. والواقع أن قطاعاته الفرعية الكبرى ـ الخدمات ذات القيمة المضافة العالية ـ تتسم بالنمو السريع والقدرة التنافسية العالية. ولكنها ليست ضخمة بالقدر الكافي لسد الفجوة. وقد تنخفض الواردات، كما حدث أثناء الأزمة، ولكن ذلك كان راجعاً إلى انحدار الطلب، وليس التحول في الطلب لصالح المنتجين المحليين.
إن القطاع القابل للتداول يمثل 30% فقط من اقتصاد الولايات المتحدة (حسب القيمة المصافة)، ونمو العمالة في القطاع القابل للتداول يكاد لا يُذكَر. وإذا تعثر نمو العمالة في القطاع غير القابل للتداول ـ الذي تهيمن عليه الحكومة والرعاية الصحية ـ فإن القطاع القابل للتداول لابد وأن يشغل الفراغ الناتج عن ذلك. والمشكلة هي أنه غير قادر على شغل ذلك الفراغ، حتى مع انخفاض قيمة العملة. وإذا كان للصادرات أن تنمو بشكل ملموس، فلابد وأن يتوسع نطاق القطاع القابل للتداول.
خامساً وأخيرا، يتعين على بلدان الفائض الرئيسية أن توافق على نشر هذه الفوائض على نحو يهدف إلى صيانة الاستقرار المالي العالمي ومنع التقلبات المفرطة في أسعار الصرف وتحركات رأس المال. وفي ظل النوبات الدورية من العدوى في منطقة اليورو والقدر المتبقي من عدم اليقين بشأن التزام أميركا بالدولار القوي والانضباط المالي، فإن بلدان الفائض الرئيسية في آسيا والخليج لابد وأن تتحول إلى ثِقَل موازن لتحقيق الاستقرار.
لا نستطيع أن نزعم أن أياً من هذه الخطوات سهل يسير. فهي سوف تستغرق وقتاً طويلاً لا محالة. ولكنها قادرة إذا اتخذت في وقت واحد على المساعدة في تخفيف حالة عدم اليقين واستعادة نمط الاستقرار والنمو الشامل للاقتصاد العالمي، وبالتالي تعزيز انفتاحه المستمر. وفي محاولاتنا الرامية إلى تجنب الوصول إلى ثاني أو ثالث أفضل نتيجة في هذا السياق، فإن تنسيق السياسات الاقتصادية الدولية ـ رغم صعوبته ـ سوف يلعب دوراً بالغ الأهمية.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.