Saturday, October 25, 2014
0

أوروبا وركاب المجان

في الولايات المتحدة تتعرض الولايات التي تنتهج سياسات مالية غير سليمة للعقوبة. فتباع سنداتها بسعر منخفض مقارنة بسندات الولايات ذات الإدارة الأكثر رشداً. وتعمل أقساط الدين المرتفعة التي يتعين على تلك الولايات تسديدها ـ إلى حد ما ـ كشكل من أشكال الانضباط في مواجهة الإغراءات التي تتمثل في الإنفاق الآن ثم السداد في وقت لاحق.

مما لا شك فيه أن الانضباط الذي تفرضه السوق ليس مثالياً أو نموذجياً: ذلك أن سوق السندات لا "ترى" المسئوليات والمشاكل المترتبة ضمناً (مثل دفعات معاشات التقاعد) ولا تضعها في الحسبان بأي حال. لكن هذا الانضباط المالي المفروض، مقترناً بالتدابير الخاصة بالميزانية لكل ولاية على حدة، أدى إلى منع وقوع العديد من الأزمات المالية الضخمة على مستوى الولايات في أميركا منذ الأزمة الاقتصادية العظمى.

ولنتحول الآن إلى أوروبا. قبل تطبيق اليورو، كانت دول جنوب أوروبا تعاني من أزمات مالية عديدة على مستوى الدول منفردة، الأمر الذي أدى إلى موجات خطيرة من التضخم. ولكن بعد استخدام العملة الموحدة بات الطريق إلى حل الأزمات المالية عن طريق التضخم مسدوداً، بعد أن أصبح البنك المركزي الأوروبي يسهر على احترام السياسة النقدية.

ولكن حتى بعد أن أصبحت الدول غير قادرة على الاعتماد على التضخم كحل لموازناتها المالية المختلة، فإن العملة الموحدة تسمح لها باستخدام طاقة الديون الخاصة بالدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي لإطالة أمد إسرافها في الإنفاق وتأجيل المسئولية السياسية لفترات قادمة حتى تتحسن الأحوال. وبهدف استبعاد هذا الاحتمال، أسس الاتحاد الأوروبي معاهدة الاستقرار والنمو: والتي تقضي بألا يزيد العجز الحكومي في الموازنة عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي.

في الأسبوع الماضي خالفت ألمانيا ـ التي كانت ذات يوم أكثر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حكمة وانضباطاً ـ قواعد المعاهدة الخاصة بالانضباط المالي للعام الخامس عل التوالي، ولقد فعلت هذا دون أن تبالي كثيراً بالاعتذار. ولقد أشار وزير المالية بيير شتاينبروك إلى أنه كان يتوقع أن تفرض المفوضية الأوروبية بعض العقوبات على ألمانيا: حيث قال: "إن مصداقية المعاهدة سوف تكون عرضة للخطر إذا لم يتخذ أي إجراء. وهذا يعني أن ألمانيا لن تعوق فرض العقوبات هذه المرة كما فعلت منذ عامين ونصف العام.

لكن شتاينبورك أوضح أيضاً أنه يتوقع أن تكون أية عقوبات تفرض على ألمانيا كرد على عجزها المالي، والذي من المتوقع أن يصل إلى 3.4% من ناتجها المحلي الإجمالي، رمزية إلى حد كبير وليست عقوبات من ذلك النوع الذي قد يكلف الحكومة الألمانية أو الاقتصاد الألماني ثمناً باهظاً. والحقيقة أن معاهدة الاستقرار والنمو لا تعمل على النحو الذي كان من المقرر أن تعمل عليه، أو لم تصل إلى هذا الحد من الكفاءة بعد.

ولكن ماذا عن انضباط السوق؟ هل كان استعداد الحكومة الألمانية لإصدار المزيد من سندات الدين، وبالتالي تضخيم العجز، مقيداً لأن السوق تتسم بنوع من الإدراك وتعمل على معاقبة الدول التي تسمح لموقفها المالي بالتدهور والضعف؟

باختصار، نستطيع أن نقول "كلا". ذلك أن أسعار الفائدة على الدين السيادي الذي تـغْـلُـب عليه عملة اليورو، جميعها متشابهة للغاية في 12 حكومة هي حكومات منطقة اليورو. وهذا يعني أن السوق لا تبالي بما لدى الدول من إمكانيات مختلفة فيما يتصل بتوليد الصادرات لتدبير الموارد المالية اللازمة لتسديد الدين، ولا تلقي بالاً إلى الاختلاف بين الدين الحالي والمتوقع نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ويعتقد ويليم بيوتر من جامعة أمستردام وآن سيبيرت من جامعة لندن أن استعداد البنك المركزي الأوروبي لقبول كافة ديون منطقة اليورو كضمان، يشكل العامل الذي أدى إلى استعداد السوق للعمل كأداة لتوخي الحذر المالي. وما دام الجزء الهامشي من الدين الألماني يستخدم كضمان لدين قصير الأجل أو كجزء مركزي من اتفاقية إعادة شراء بغية الحصول على سيولة نقدية، فمن المرجح إلى حد بعيد أن يتقرر ذلك الدين وفقاً للشروط التي يقبله بها البنك المركزي الأوروبي باعتباره ضماناً. وإن أسلوب معالجة البنك المركزي الأوروبي لكافة هذه الديون، باعتبارها مصادر متساوية القوة لدعم السيولة النقدية، يتجاوز الآن أي تحليل للاختلافات فيما يتصل بالمجازفات السيادية على الأمد البعيد.

وهذا من شأنه على الأمد البعيد أن يشكل خطورة واضحة. ذلك أن كلاً من انضباط السوق والإدارة المالية الرشيدة من العوامل اللازمة لتوفير فرصة معقولة لاستقرار الأسعار على الأمد البعيد. وبالسعي إلى تجنب العقوبة التي يفرضها السوق الآن عن السلوك الذي قد يصل إلى حد التهور، أو القوى البنيوية التي تمنح صوتاً لأجيال المستقبل، فأنت بهذا تعرض نفسك لمجازفات خطيرة ـ ربما ليس اليوم وليس غداً، بل قد يحدث ذلك ذات يوم ثم يستمر لبقية حياتك.

وبمرور الوقت، فإن تطبيق العملة الموحدة والطريقة التي تم بها تنفيذ اليورو، من الأسباب التي تؤدي إلى توليد المزيد والمزيد من عدم الارتياح. والحقيقة أن السياسة ككل في منطقة اليورو تميل إلى الانكماش إلى حد كبير. والتح��لات الضرورية لم تتم حتى الآن لجعل العملة المشتركة محتملة بالنسبة للمناطق الخاسرة والتي تعاني بالفعل من الركود حين يقرر البنك المركزي الأوروبي تطبيق سياسات أكثر إحكاماً. كما أن الأسس البنيوية للسياسة المالية المستقرة على الأمد البعيد أصبحت الآن في اضمحلال مستمر. والآن يؤكد بيوتر وسيبريت على نحو مقنع أن البنك المركزي الأوروبي يمنح السوق مجالاً أقل مما ينبغي لمكافأة الأنظمة المزدهرة ومعاقبة الأنظمة المستهترة.

حتى الآن لم تتحرك الأمور، ولن تكون هناك أية تحركات لبعض الوقت. لكن الأرضية التي تقف عليها عملة اليورو قد تبدأ في التحول والاهتزاز إذا لم تتغير الأمور.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured