Saturday, November 22, 2014
3

معضلة المدينين الأسرى

برينستون ــ إن أي تباطؤ اقتصادي يؤدي إلى زيادة أعباء الديون، سواء بالنسبة للأسر أو الدول. واليوم يبحث الجميع عن سبل للحد من وطأة الديون ــ ويفضل البعض أن يتملص من الأمر برمته.

والواقع أن الناس الغاضبين المحبطين ــ وخاصة في جنوب أوروبا ــ كثيراً ما يستشهدون بتحدي الأرجنتين للمجتمع الدولي في عام 2001 باعتباره نموذجا. فقد استخدمت الأرجنتين آنذاك مزيجاً من القهر والمفاوضات للخروج من أسفل جبل الديون الذي تراكم عليها في تسعينيات القرن العشرين، فاستولت عملياً على أموال الدائنين الأجانب، الذين اعتبرتهم أشراراً خطرين.

في تسعينيات القرن العشرين، قيدت الأرجنتين يديها بعملة مرتبطة بالدولار من أجل تعزيز مصداقيتها كمقترض. ولقد نجحت هذه الاستراتيجية إلى حد كبير: فقد أدت التدفقات الائتمانية الضخمة التي اجتذبتها إلى طفرة تضخمية عملت على الحد من القدرة التنافسية للبلاد. وبحلول عام 2001، أصبح اللجوء إلى خليط من خفض القيمة (الخروج من قيود العملة) والتخلف الجزئي عن سداد الديون حتميا. وفي أعقاب التخلف عن سداد الديون جاءت عملية إعادة هيكلة طوعية اسمياً والتي بموجبها وجهت الدعوة إلى الدائنين لتحمل بعض الخسائر.

وحتى وقتنا هذا، بدا النموذج الأرجنتيني ناجحا، فأسفر عن نمو اقتصادي كبير في البلاد منذ عام 2001. وهذا ما جعل النموذج جذاباً للغاية في نظر دول جنوب أوروبا المثقلة بالديون.

بيد أن الحكم الصادر مؤخراً من محكمة نيويورك ضد الأرجنتين في الدعوى القضائية التي أقامها أحد دائني صناديق التحوط الرافضين كان سبباً في زيادة مخاطر العجز عن سداد الديون السيادية والإفلاس. وعندما يكافأ الرافضون بقرارات صادرة عن المحاكم، ويتم الاعتراف بحقوق الدائنين المتمردين في ولايات قضائية أخرى، فإن الجهود المبذولة في مجال إعادة الهيكلة "الطوعية" تصبح غير مستدامة. وسوف تزداد مقاومة الأطراف المختلفة لشطب بعض الديون لصالح محاولة الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأصول.

ولقد نجحت الشركة الدائنة المفضلة في قضية نيويورك، وهي إليوت كابيتال، نجحت بالفعل في المطالبة بالاستيلاء على شركة ايه آر ايه ليبرتاد التابعة للبحرية الأرجنتينية لصناعة السفن الشراعية ثلاثية الصواري في غانا. وإذا أدت تداعيات قرار نيويورك إلى التخلف عن الوفاء بالتزامات أخرى في الأرجنتين، فإن التجارة الخارجية سوف تصبح مستحيلة في الممارسة العملية، وسوف تصبح العديد من السلع نادرة، وترتفع معدلات التضخم المحلية. وباختصار، نستطيع أن نقول إن نموذج الأرجنتين في خفض الديون في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين انهار تماماً كما انهار نموذجها في الاقتراض في تسعينيات القرن العشرين.

وهناك حقيقتان أساسيتان عملا على خلق معضلة غير قابلة للحل ظاهرياً بالنسبة للاقتصاد العالمي، وتحويل دول مثل الأرجنتين واليونان إلى ضحايا لمنطق مستحيل. الأولى أن الديون تنمو باستمرار؛ والثانية أنه لا توجد وسيلة مرضية حقاً للتخلص من هذه الديون.

كان النمو الهائل الذي شهده القطاع المالي على مدى العقدين الماضيين سبباً في تراكم كميات ضخمة إلى حد غير عادي من الديون. وفي غياب صدمة إيجابية ما ــ مثل تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي ــ فإن خدمة هذه الديون تصبح في حكم المستحيل بالنسبة لبعض المقترضين على الأقل.

إن الامتناع الحقيقي عن سداد الديون أمر نادر تاريخيا. فالمخاطر والتكاليف هائلة بالنسبة لكل من المقترضين والدائنين. فالمقترضون يعزلون عن الأسواق الدولية، ويصبح من غير الممكن شراء الواردات الأساسية، في حين تهدد حالات التخلف عن السداد الواسعة النطاق بانزلاق الدائنين إلى الإفلاس.

والنتيجة هي نشوء لعبة بالغة التعقيد ــ والتي تتمثل حالياً في ملحمة إعادة الهيكلة الطوعية في اليونان ــ حيث يقف الجانبان على حافة الهاوية ثم يبتعدان عن الصراع الصريح الذي قد يدفعهما إلى الانزلاق إلى هذه الهاوية.

ولقد عاشت أميركا اللاتينية هذه المعضلة في ثمانينيات القرن العشرين، عندما أصبحت حسابات ديونها غير مستدامة. وفي بداية هذه الأزمة، كان تعرض رؤوس أموال المؤسسات المالية الكبرى في الولايات المتحدة لأميركا اللاتينية يقترب من 200%، الأمر الذي جعل الاعتراف الصريح بعدم استدامة الديون السبيل الأكثر تأكيداً للقضاء على النظام المالي العالمي.

تحمل أغلب المدينين في أميركا اللاتينية آلاماً غير عادية في محاولة تجنب التخلف الصريح عن سداد الديون. وكانت بيرو بمثابة الاستثناء الوحيد المؤكد، فقد تخلفت عن سداد ديونها في عام 1985 وتحولت إلى دولة منبوذة على الصعيد الدولي. ومن بين أكبر المقترضين، كانت البرازيل هي الوحيدة التي تخلفت رسمياً عن سداد ديونها في عام 1987 ــ ولفترة وجيزة فقط. ومع تراجع الرئيس خوسيه سارني، فقد اعترف قائلا: "الحقيقة هي أننا لا نستطيع تدمير النظام الدولي. فقد يكون بوسعنا أن نخدشه، ولكنه قادر على تدميرنا".

ولكن ما حدث هو أن البنوك عرضت في الثمانينيات أموالاً جديدة في محاولة لتخليص نفسها من الأزمة. والواقع أن إدارة أزمات الدين الحديثة تشتمل دوماً على المنطق غير العادي المتمثل في ضخ الأموال الجيدة بعد السيئة على أمل حجب عدم الاستدامة الأساسية. ولقد تم تطبيق نفس المنطق في أزمة اليورو، حيث حلت الأموال الرسمية في محل تعرض القطاع الخاص.

وكان نشوء الديون المتعذر الوفاء بها سبباً في تفاقم جوانب أخرى مزعجة من الحياة المعاصرة. ذلك أن الحكومات والشركات والأفراد يواجهون جميعاً تراكمات من أنواع أخرى من الخصوم في هيئة تراكمات من المعلومات التي لا يمكن حذفها. فالبريد الإلكتروني، وفيس بوك، وتويتر، كل هذا ينتج سجلات دائمة تصاحب المستخدمين بشكل دائم، حتى عندما تتغير ظروفهم. ويعود إرث الماضي إلى الظهور على السطح بشكل مستمر ليقيد القدرة على التحرك في الوقت الحاضر.

وكما قد ترغب الدول في القضاء على ديونها والبدء من جديد، فإن الأفراد قد يرغبون في محو ماضيهم الإلكتروني في محاولة درامية للتحرر. ولكن هذا من شأنه أن يدمر المفيد إلى جانب المحرج أو غير المهم. وإذا كانت البداية الجديدة مستحيلة، فإن أفضل حل يتلخص في محاولة دفن المعلومات القديمة بدفق تضخمي من البيانات الجديدة التي تتضاءل أهميتها مع الوقت ببساطة.

والقياس هنا في مجال مفاوضات الديون العالمية هو أن أي بداية جديدة تسمح للاقتراض بالبدء من جديد أمر مستحيل أيضا. والتنظيف التام أمر مستحيل. وهذا لا يترك سوى حل واحد: تكديس مطالبات جديدة إلى الدرجة التي قد تبدو معها الديون القديمة تافهة. وهؤلاء الذين لا يستطيعون أن ينسوا الماضي محكوم عليهم بأن يضخموه.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

    Please login or register to post a comment

    1. CommentedJose araujo

      Incredible the obsession with debt, and debt burdens, when in the end reducing dent in a question of transforming debt into capital. Creditors just have to take an interest in the countries they where they have the credits, just like in "normal" bankruptcy.

      Loans and Debts are the faces of the same coin, which takes us to the root cause of the problem, if there are too many debtors, there are to many lenders to, and a clear failure on the distribution system.

      Regarding Europe, the author forgets the role of the ECB, and the fact that most of the debt is internal to Europe, so the solutions isn't that hard to find, we only need for the ECB to act like a normal central bank, and destroy the Debt he is holding.

    2. CommentedPaul A. Myers

      I am skeptical that "a clean up is impossible...and that leaves only one solution...pile on new claims."

      If interest rates go up, then the value of today's debt goes down. And the value of new money which commands real resources today goes up in value. And the debt which commands yesterday's promises and is not secured by any assets of value is worth much less.

      Like the war raparations after World War I, there most likely will be a big round of mutual debt cancellation. This will occur when all these countries collectively need to command fresh and new financial resources.

      Someone somewhere will drive a silver stake through the heart of the zombie debt.

    3. Portrait of Michael Heller

      CommentedMichael Heller

      Harold James: The Argentine statesman Juan Bautista Alberdi is not completely happy with one or two aspects of your otherwise excellent article, and on my blog post at Project Syndicate today I have passed Alberdi’s message on to you in full ...

    Featured