Friday, November 28, 2014
0

حرب الكلمات والوعود الزائفة

أثبتت لنا الأعوام الخمسة الماضية أن تعبير "الحرب ضد الإرهاب" ليس سوى استعارة زائفة قادت العالم إلى انتهاج السياسات الهدامة وسياسات الدفاع عن الذات. إنها استعارة مضللة تم تطبيقها حرفياً بغرض شن حرب حقيقية على عدة جبهات، منها العراق، وغزة، ولبنان، وأفغانستان، والصومال. وكانت النتيجة خسارة الآلاف من أرواح المدنيين الأبرياء، وإثارة غضب وحنق الملايين من الناس في كافة أنحاء العالم.

ومع كل ذلك لم يتمكن أحد من إخضاع أو قهر تنظيم القاعدة، كما تبين لنا من خلال المخطط الأخير الذي كان يستهدف تفجير طائرات تابعة لخطوط جوية أميركية تجارية كان من المفترض أن تقلع من لندن. ولقد أحبِط هذا المخطط، الذي كان قد يسفر في حال نجاحه عن حصد عدد من الضحايا يتجاوز عدد ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، بفضل يقظة الهيئات الاستخباراتية البريطانية. ومن الواضح أن هذا المخطط لن يكون الأخير.

من المؤسف أن الشعب الأميركي تقبل بلا انتقاد استعارة "الحرب ضد الإرهاب" باعتبارها استجابة منطقية وواضحة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر. والعجيب أنه حتى في وقتنا هذا، وبعد الاعتراف على نطاق واسع بأن غزو العراق كان تصرفاً خاطئاً إلى حد الحماقة، ما زال تعبير "الحرب ضد الإرهاب" يشكل الإطار الذي تدور السياسة الأميركية داخل محيطه. ولقد انجر أغلب الساسة الديمقراطيين أيضاً إلى دعم هذا التوجه خشية أن يتهموا بالضعف فيما يتصل بأمور الدفاع.

لكن الاستمرار في تأييد ودعم الحرب ضد الإرهاب لا يقل حماقة وتدميراً للذات عن الحرب ذاتها. فالحرب بطبيعتها تتسبب في وقوع ضحايا من الأبرياء، وتتعاظم احتمالات وقوع هؤلاء الضحايا حين تكون الحرب موجهة ضد الإرهاب، وذلك لأن الإرهابيين يميلون إلى التخفي وعدم الإعلان عن أماكن تواجدهم. وبطبيعة الحال، لابد وأن يؤدي قتل وجرح وإذلال المدنيين الأبرياء إلى توليد الغضب والحنق والاستياء بين عائلات هؤلاء الأبرياء ومجتمعاتهم، وبالتالي تحريضهم على دعم وتأييد الإرهابيين.

فضلاً عن ذلك فإن الإرهاب عبارة عن فكرة تجريدية تجمع تحت مظلتها كافة الحركات السياسية التي تستخدم التكتيكات الإرهابية. لكن كلاً من تنظيم القاعدة، وحماس، وحزب الله، والتمرد الشيعي وجيش المهدي في العراق، يمثل قوى مختلفة تمام الاختلاف عن الآخر، إلا أن حرب الرئيس جورج دبليو بوش العالمية ضد الإرهاب تمنعنا من التمييز بين هذه القوى المختلفة والتعامل مع كل منها تبعاً لتوجهاتها. كما أنها تحرمنا من إمكانية التفاوض، الذي بات مطلوباً بشدة، مع دول مثل إيران وسوريا، بحجة دعمها لجماعات إرهابية.

في ذات الوقت، وكما برهن البريطانيون، فإن أفضل سبيل للتعامل مع جماعات مثل تنظيم القاعدة يتلخص في العمل الاستخباراتي الجيد. وإن التركيز في إطار الحرب ضد الإرهاب على العمل العسكري لا يؤدي إلا إلى تفاقم التهديد الإرهابي وتعقيد مهمة الهيئات الاستخباراتية. فما زال أسامة بن لادن حراً طليقاً هو و أيمن الظواهري ، ونحن الآن في مسيس الحاجة إلى التركيز في البحث عنهما إذا كنا راغبين في منع هجمات كتلك التي أحبِطت في انجلترا.

وأخيراً لابد وأن ندرك إن الحرب ضد الإرهاب بمثابة إسفين يُـدَق "بيننا" و"بينهم"، فنحن الأبرياء وهم الجناة. وبينما يبدو أننا لم ننتبه إلى أننا أيضاً تحولنا إلى جناة، فمن الواضح أن قسماً كبيراً من بقية العالم قد أنتبه إلى ذلك ـ وهي فجوة ضخمة في الإدراك أسفرت عن إصابة مصداقية أميركا ومواقفها على الصعيد الدولي في مقتل.

باجتماع هذه العوامل يتلاشى كل احتمال لإحراز النصر في هذه الحرب ضد الإرهاب. ذلك أن شن حرب لا نهاية لها ضد عدو غير مرئي لابد وأن يفضي إلى ضرر عظيم، لن يلحق بسلطتنا وهيبتنا بين دول العالم فحسب، بل ولسوف يلحق أشد الضرر بمجتمعنا ذاته. فقد أدت تلك الحرب إلى توسيع خطير لمجال السلطات التنفيذية، ولوثت التزامنا بحقوق الإنسان العالمية، وفرضت الحظر على العملية النقدية التي تشكل قلب المجتمع المفتوح. فضلاً عن ذلك فقد كبدتنا هذه الحرب تكاليف مالية باهظة. والأهم من كل ما سبق أن الحرب ضد الإرهاب قد حولت انتباهنا عن مهام أخرى ملحة تحتاج إلى الزعامة الأميركية، مثل إنهاء المهمة التي تركناها معلقة في أفغانستان، ومعالجة أزمة الطاقة العالمية التي باتت تلوح في الأفق، والتعامل مع قضية الانتشار النووي.

مع انحسار مد النفوذ الأميركي أصبح العالم عُـرضة لخطر الانزلاق إلى حلقة مفرغة من العنف المتصاعد. ولن يتسنى لنا الإفلات من هذه الحلقة المفرغة إلا إذا سارعنا نحن الأميركيون إلى نبذ الحرب ضد الإرهاب باعتبارها مجرد استعارة زائفة.

أما إذا واظبنا على مسارنا الحالي فلسوف يستمر الموقف في التدهور. إنها ليست إرادتنا فحسب التي أصبحت الآن على محك الاختبار، بل وأيضاً فهمنا للواقع. وإنه لمن المؤلم أن نعترف بأن المآزق التي نعاني منها الآن وقعنا فيها نتيجة لمفاهيمنا الخاطئة. لكن عدم الاعتراف بهذا من شأنه أن يؤدي إلى عواقب أشد إيلاماً على الأمد البعيد. إن قوة المجتمع المفتوح تكمن في قدرته على إدراك أخطائه والاعتراف بها ثم تصحيحها. وهذا هو الاختبار الحقيقي الذي يواجهنا الآن.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured