Saturday, November 1, 2014
0

مهمة أوروبا المتواضعة

في الأول من مايو انضمت دول عشر جديدة إلى الاتحاد الأوروبي، ليرتفع بهذا عدد الدول الأعضاء بالاتحاد إلى خمس وعشرين دولة. وهناك دولتان أخريان ـ رومانيا وبلغاريا ـ تمران الآن بمرحلة التفاوض من أجل دخول الاتحاد، ودولة أخرى ـ تركيا ـ تقرع الباب طلباً للدخول. ولكن بعيداً عن الاحتفالات بأحدث جولة من جولات التوسعة والإعداد للجولة التالية، فقد حان الوقت لكي نسأل أنفسنا: " ما الأثر الذي سيخلفه الاتحاد الأوروبي الموسع على الشئون الدولية؟ "، و" كيف ستنظر باقي الدول الأعضاء بالأمم المتحدة إلى هذا الحدث، وكيف ينبغي لها أن تنظر إليه؟ ".

ولكي ندرك مدى أهمية ما يحدث الآن فلابد وأن نبدأ بتحرير أنفسنا من لعنة أيامنا هذه. فنحن إذا قبلنا، سنظل ضحايا للأحداث الجارية ولكل ما يحدث في أية لحظة بعينها. وذلك الجهاز الذي نسميه التلفاز يضيق آفاقنا، فلم يعد أحد يفكر فيما سيحدث على الأمد البعيد.

لكن الأهمية الحقيقية للمشروع الأوروبي لن تتضح إلا على الأمد البعيد. وتكمن أهمية هذا المشروع في سببين. يتلخص الأول فيما يحمله هذا المشروع من مفاهيم ضمنية حول السلام وحقوق الإنسان. ويرتبط الثاني بتأثيره على التجارة والتنمية.

ومع أن تاريخ البشرية الـمُسـَجَّل لا يتجاوز سوى ستة آلاف عام تقريباً، إلا أنه يحتوي بين صفحاته حوالي عشرة آلاف حرب. ولقد لعبت القارة الأوروبية دوراً كبيراً في هذه المجزرة التاريخية ـ مقارنة بالدور الذي لعبته بقية مناطق العالم، وبحساب المدة الفعلية التي كانت فيها القارة مأهولة بالسكان بالفعل.

لكننا الآن في الاتحاد الأوروبي ننعم بنظام أساسي من شأنه أن يجعل الحرب في القارة الأوروبية أمراً مستحيلاً على أرض الواقع، ويوفق بين الشعوب التي تعيش على أرضها. ففي عام 1945 كان الود مفقوداً بين الشعبين الألماني والفرنسي، تماماً كما هي الحال بين الصرب وأهل البوسنة في يومنا هذا. لكن العلاقة بين الألمانيين والفرنسيين أصبحت الآن وطيدة للغاية داخل الاتحاد.

واليوم تستعد أوروبا لإصلاح ذات البين بشكل مماثل في مكان آخر. فقد انهمكت المجر ورومانيا لأكثر من سبعة قرون في حروب طاحنة حول المناطق والسكان. ولقد أصبحت المجر الآن من الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، كما تستعد رومانيا للانضمام (مع أن انضمامها سيتأخر بعض الوقت بسبب تخلفها في تنفيذ عملية الإصلاح الداخلي). كما شهدت بولندا ألف سنة من الحروب مع جيرانها. أما اليوم فقد أصبحت آمنة.

إن المغامرة الأوروبية هائلة. فالعهد الذي قطعته أوروبا على نفسها أمام العالم بألا تنشأ الحروب من أرضها يمثل تحولاً هائلاً لم يسبق له مثيل في التاريخ. والحقيقة أن كل تلك الدول الأوروبية لا تسعى إلى إحلال السلام بينها فحسب، بل إنها أيضاً تحترم حقوق الإنسان في كل مكان.

هناك عنصر آخر ذو دلالة تاريخية عظيمة، ألا وهو السوق الداخلية الموحدة للاتحاد الأوروبي الموسع. إنها سوق تحكمها قواعد وأنظمة لا ترحم فيما يتعلق بالمنافسة، لكنها تسير أيضاً وفقاً لمبادئ وآليات التضامن الداخلي التي تلزم الدول الأعضاء الأكثر تقدماً من الناحية الاقتصادية بمساعدة الدول الأقل تقدماً لكي تتغلب على المعوقات والعقبات البنيوية لديها. كما تنتهج هذه السوق سياسة مشتركة خاصة بالتجارة والجمارك فيما يتعلق بالتعاملات الاقتصادية مع العالم الخارجي.

إن ثمرات هذا " التضامن التنافسي " هائلة. فقد شهدت أيرلندا والبرتغال واليونان تنمية مذهلة، وتلاشى الفقر الذي فرض قيوده على تلك الدول لأجيال. ولسوف تحمل الدول العشر الجديدة اللواء الآن وتشرع في طرد الفقر والتخلص منه.

ويعد الاتحاد الأوروبي سابقة على درجة عظيمة من الأهمية في إطار آخر. فعلى مدار التاريخ وحتى الآن لم تنشأ قوة اقتصادية عظمى بدون استخدام القوة. والقانون الأوروبي سيكون كافياً لاعتراض سبيل أي مارد عالمي ـ وليكن متمثلاً في اليابان أو أوروبا أو أميركا ـ قد يفكر في فرض هيمنته على العالم في أي قطاع من قطاعات الاقتصاد العالمي. وعلى سبيل المثال، لن تظل شركة مايكروسوفت مهيمنة على سبل نشر المعرفة إلى العالم.

لكن هذا التقدم لن يكون بلا ثمن. وذلك لأن القناعات التاريخية والاستراتيجية لكل هذه الدول الـمُجَمَّعة في أوروبا الجديدة مختلفة إلى حد لا يسمح لها بانتهاج سياسة خارجية مشتركة. فالناس يقتلون بعضهم البعض في الصومال ورواندا ويوغوسلافيا السابقة والشرق الأوسط، فتقف أوروبا عاجزة عن القيام بأي دور لوضع حد لهذه المآسي. لكن الخبرة تدلي بدلوها في هذا المجال: يتعين علينا اليوم أن نتخلى عن حلم أوروبا الفيدرالية على غرار الولايات المتحدة؛ وهذا لأن أغلب الأوروبيين لا يرغبون في هذا.

وبعيداً عن كون أوروبا أمة واحدة في طور التكوين، فهي مجرد حيز تشغله كيانات متقاربة تحكمها معايير ديمقراطية وقواعد قانونية مشتركة. لكن هذا في حد ذاته يعني الكثير. فعلى الرغم من أن المهمة التي تضطلع بها هذه الكيانات الموحدة قد لا تكون كافية لتغيير موازيين الشئون الدولية، إلا أنها تستطيع أن تساهم في نشر السلام واحترام حقوق الإنسان وإرساء قواعد فعّالة جديرة بالاحترام تحكم التجارة العالمية.

إذا تمسكنا بوعينا بهذا الأمر وإدراكنا له، وإذا لم نحاول أن نفرض على الاتحاد النزاعات التي تخلقها القيادة الأميركية وسياساتها الحالية، فنستطيع أن نتوصل إلى استنتاج واضح. فإن أوروبا باعتبارها منطقة للسلام، تتجه نحو المزيد من النمو والتوسع في المستقبل، لتشمل يوغوسلافيا السابقة أولاً، ثم تركيا، ثم الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ذات يوم. وبتدعيم السلام والتنمية تكون أوروبا قد قدمت للإنسانية خدمة جليلة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured