Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

إساءة معاملة الأطفال ماليا

بوسطن ـ يفرض علينا الكتاب المقدس أن نحسن لأبنائنا أكثر من إحساننا لأنفسنا: "من جيل إلى جيل". ولكن في الكثير من بلدان العالم المتقدمة، حنثنا بذلك التعهد المقدس. فعلى مدى ستة عقود، كان شعار عقيدتنا الاقتصادية مختلف تماما: "خذ من الصغار وأعط الكبار".

ولقد اخترنا كلماتنا بعناية في وصف هذا الانتهاك الأخلاقي. خشية أن نقدم سجلاً واضحاً لإساءتنا معاملة أبناءنا ماليا. إن ديوننا مكسوة في المقام الأول بلغة حميدة ظاهرياً مثل "استحقاقات معاشات التقاعد"، و"مزايا الرعاية الصحية"، وسندات الدين غير الرسمية. وبإطلاق وصف ما يؤخذ من الشباب "بالضرائب" بدلاً من "الاقتراض" ـ وهو ما يعني الوعد بسداد ما يزيد كثيراً على ما يؤخذ الآن بالفعل ـ الديون الضمنية التي أبقيت عمداً خارج الدفاتر.

والواقع أن الولايات المتحدة ليست وحدها في هذا الأمر، ولكن رفضها الاعتراف بالحجم الحقيقي التزامات الشيخوخة ربما جعلها في مواجهة الأزمة المالية الوشيكة الأسوأ على الإطلاق في بلدان العالم المتقدم. فاليوم، تبدأ الولايات المتحدة بفجوة مالية ذات قيمة اسمية حالية (القيمة الحالية للإنفاق التوقع من دون فوائد، بعد خصم الضرائب) تبلغ 202 تريليون دولار.

إن الفجوة المالية تشكل المقياس الشرعي الوحيد لحالة الموارد المالية العامة لدى أي أمة، لأنها تعالج الالتزامات "الرسمية" و"غير الرسمية" على الأساس نفسه. وهي لا تتجاهل فضلاً عن ذلك الإيجابي ـ الضرائب الحالية والمستقبلية المتاحة لتغطية هذه الالتزامات.

إن الفجوة المالية الأميركية العملاقة ـ التي يتم حسابها عن طيب نفس باستخدام توقعات مكتب الموازنة في الكونجرس ـ تقترب من 1400% من الناتج المحلي الإجمالي ويبدو كالقزم في مواجهتها الدين الرسمي، الذي يبلغ في مجموعه 9 تريليون دولار (60% من الناتج المحلي الإجمالي). وعلى سبيل المقارنة، سنجد أن الفجوة المالية اليونانية تصل إلى ما يرقب من 1100% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين يبلغ دينها الرسمي 120% من الناتج المحلي الإجمالي.

ورغم ذلك فإن الولايات المتحدة قادرة على الاقتراض بأسعار فائدة منخفضة كثيراً مقارنة بالأسعار التي تستطيع اليونان الاقتراض بها. ولكن هذا ليس شهادة لدور الدولار كعملة احتياطية ـ فالفجوة المالية على أية حال تعد بمثابة فاتورة واجبة السداد، وسوف ينظر الدائنين إلى أي محاولة من جانب الولايات المتحدة لخفض حجم المدفوعات من خلال طباعة النقود باعتبارها تغذية للتضخم إلى حد يجعل هذه المحاولة ترقى إلى التخلف عن سداد الدين. ولكن شروط الاقتراض المحابية لأميركا تشهد بدلاً من ذلك على قوة المحاسبة الحكومية المضللة.

وهذا بطبيعة الحال، يخلف عواقب عميقة على اقتصاد الشيخوخة ـ ومرة أخرى لا نستطيع أن نعتبر هذا ظاهرة فريدة تقتصر على الولايات المتحدة. في مختلف أنحاء العالم، تركز معايير تسجيل إحصاءات الحسابات الوطنية الانتباه على البناء اللغوي للدين الرسمي، وليس على الفجوة المالية اللامتناهية الأفق والتي تحمل مغزى اقتصادياً كبيرا، حيث تكبدنا التزامات التقاعد والرعاية الصحية خسائر فادحة. ولو كان شكسبير قال "أطلقوا النار أولاً على المحاسبين"، فربما كان العالم ليدرك الضرر المذهل الذين يمكنهم إحداثه.

في الولايات المتحدة، وبمجرد أن يفيق وال ستريت على الإفلاس الوشيك للبلاد، فسوف ترتفع أسعار الفائدة إلى عنان السماء. ولم يعد ذلك التاريخ بعيدا. حتى أن أرقام الدين الرسمية بدأت في تسجيل الحجم الحقيقي لما هو قادم. بل إن الدين الرسمي في الولايات المتحدة، سوف يتجاوز بحلول عام 2017، بعد ستة أعوام فقط من الآن، 90% من الناتج المحلي الإجمالي ـ القيمة التي يعتبرها كينيث روجوف وكارمن راينهارت وغيرهم من خبراء الاقتصاد البارزين مؤشراً تاريخياً للإفلاس.

ولكن المقياس الحقيقي لإفلاس الولايات المتحدة يتضح بجلاء عندما ندرك حجم التعديلات المطلوبة لتقليص الفجوة المالية في البلاد إلى الصفر. إذا تم التعديل من خلال الضرائب، فإن كل ضريبة فيدرالية لابد وأن تزيد بنسبة 64%، على الفور وبشكل دائم؛ وإذا تم ذلك من خلال التقشف، فإن كل برنامج إنفاق بلا فوائد ـ بما في ذلك برامج الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية، التي تشكل الاستحقاقات الرئيسية لكبار السن ـ لابد وأن تخفض على الفور وبشكل دائم بنسبة 40% على الأقل.

لم يصرح أي من الساسة علنا بأن قدرة الولايات المتحدة على سداد ديونها تتطلب مثل التعديلات الصارمة، وذلك لأن الرأي العام الأميركي بعيد كل البعد عن الموافقة على التضحيات المطلوبة. ومن ناحية أخرى، هناك شعور متنام بأن المحنة الاقتصادية الحالية التي تمر بها أميركا ـ ارتفاع معدلات البطالة وركود الأجور الحقيقية بالنسبة للعاملين من ذوي المهارات المنخفضة والمتوسطة ـ تنبع من السياسة المالية التي أفلت زمامها، والتي كانت تقتطع كميات متزايدة الضخامة من الموارد من شباب المدخرين فتعطيها للمنفقين من كبار السن.

ونتيجة لهذا عانى صافي الاستثمارات المحلية من انحدار طويل الأمد. ففي عام 1965، كان معدل الادخار الوطني الأميركي ومعدل الاستثمار المحلي 15.7% و14% على التوالي. وفي العام الماضي كان معدل الادخار الوطني قد بلغ 0.1% ومعدل الاستثمار 4.4%. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تدخر الآن لا شيء وتستثمر ما يقرب من لا شيء. ولولا عجز الحساب الجاري (الذي يسجل واردات رأس المال من الخارج) لكان بوسعنا أن نقول إن الولايات المتحدة تستثمر لا شيء أيضا.

رسم بياني: معدلات الادخار الوطني والاستثمار المحلي في الولايات المتحدة من 1949 إلى 2010

وبوسعنا أن نتتبع هذا الهبوط في معدل الادخار بسهولة إلى الزيادة الهائلة في معدلات استهلاك الأسر الأميركية. وفي إطار القطاع الأسري، كان الاستهلاك أكثر ارتفاعاً بين كبار السن. فمنذ عام 1970، تضاعف استهلاك الشخص العادي في السبعين من العمر إلى ثلاثة أمثاله نسبة إلى استهلاك الشخص العادي في الثلاثين من العمر.

والولايات المتحدة ليست وحدها في إدارة هذه المخططات الاحتيالية عبر الأجيال. وهي أيضاً ليست وحدها في تجاهل خطر الإفلاس الرهيب الذي تفرضه وما قد يترتب على ذلك من عواقب مدمرة للادخار والاستثمار. والواقع أن كل الدول الكبرى غير الولايات المتحدة ـ اليابان، وألماني، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وأسبانيا، وإيطاليا ـ تواجه أزمات مالية طويلة الأمد، ولو أن كلاً منها تمكنت من ممارسة قدر أكبر كثيراً من السيطرة على إنفاقها على الرعاية الصحية، كما أخذت أو تتخذ خطوات كبرى لاحتواء بنود الإنفاق الأخرى.

ولكن ما لم تبذل هذه البلدان المزيد من الجهد لتشجيع الادخار، فإن الخطر الأعظم يتمثل في احتمالات تراكم أزماتها المالية لكي تفضي في النهاية إلى انهيار مالي عالمي يتجاوز في خطورته أزمة 2008 بمراحل. وقد يبدو هذا وكأنه أسوأ السيناريوهات، ولكن في اعتقادي أنه السيناريو الأكثر ترجيحا: واسفاه على أبنائنا ـ وآبائنا.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.