Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

عقود عادلة من أجل الدول الفقيرة

إن العديد من البلدان في أميركا اللاتينية، وأفريقيا، وشرق أوروبا، ومناطق أخرى من العالم، تبادر الآن إلى إلغاء العقود التي أبرمتها مع المؤسسات متعددة الجنسيات، أو تعيد التفاوض معها فيما يتصل بتنفيذ هذه العقود. ومن المرجح أن تحذو حذوها دول أخرى. والتكاليف قد تكون باهظة. فربما تحصل الحكومات على شروط أفضل، إلا أنها قد تتورط أيضاً في نزاعات استثمارية دولية، الأمر الذي لابد وأن يؤدي إلى تخوف المستثمرين الآخرين. وبالنسبة للشركات فإن إعادة التفاوض على العقود يعني عدم اليقين والانقطاع المحتمل للإنتاج والعائدات.

إن التحولات الكبرى في السلطة (نتيجة للتغيرات في أسعار السلع بصورة خاصة) والإيديولوجية، أو التغيرات في المشاريع الاقتصادية، قد تؤدي إلى إعادة التفاوض، وخاصة حين يتعلق الأمر بالاستثمارات الضخمة في الموارد الطبيعية والبنية الأساسية. ولكن كثيراً ما يرجع السبب إلى أن الدولة المضيفة ترى أن العقد ليس عادلاً.

ورغم أن "العدالة" قد تكون واضحة في بعض الأحيان، إلا أن الدولة المضيفة قد لا تمتلك من الخبرات المطلوبة للتفاوض ما يسمح لها بالتوصل إلى أفضل اتفاق ممكن ـ وهذا من المواقف المتكررة حين تتفاوض المؤسسات متعددة الجنسيات مع الدول الأقل تقدماً (أفقر خمسين دولة في العالم، وأغلبها تقع إلى الجنوب من الصحراء الكبرى في أفريقيا). وربما يندرج عقد شركة ميتال مع ليبريا في العام 2005 (الذي أعيد التفاوض عليه أثناء العام الماضي) والعديد من العقود مع الكونغو، تحت هذه الفئة ولو جزئياً، مثلها كمثل بعض الاتفاقات في بلدان الاتحاد السوفييتي سابقاً.

لنفترض أن عقداً خاصاً باستخراج النفط أو النحاس قيمته خمسمائة مليون دولار أميركي ونريد إعادة التفاوض بشأنه. مثل هذا العقد الضخم لابد وأن يشتمل على إحدى المؤسسات متعددة الجنسيات الضخمة، القادرة بطبيعة الحال على إرسال فريق تفاوض يتضمن محامين عالميين، وخبراء في الجيولوجيا، ومحللين ماليين مخضرمين. أما على الجانب الآخر فلن تتمكن الدولة المضيفة من مباراة مثل هذا الفريق. بل وربما لا تدري حتى ما الذي قد تحتاج إليه في إدارة مثل هذه المفاوضات.

وبالطبع سوف تكون النتيجة عقداً أشد إثارة للشكوك والمشاكل، وذلك لأنه سوف يشتمل في الأغلب على واحد من الموارد القليلة لدى الدولة المضيفة، والذي قد يكون قادراً على توليد عائدات أكثر ثباتاً (بل وربما أعلى) من مساعدات التنمية الرسمية ـ وعلى مدى فترة طويلة من الزمن. وعلى هذا، فحتى لو لم يكن للفساد ضلع في الأمر، فليس من المدهش أن تطالب إحدى حكومات المستقبل بإعادة التفاوض على مثل هذه العقود.

من الواضح أن الضرورة قائمة لتمهيد ساحة اللعب مع المؤسسات متعددة الجنسيات. تستطيع الدولة المضيفة، نظرياً، أن تستعين بخبراء دوليين لمساعدتها في المفاوضات. إلا أن الدول الفقيرة تعجز عن توفير الأرصدة اللازمة لتسديد الرسوم التي يتقاضها مثل هذا الفريق من الخبراء الدوليين. وحتى البنك الدولي، وبالطبع بنوك التنمية الإقليمية، لا يستطيع تقديم الخبرات اللازمة لتقديم المساعدة الفنية ـ أو توفير الأرصدة، كقاعدة عامة.

ولكن ماذا لو وفرت المؤسسات متعددة الجنسيات هذه الأرصدة؟ من الواضح أن المؤسسات متعددة الجنسيات تريد أفضل صفقة ممكنة لصالحها؛ ولكنها أيضاً تريد عقوداً مستمرة لا ترفضها الحكومات القادمة. وهذا يعني أنها لديها مصلحة في التفاوض على اتفاق عادل على نحو ملحوظ للمراقبين. فضلاً عن ذلك فإن تكاليف فرق التفاوض تكون ضئيلة نسبياً في الاتفاقات الضخمة (أو قد يكون من الممكن تعويضها أو استقطاعها من عائدات المشروع).

بيد أن المشكلة لا تنتهي هنا، حتى لو تبنت إحدى الشركات مثل هذا التوجه. فكيف يتسنى لها التنفيذ دون أن يبدو الأمر وكأنه رشوة (إذا ما قدمت الشركة تلك الأرصدة إلى الحكومة مباشرة)؟ وكيف تتمكن الشركات من منع إساءة استغلال بعض هذه الأرصدة (ولنقل إذا ما استعانت الحكومة بفريق تفاوض قليل الخبرة)؟

ثمة اقتراح لمواجهة مثل هذه المعضلة: وهو يتلخص في الاستعانة بمؤسسة لإعانة عقود الاستثمار ( ICAF )، تعمل تحت مظلة إحدى المنظمات المحترمة على مستوى العالم. وتستطيع مثل هذه المؤسسة أن تعمل كطرف ثالث مستأمن تدفع له الشركة الأرصدة المطلوبة لتمكين الدولة المضيفة من استئجار فريق تفاوض جيد. ثم يوجه مدير مؤسسة إعانة العقود الدعوة إلى الدولة المضيفة لاختيار الفريق، فيقترح عليها الخبرات والمهارات المطلوبة، بل وقد يقدم إليها قائمة بالخبراء في هذا المجال.

وبهذا يكون للدولة المضيفة الحرية في اختيار فريقها، إلا أن الطرف المستأمن، الذي يستعين بهيئة استشارية دولية من الخبراء المتطوعين، لابد وأن يصدق على كفاءة فريق التفاوض الذي تختاره الدولة المضيفة. ونستطيع أن نضيف أيضاً أحد عناصر بناء القدرة إلى الفريق بالاستعانة بفرد أو فردين من المفاوضين المحليين. ولسوف تكون النتيجة في النهاية عقداً عادلاً قدر الإمكان.

قد يكون كافياً لإنجاح مثل هذه المبادرة أن يعلن عدد من المسئولين التنفيذيين ورؤساء الوزارات عن استعدادهم للتفكير في استخدام مؤسسة كهذه كطرف ثالث مستأمن. ورغم أن هذا لن يؤدي إلى إنهاء عمليات إلغاء العقود أو إعادة التفاوض عليها، إلا أنه كاف لإبطال أحد الأسباب الداعية إلى ذلك، الأمر الذي لابد وأن يفيد الدول والشركات على السواء.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.