Thursday, November 27, 2014
5

أوروبا وبحثها المضلل عن النمو

بروكسل ــ قبل بضعة أشهر، وقعت خمس وعشرين دولة من دول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين رسمياً على معاهدة تلزمها بتبني حدود صارمة للعجز في دساتيرها الوطنية. وكان هذا الذي أطلق عليه مسمى "الميثاق المالي" بمثابة الشرط الأساسي لإقناع ألمانيا بالموافقة على زيادة تمويل صناديق إنقاذ منطقة اليورو زيادة كبيرة، ولكي يبدأ البنك المركزي الأوروبي في إجراء "عملية إعادة التمويل الطويل الأجل" بقيمة تريليون يورو، والتي كانت تمثل ضرورة أساسية لدعم استقرار الأسواق المالية.

ولكن اليوم، تحول انتباه منطقة اليورو نحو النمو. وهو نمط متكرر في السياسة الأوروبية: الإعلان عن التقشف والدفاع عنه باعتباره شرطاً مسبقاً للنمو، ولكن عندما يصبح الركود موجعاً يتحول النمو الشرط المسبق لاستمرار التقشف.

قبل نحو خمسة عشر عاما، تعرضت أوروبا لدورة مماثلة. ففي أوائل تسعينيات القرن العشرين، وأثناء رسم مخططات الاتحاد النقدي الأوروبي، أصرت ألمانياً على "ميثاق الاستقرار" باعتباره ثمناً للتخلي عن المارك الألماني. وعندما انزلقت أوروبا إلى الركود العميق بعد عام 1995، تحول الانتباه باتجاه النمو، وتحول "ميثاق الاستقرار" إلى "ميثاق الاستقرار والنمو"، عندما تبنى المجلس الأوروبي قراراً بشأن "النمو والعمالة" في عام 1997.

واليوم أصبحت الحاجة إلى النمو قوية بقدر ما كانت قبل خمسة عشر عاما. ففي أسبانيا، كان معدل البطالة آنذاك مرتفعاً بقدر ما هو اليوم، وفي إيطاليا كان المعدل في عام 1996 أعلى مما هو عليه اليوم. ومن الناحية السياسية أيضا، كانت الخلفية واحدة: فقد تم تحويل ميثاق الاستقرار إلى ميثاق الاستقرار والنمو تحت الضغوط التي مارستها في الأساس الإدارة الفرنسية الجديدة آنذاك (برئاسة جاك شيراك). واليوم قدمت فرنسا الدفعة السياسية للتحول إلى النمو.

إن تحويل النمو إلى أولوية سياسية أمر لا يقبل الجدال (فمن قد يكون ضد النمو على أية حال؟). ولكن السؤال الحقيقي هو: ماذا بوسع أوروبا أن تفعل لخلق النمو؟ والإجابة الأمينة هي: أقل القليل.

إن العناصر الرئيسية لأي استراتيجية للنمو يناقشها زعماء أوروبا اليوم هي في واقع الأمر نفس العناصر أثناء الفترة 1996-1997: إصلاحات سوق العمل، وتعزيز السوق الداخلية، وزيادة تمويل بنك الاستثمار الأوروبي بهدف إقراض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وزيادة الموارد المخصصة لمشاريع البنية الأساسية في الدول الأعضاء الأكثر فقرا. والواقع أن العنصرين الأخيرين يجتذبان قدراً كبيراً من الاهتمام لأنهما ينطويان على المزيد من الإنفاق.

ولكن الظروف مختلفة إلى حد كبير اليوم. فالنموذج التجاري الذي يتبناه بنك الاستثمار الأوروبي لابد أن يتغير جذرياً حتى يصبح مجدياً في تشجيع النمو، وذلك لأنه لا يقدم قروضاً إلى في مقابل ضمانات حكومية، في حين لا تستطيع الدول ذات السيادة المتعثرة مالياً في جنوب أوروبا أن تتحمل المزيد من الأعباء. فضلاً عن ذلك، وعلى النقيض من الفهم الخاطئ الشائع، فإن بنك الاستثمار الأوروبي لا يستطيع تقديم القروض بشكل مباشر إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، بل يستطيع فقط تزويد البنوك الكبرى بالتمويل لإقراض المؤسسات المحلية الصغيرة والمتوسطة الحجم. ولكن البنك المركزي الأوروبي يقوم بهذه المهمة بالفعل من خلال قروض عملية إعادة التمويل الطويل الأجل لثلاثة أعوام.

وهناك أيضاً الحديث عن "خطة مارشال" لجنوب أوروبا. قبل خمسة عشر عاماً كانت الحاجة واضحة إلى بنية أساسية أفضل هناك. ولكن منذ ذلك الوقت، حظيت دول جنوب أوروبا بعقد كامل من الزمان من الاستثمارات المرتفعة في البنية الأساسية ــ أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي في أسبانيا واليونان والبرتغال.

ونتيجة لهذا فإن أغلب الدول في جنوب الاتحاد الأوروبي ربما أصبح لديها مخزون كاف من البنية الأساسية اليوم. وقد تكون زيادة الاستثمارات في البنية الأساسية أكثر منطقية في ألمانيا، حيث كان الإنفاق على البنية الأساسية هزيلا (1,6% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، أو نصف المعدل في أسبانيا) طيلة عشرة أعوام تقريبا. ولهذا السبب أصبحت الطرق السريعة في ألمانيا مشهورة بالازدحام الشديد اليوم.

بيد أن الأمر لا يتطلب الحصول على أموال أوروبية لتمويل البنية الأساسية في ألمانيا، حيث تستطيع الحكومة أن تجمع الأموال بتكاليف حقيقية أقل من الصفر. وبالمعدلات التي تدفعها اليوم فإن الحكومة الألمانية لابد أن تكون قادرة على إيجاد العديد من مشاريع الاستثمار التي تحقق معدلات عائد اجتماعي إيجابية. ونظراً لقرب ألمانيا من تحقيق هدف التشغيل الكامل للعمالة، فإن زيادة الإنفاق على البنية الأساسية هناك من شأنها أن تؤدي إلى اجتذاب الواردات في الأرجح (واجتذاب عمال البناء العاطلين عن العمل من أسبانيا)، والإسهام بذلك في إعادة التوازن التي تشتد الحاجة إلها داخل منطقة اليورو.

ولكن من المؤسف أن هذا من غير المرجح أن يحدث، وذلك لأن الإنفاق على البنية الأساسية يواجه معارضة شعبية. والواقع أن مثل هذا الإنفاق يتقرر على المستويين المحلي والإقليمي، حيث المعارضة الشعبية لأي مشروع ضخم أشد قوة (على سبيل المثال استغرق الأمر أكثر من عشرين عاماً لإكمال تحديث محطة شتوتجارت للسكك الحديدية).

ويبدو أن الرغبة في الظهور بمظهر من "يفعل شيئا" تدفع صناع القرار السياسي في أوروبا إلى الاعتماد على الأدوات القليلة التي يستطيع بها الاتحاد الأوروبي أن يزعم أنه يعمل على تعزيز النمو. ولكن يتعين عليهم أن يدركوا أن أزمة النمو اليوم مختلفة. ولا ينبغي للصفقة الحقيقي أن تكون التقشف إلى جانب خطة مارشال بالنسبة للجنوب، بل الاستمرار في التقشف جنباً إلى جنب مع إصلاح سوق العمل في الجنوب، مصحوباً بالمزيد من الاستثمار في البنية الأساسية في ألمانيا وغيرها من الدول صاحبة التصنيف (أأأ) مثل هولندا.

إن الإصلاحات العميقة في قطاع الخدمات في ألمانيا من شأنها أيضاً أن تساعد في إطلاق العنان لإمكانيات البلاد الإنتاجية وفتح أسواقها لصادرات دول جنوب أوروبا من الخدمات. وبهذا يصبح بوسع الجنوب أن يحظى بالفرصة لإيجاد فرص عمل لشبابه من ذوي التعليم الجيد، والذين لا يجدون أمامهم الآن إلا الاختيار بين البطالة والهجرة.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (5)

    Please login or register to post a comment

    1. CommentedAndré Rebentisch

      Another option would be a general strengthening of EU competition law, as you know Sarkozy blocked an earlier EU treaty reform in this respect. Strengthening competition enforcement would add the stick to the carrots. "Too big too fail" implies "sizing it down" by regulatory intervention to make it suitable for the single market.

    2. CommentedOliver R

      Although it is of course right to aim for growth, many of the policy prescriptions being mooted, such as those you mentioned in your article are supply side reforms which would raise the long run growth rate but have little or not effect on growth today.
      Unfortunately, growth today is exactly what is needed. Economies right across Europe are being choked by the misguided drive for austerity, spearheaded by the German Chancellor Mrs Merkel. This is simply sending economies into a tail spin, with lower growth leading to lower tax receipts, higher spending on unemployment benefits, and lower investment. This makes it even harder to reduce the budget deficit.
      To go for growth in the short term, the pace of fiscal tightening must be lessened. Northern countries must be prepared to fund extra investment in the struggling south; infrastructure investment for example has a large multiplier effect and would have an immediate impact on growth.
      It is all very well talking about growth in the long term, but unless we get growth today there may be no long term, if European countries buckle under the strain of austerity and the Euro collapses.

    3. CommentedJohn Doe

      Mr. Gros has no idea what he is talking about, until he gets to the last when he mentions "services exports."

      There is a very simple reason that the West, Europe and the United States, are screwed. They are for the most part service economies and services cannot be exported. Not in a 1000 years will the Chinese let American trial lawyers into their Courts, yet who is better positioned to assure the rule of law will protect business and property rights.

      The world stupidly bought "international trade," never realizing that over time trade destroys. Why, because with trade comes irresistible pressure to move closer to the action (look at the pressure on firms to move everything to China).

      If Europe wants prosperity, the answer is simple. Close your ports and borders to imported goods and products, including even oil

    4. CommentedPaul A. Myers

      So we have a long-term refinancing operation (LTRO), essentially a monetary policy technique which has had some success.

      Therefore, why don't we have a E1 trillion "long-term fiscal operation" (LTFO) as a companion initiative. Since we don't need infrastructure (so the expert says), then we could spend 1 trillion euros on skill-building programs for young people and older people needing re-training. A better target would be to have an overall goal of spending on projects that would enhance future overall international competitive advantages. The idea is to create new economic money in the future, not this constantly reshuffling of bank paper.

      Let's call this Operation Fiscal Twist: spend short and reform long. In return for short term spending, national governments would pass (not "commit to") legislation reforming labor markets, entitlements, and taxes to generate budget resources to repay the spending. Pass the laws, collect the money.

      The people who are going to loan Europe money now want to see the enhanced economic prospects that will permit future repayment, not a balanced budget next year.

    5. CommentedZsolt Hermann

      We do not have historical precedence for our present situation.
      First of all we cannot talk about a "European problem" as today's economy and financial institutions, labour markets, consumer markets and manufacturing are all global, any change whether it is positive or negative is affecting us all.
      Besides the main problem is that we keep repeating the mantra of "we need growth, we need growth..." but it has become like a religious exercise without any meaningful suggestions how to actually achieve it.
      And with good reason: we have run out of steam, the constant growth, expansive machinery has exhausted itself, it was always going to happen since it was established on unnatural foundations, creating an artificial "hyper" production, consumption dream creating products we simply do not need and are mostly harmful.
      Humanity has to return to a natural, necessity and resource based lifestyle adjusted to the comfortable, healthy way of life of the 21st century.

    Featured