بيركلي ـ في مختلف أنحاء العالم، اكتسبت المناقشة حول ضبط الأوضاع المالية صوتاً مميزاً لفريقين يتحدثان في نفس الوقت.
فعلى أحد الجانبين هناك أولئك الذين يصرون على أن الحكومات لابد وأن تتحرك الآن، بأي ثمن، لكبح جماح العجز في الموازنات. وهم يزعمون أن وضع مسألة تدبير الموارد المالية العامة على أساس مستدام يشكل شرطاً أساسياً لإعادة الطمأنينة إلى الأسواق المالية. وإذا تم تنظيم الجهود المنسقة لضبط الموازنات فإن الثقة سوف تتعزز، وإذا تعززت الثقة فإن معدلات الاستهلاك والاستثمار سوف ترتفع.
ومن هذا المنظور فإن خفض العجز سوف يكون توسعيا. ومع توفر الأدلة التي تؤكد أن هذا ليس مجرد احتمالاً فرضياً فإن المدافعين عن ضبط الأوضاع المالية يشيرون إلى حالات مثل الدنمرك في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، وأيرلندا في أواخر الثمانينيات، وفنلندا في التسعينيات.
وعلى الجانب الآخر هناك أولئك الذين يصرون على أن الإنفاق العام الإضافي ما زال مطلوباً لدعم الطلب. فالإنفاق من جانب القطاع الخاص ما زال ضعيفاً، خاصة وأن معدلات البطالة المرتفعة المستمرة دفعت المستهلكين، المتخوفين إزاء توقعات المستقبل، إلى الحرص الشديد في الإنفاق.
وفي الوقت عينه يعترض المنتقدون قائلين إن الأدلة تؤكد أن دعم الإنفاق المالي في إطار ضبط الأوضاع المالية لا يخلو من العيوب. ففي كل الأحوال حيث كان ضبط الأوضاع المالية توسعياً، كان الاقتصاد ينمو بفعل عامل ثالث. فقد سجلت الدنمرك نمواً، على الرغم من خفض الإنفاق المالي، لأن أسعار الفائدة، التي تجاوزت 10% في مستهل الأمر، انخفضت في نهاية المطاف. كما سجلت أيرلندا وفنلنداً نمواً ملحوظاً على الرغم من خفض الإنفاق المالي، لأن أسعار صرف عملتيهما انخفضت إلى حد كبير، الأمر الذي أدى إلى دعم الصادرات.
والواقع أن الاقتصاد العالمي اليائس في دعم الطلب اليوم غير قادر على الاعتماد على أي من الآليتين. فقد تدنت أسعار الفائدة في العديد من البلدان إلى ما يقرب من الصفر بالفعل. ولا تستطيع كل البلدان أن تخفض من سعر صرف عملاتها في نفس الوقت.
من المحق إذن؟ تعالوا بنا ننظر إلى الصورة التالية: المستهلكون والمستثمرون يستقلون سيارة ركاب تندفع مباشرة نحو جدار حجري. في هذه الحالة سوف يكتسب الركاب قدراً أعظم من الثقة إذا ضغط السائق على المكابح.
وهنا سوف نعتبر الركاب المحتملين شركات من جنوب أوروبا. ولا شك أن هذه الشركات تدرك أن الأوضاع المالية لبلدانهم غير مستقرة ولا مستدامة. وهي تعرف أيضاً أن العجز عن سداد الديون من شأنه أن يكون مخرباً. وحين ترى الاقتصاد وهو يندفع نحو جدار حجري فإنها تحبس أنفاسها بشكل جماعي، في حين تعمل الأدلة التي تؤكد لهذه الشركات على أن الحكومات جادة بشأن الضغط على المكابح على السماح لها بتنفس الصعداء. وفي هذه الحالة فمن المرجح أن يؤثر ضبط الأوضاع المالية إيجابياً على إنفاق الشركات على الاستثمار.
وهذا لا يعني أن اليونان والبرتغال وأسبانيا سوف تتوسع بقوة كما توسعت الدنمرك وأيرلندا وفنلندا في الثمانينيات والتسعينيات. فهي لا تستطيع أن تخفض من سعر صرف عملاتها لمساعدة الصادرات. ولكنها قادرة على خفض أسعار الفائدة من خلال إزالة المخاطر المتوقعة التي قد تنتج عن العجز عن سداد الديون السيادية. وسوف تتمكن البنوك من الاقتراض فيما بينها بتكاليف أقل، فيصبح بوسعها بذلك أن تقرض الشركات بتكاليف أقل. وهذا يشير إلى أن الاستثمار قد يستجيب بشكل أفضل من مخاوف المتشائمين.
ولكن ما قد ينجح في جنوب أوروبا قد لا يحظى بأي فرصة للنجاح في مكان آخر. ففي بلدان مجموعة العشرين الأخرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، وألمانيا، والصين، واليابان، ما زالت السيارة تتهادى على طريق مفتوح. وقد تكون السرعة المالية كبيرة ـ أي أن العجز قد يكون ضخماً ـ ولكن لا توجد إشارة إلى وجود جدار حجري على الطريق. فما زالت أسعار الفائدة على الديون الحكومية منخفضة. وإذا تزايد اضطراب الركاب فإنهم سوف يعربون عن مخاوفهم بكل تأكيد، ولكنهم لم يفعلوا ذلك حتى هذه النقطة.
وعلى هذا فإن هذه البلدان ليس لديها من الأسباب ما قد يجعلها تتصور أن ضبط الأوضاع المالية قد يخلف تأثيرات إيجابية قوية على مسألة الثقة. وقد يرتفع هذا الاحتمال في المستقبل، حين يظهر الجدار الحجري الافتراضي على الطريق. ولكنه حتى الآن لا يلوح في الأفق، وهو ما يعني غياب ردة الفعل الإيجابية فيما يتصل بالإنفاق الخاص والتي قد تسمح بتخفيف الإنفاق العام. ونتيجة لهذا فإن خفض الموازنات سوف يخلف تأثيرات انكماشية قوية.
وأخيراً هناك حالات حدودية، مثل بريطانيا. كان وزير الخزانة البريطاني جورج أوزبورن يصر على أن المسار المالي الذي تسلكه بلاده غير قابل للاستدامة، ولقد اقترح تطبيق تخفيضات شديدة القسوة. ولكن آخرين اعترضوا بشدة، حين لاحظوا المستوى المنخفض المستمر لأسعار الفائدة، وحين أدركوا أنه حتى في ظل خطة الحكومة السابقة كان الاتجاه يسير بالفعل نحو خفض تكاليف صافي الاقتراض إلى ما يقرب من الثلثين في غضون الفترة من 2010 إلى 2015.
ويكاد الأمر يبدو وكأن حكومات مثل الحكومة البريطانية تحاول التلاعب بالقطاع الخاص لإقناعه بأن الشروط الصعبة المطلوبة لضبط الأوضاع المالية توسعياً قد تحققت بالفعل. وكأن هذه الحكومات تحاول ترويع القطاع الخاص بحيث يشعر المستهلكون والمستثمرون، حين تقع الفأس المالية بالفعل، بالقدر الكافي من الارتياح إلى تفادي الكارثة لدفعهم إلى زيادة الإنفاق.
إذا كان الأمر كذلك فإن الزعماء يزاولون لعبة خطيرة تعتمد على تشجيع المزيد من الإنفاق في المستقبل نم خلال تحفيز المستثمرين والمستهلكين الآن، ثم كبح الإنفاق الحقيقي حين تصبح الحاجة إليه في غاية الإلحاح.
أو لعل الساسة لا يؤمنون بصدق أي من هذا ويعتزمون ببساطة خفض الإنفاق لأسباب إيديولوجية، بصرف النظر عن العواقب الاقتصادية. ولكن من يا ترى قد يكون بهذا القدر من التشاؤم حتى يصدق أمراً كهذا؟


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.