Thursday, September 18, 2014
0

أوروبا والفرصة الأخيرة

بروكسل ـ كان الأمر الوحيد الواضح الذي أسفرت عنه القمة الأخيرة بين الاتحاد الأوروبي والصين هو المدى الذي بلغته سمعة الاتحاد الأوروبي من الانحدار. فبعد أن كان الاتحاد الأوروبي يُعَد بمثابة التجربة السياسية الأكثر إثارة للإعجاب على مستوى العالم، وبعد ما كان يتمتع به من احترام واسع النطاق ودرجة من الزعامة فيما يتصل بالقضايا السياسية ذات التأثير العالمي مثل تغير المناخ ومكافحة الفقر في العالم الثالث، أصبحت مكانة الاتحاد بين القوى الناشئة في العالم متدنية إلى حد بالغ القسوة. وأصبح في هيئته الجديدة عبارة عن منطقة تتسم بالنمو المنخفض وتحرك حكوماته الأعضاء بعيداً عن التعاون لصالح تكتيكات الانتفاع على حساب الجيران والتي تتسم بقصر النظر الشديد والتي تعرض اليورو للخطر.

من الخطأ بطبيعة الحال أن نزعم أن أوروبا قد تحولت فجأة إلى كيان راكد منعزل. ولكن صحيح أن الأوروبيين لابد وأن يلقوا نظرة طويلة فاحصة على أنفسهم وعلى الوضع الذي قد ينتهون إليه بعد أربعين عاماً إذا استمرت الميول الحالية.

إن الأمر يتطلب اليوم تعريفاً واضحاً لمصالح أوروبا ـ ومسؤولياتها. وتحتاج أوروبا إلى تكوين حس واضح بالهدف في قرن حيث تتراكم العديد من التحديات والصعاب ضدها، هذا فضلاً عن بيان للمعايير الأخلاقية التي سوف تسترشد بها أوروبا في تحركاتها وتصرفاتها، وزعامتها كما نرجو.

إن الخطوة الأولى نحو سرد قادر على الحلول في محل الصيحات والشعارات السابقة مثل "لا للحرب"، و"سوق واحدة وعملة واحدة" تتلخص في تحديد مصالح أوروبا. ولأننا نعيش في عالم يتسم بالتغير السريع، فمن غير المجدي أن نتصور أن هدفنا يتلخص في خوض معركة دفاعية بقوات المؤخرة لحماية ما لدينا وما نمثله.

والواقع أن القسم الأعظم من المصالح الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي ـ وبكل تأكيد تلك مصالح البلدان الأعضاء ـ لا يمكن تأمينه داخل حدود الاتحاد. إن الأمن يشكل أولوية واضحة، وهذا يعني القدرة على نزع فتيل التوترات بالسبل الاقتصادية وليس العسكرية. وسوف يشكل العالم العربي وأفريقيا بصورة خاصة مشكلة بالنسبة لأوروبا، حيث يقابل التشدد الإسلامي موجة من التحضر الجامع، وحيث من الممكن أن ينمو تعداد سكان أفريقيا من 800 مليون اليوم إلى مليارين بحلول منتصف القرن.

وبنفس القدر من الأهمية سوف تكون مصالح أوروبا في صياغة الدليل الإرشادي العالمي. وتأتي قضايا مثل تغير المناخ وتحسين العمل المصرفي والتنظيم المالي على رأس أولويات الأجندة الحالية، ولكن سرعان ما سيتطلب الأمر اتفاق عالمي على الوصول إلى موارد تتراوح من المواد الهيدروكربونية إلى المعادن إلى الزراعة. واليوم حين تتنافس البلدان على الأسواق، وليس على الأرض، فإن حقوق الملكية الفكرية، فضلاً عن التجارة والاستثمار، لابد وأن تحكمها اتفاقيات عالمية.

والواقع أن موقف أوروبا المهيمن في العديد من الأسواق العالمية يعني أنها سوف تظل لفترة من الوقت محتفظة بالقدر اللازم من النفوذ لمحاولة تنظيم الأجندة العالمية على النحو الذي يناسبها. ولكن سجل حكومات الاتحاد الأوروبي حتى الآن كان مقتصراً على التفاعل مع التطورات الجارية خارج أوروبا، أولاً بالسعي إلى تكوين الإجماع فيما بينها، ثم بعد ذلك فقط يبدأ العمل بشكل جماعي.

ولكن هذا لا يكفي. بل يتعين على صناع القرار السياسي في أوروبا أن يقرروا مسبقاً ماذا يريدون، ثم يضغطون من أجل تحقيق غاياتهم على المستوى العالمي. وفي هذا السياق، فإن الارتباك الذي لا يزال يحيط بالتمثيل المجزأ والضعيف لأوروبا في المحافل الدولية مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولية، ومجموعة العشرين، ومجموعة الثماني، يشكل عقبة رئيسية.

وبالطبع، يتلخص التحدي القصير الأجل اليوم في الاقتصاد الأوروبي الشديد التباين على المستويات الوطنية. إن أزمة منطقة اليورو ليست مرحلة عابرة، بل إنها تشكل عَرَضاً لعلة خطيرة. ومن الواضح أن شبكة الأمان التي بلغت قيمتها 500 مليار يورو والتي تم الاتفاق عليها في استجابة لأزمة الديون اليونانية والتهديد باندلاع أزمات مماثلة في أسبانيا والبرتغال وأيرلندا لم تكن إلا وسيلة لشراء الوقت ـ ربما لثلاثة إلى خمسة أعوام. فهي لم تحل الخلل الجوهري في التوازن الاقتصادي بين بلدان منطقة اليورو.

والاتحاد المالي وحده القادر على الاضطلاع بهذه المهمة، والنظام الضريبي يُعَد في أوروبا بمثابة البقرة المقدسة التي ترفض الحكومات السيادية في الاتحاد الأوروبي مناقشتها. لذا فقد أصبحت بلدان منطقة اليورو عالقة في مكانها حيث لا يمكنها أن تعود إلى التخلص من العملة الموحدة، ومع ذلك فهي عاجزة عن المضي قدماً ما لم تحاكي ما يفعله اقتصاد ضخم ولكنه غير موزع بالتساوي كما هي الحال في الولايات المتحدة: تجميع العائدات الضريبية من أجل تسوية الأمور.

أما التحدي في الأمد الأبعد بالنسبة لأوروبا فيتلخص في المشكلة الديموغرافية. وقد تحمل لنا السنوات المقبلة بعض الحلول لخسارة الاتحاد الأوروبي لقدرته التنافسية، والإبداع الهزيل، التصنيع المتضائل، والتعليم غير الكافي، والعجز المتزايد في العمالة. ولكن ما لا حل له هو الشيخوخة السكانية في أوروبا. إن متوسط أعمال مواطني الاتحاد الأوروبي سوف يرتفع لا محالة من 38 سنة الآن إلى أكثر من 50 سنة بحلول منتصف القرن. وهذا يعني حصة أصغر كثيراً من العاملين بأجر سوف تضطر إلى دعم المزيد والمزيد من الأشخاص "غير النشطين". وحين يقترن هذا بالمنافسة التي ستواجهها أوروبا من قِبَل البلدان ذات الأجور المتدنية ولكنها تتسم بالتعليم الجيد، فإن التوقعات تبدو أكثر قتامة.

ورغم ذلك فإن المزايا التي يستطيع الاتحاد الأوروبي أن ينشرها هائلة، شريطة أن تتحرك حكومات البلدان الأعضاء في نفس الاتجاه. إن وضع أوروبا بوصفها أضخم كتلة تجارية على مستوى العالم، حيث تستحوذ على ما يقرب من 40% من التجارة الدولية، فضلاً عن الأهمية المتزايدة لليورو ـ على الرغم من الأزمة ـ باعتباره عملة احتياطية، يعني أن الاتحاد الأوروبي قادر، بما لا يقل عن قدرة الولايات المتحدة، على تحديد أجندة التفاوض على دليل القواعد العالمي الجديد.

والفارق هنا هو أن الولايات المتحدة تعمل بشكل حاسم، على النقيض من الاتحاد الأوروبي. لا شك أن أوروبا تحتل المكانة الأخلاقية العالية التي أخلتها الولايات المتحدة إلى أحد كبير، بسبب مغامراتها الخاطئة في العراق وأفغانستان. إن زعامة أوروبا فيما يتصل بقضية تغير المناخ ومساعدات التنمية من الممكن إذا أديرت بكفاءة أن تشكل الأساس لسلطة أخلاقية جديدة.

ولكن هناك أقل القليل من الدلائل التي تشير إلى أن الحكومات الأوروبية تسعى إلى انتهاز هذه الفرصة. والواقع أن الوقت حان كي يعمل زعماء أوروبا السياسيين على تحديد الدور الذي يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يلعبه، ولماذا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured