Wednesday, October 22, 2014
7

أوروبا وانقسام الحالمين

بيركلي ــ يبدو أن زعماء أوروبا، خلافاً للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، لم يواجهوا مشكلة قَط فيما يتصل "بمسألة الرؤية". فقد كانوا يدركون دوماً ماذا يريدون لقارتهم. ولكن امتلاك الرؤية ليس كمثل تنفيذها. وفيما يتصل بوضع الأفكار موضع التطبيق العملي فإن أداء زعماء الاتحاد الأوروبي كان قاصراً بشكل متكرر.

ويتجلى هذا التوتر القائم بين أهداف الأوروبيين وقدرتهم على تحقيقها مرة أخرى في أعقاب قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة. إن زعماء أوروبا الآن يتفقون على رؤية للهيئة التي ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يكون عليها: اتحاد اقتصادي ونقدي يكمله اتحاد مصرفي، واتحاد مالي، واتحاد سياسي. وتبدأ المشاكل بمجرد انتقال المناقشة إلى كيفية ــ وبوجه خاص توقيت ــ تأسيس الأشكال الثلاثة الأخيرة للوحدة.

فقد اتفق زعماء أوروبا على أن الاتحاد المصرفي يعني إنشاء سلطة إشرافية منفردة. وهو يعني وضع خطة مشتركة للتأمين على الودائع وآليات لإغلاق المؤسسات المالية المفلسة. كما يعني منح مرافق الإنقاذ في الاتحاد الأوروبي القدرة على ضخ الأموال مباشرة إلى البنوك غير الممولة بالقدر الكافي.

وعلى نحو مماثل، فإن الاتحاد المالي يعني منح المفوضية الأوروبية (أو كبديل الخزانة الأوروبية) سلطة الاعتراض على الموازنات الوطنية. ويعني أن جزءاً ما من ديون الأعضاء سوف يصبح مشتركا: حيث تتحول ديون الحكومات الأفراد إلى سندات اليورو، وبالتالي تصبح التزاماً مشتركاً لكل الأعضاء. ثم تقرر المفوضية (أو الخزانة) بعد ذلك كم عدد سندات اليورو الإضافية التي يتعين عليها أن تصدرها ونيابة عن من.

وأخيرا، يعني الاتحاد السياسي نقل صلاحيات الهيئات التشريعية الوطنية إلى البرلمان الأوروبي، والذي يقرر آنذاك كيف تتم هيكلة الاتحادات المالية والمصرفية والنقدية في أوروبا. أما الهيئات المسؤولة عن إدارة أعمال الاتحاد الأوروبي اليومية، بما في ذلك مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، فإنها تصبح مسؤولة أمام البرلمان، الذي يصبح بوسعه إقالتها أو حلها إذا فشلت في تنفيذ تكليفاتها.

إن الرؤى وافرة. والمشكلة الحقيقية تكمن في وجود توجهين متعارضين تماماً فيما يتصل بتنفيذ هذه الرؤى. فهناك استراتيجية تفترض أن أوروبا تحتاج بشدة إلى سياسات هذا الاتحاد الأكثر عمقاً الآن. فلا يمكنها أن تنتظر حتى تضخ رأس المال إلى البنوك، بل يتعين عليها أن تتخذ خطوات فورية نحو تبادلية الديون. وهي تحتاج إما أن يقوم البنك المركزي الأوروبي أو آلية استقرار أوروبية موسعة بشراء ديون الحكومات المتعثرة اليوم.

وبموجب هذا الرأي فإن أوروبا سوف يصبح بوسعها بمرور الوقت بناء المؤسسات المطلوبة لتكميل هذه السياسات. وبوسعها أن تؤسس هيئة إشرافية مصرفية موحدة، وأن تعمل على تعزيز صلاحيات المفوضية الأوروبية، أو إنشاء خزانة أوروبية. وبوسعها على نحو مماثل أن تعمل على تعزيز قوة البرلمان الأوروبي. ولكن بناء المؤسسات يستغرق وقتاً طويلا، وهو ما ينقصنا إلى حد خطير، نظراً لخطر تكالب المودعين على البنوك لاسترداد ودائعهم، وأزمات الديون السيادية، وانهيار العملة الموحدة. ولهذا السبب فإن السياسات الجديدة لابد أن تأتي أولا.

ويفترض الرأي الآخر أن المضي قدماً في تنفيذ السياسات الجديدة قبل وضع المؤسسات الجديدة في المكان يُعَد سلوكاً متهورا. فالمشاركة في الديون قبل أن تتمتع المؤسسات الأوروبية بحق نقض السياسات المالية لن يشجع إلا على المزيد من السلوكيات المتهورة من جانب الحكومات الوطنية. والشروع في ضخ رؤوس الأموال قبل إنشاء الهيئة الإشرافية الموحدة من شأنه أن يشجع على المزيد من خوض المجازفات. والسماح للبنك المركزي الأوروبي بالإشراف على البنوك قبل اكتساب البرلمان الأوروبي لسلطة مساءلته لن يسفر إلا عن تعميق العجز الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي واستفزاز ردود أفعال عكسية.

لقد مر الأوروبيون بهذه التجربة من قبل ــ في تسعينيات القرن العشرين عندما اتُخِذ القرار بإنشاء اليورو. في ذلك الوقت، كان الفكر ينقسم إلى مدرستين. فقد زعم أحد المعسكرين أنه من التهور أن يتم تأسيس اتحاد نقدي قبل أن يحدث التقارب بين السياسات الاقتصادية وتستكمل الإصلاحات المؤسسية.

وفي المقابل، شعرت المدرسة الأخرى بالقلق والانزعاج إزاء جمود النظام النقدي القائم آنذاك وهشاشته وتعرضه للأزمات. أي أن أوروبا لم يكن بوسعها أن تنتظر اكتمال عملية بناء المؤسسات. ومن الأفضل على هذا أن يتم إنشاء اليورو آجلاً وليس عاجلا، على أن يتبع ذلك تطبيق الإصلاحات وإنشاء المؤسسات اللازمة. وبوسعي أن أقول، وفي ظل قدر ضئيل من خطر الإفراط في التعميم، إن المعسكر الأول كان يتألف بشكل أساسي من أهل شمال أوروبا، في حين كان أهل الجنوب يهيمنون على المعسكر الثاني.

ثم جاءت أزمة أسعار الصرف في عام 1992 لكي تقلب التوازن رأساً على عقب. وبمجرد انفجار نظام أسعار الصرف في أوروبا، باتت الغَلَبة لحجة أهل الجنوب بأن أوروبا لا يتملك ترف تأجيل إنشاء اليورو.

ولم تكن العواقب سارة. فقد كان الاتحاد النقدي في غياب اتحاد مصرفي أو مالي أو سياسي كارثة محققة.

ولكن عدم الاستمرار آنذاك كان ليؤدي أيضاً إلى كارثة. لقد أثبتت أزمة 1992 أن النظام القائم آنذاك لم يكن مستقرا. وكان عدم التحرك باتجاه اليورو ليؤدي إلى انزلاق أوروبا إلى أزمات أشد وطأة. وهذا هو ما دفع زعماء أوروبا إلى اتخاذ الخطوات الطموحة التي اتخذوها.

وعلى نحو مماثل، فإن عدم البدء الآن في إعادة تمويل البنوك وشراء سندات الحكومات من شأنه أن يؤدي إلى كارثة. وبالتالي فإن أوروبا تجد نفسها في مأزق مألوف. والسبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق يتلخص في التعجيل بعملية بناء  المؤسسات. ولن يكون هذا بالمهمة السهلة، ولكن الكارثة لا تنتظر.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (7)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedZsolt Hermann

    It seems that as we slowly understand the nature and the fundamental reasons behind the Eurocrisis, and in truth behind the whole global crisis, more and more people agree that the solution is towards further, deeper integration.
    I think instead of the question when, how quickly such an integration should take place the real question is how can we motivate the public to agree to such a fundamental, revolutionary change, especially today when they trust their leaders less and less.
    We have enough experience from human history that revolutions, structural changes which were introduced forcefully, or by tricking the public into it did not last, and usually resulted in terrible wars, or oppressive regimes.
    Even if the change makes sense to a small number of people, even if those people have the best intention and have all the objective data supporting their view they will not be successful unless they can transmit, project their vision to those who have to actually perform the changes, take on the burdens, the general public.
    We could see very clearly through the Greek or other European examples that while the politicians, financial elite agreed on new policies, stimulus or austerity packages, the actual public did not go along with it, rejected it, and we will continue to see this scenario through government changes, riots or other events as long as we do not change our attitude and approach.
    Thus the only option politicians, the present leaders have to facilitate the needed changes is a global, integral education program, explaining to each and every culture, social layer, gender and age why we ended up in the dead end of the global crisis, and why only a full and equal integration, a mutually considerate and responsible human system can offer us a safer and sustainable future.
    We all need to learn and immediately pass on the fundamental characteristics and laws of the global, integral, interdependent natural system we exist in.

  2. CommentedGary Marshall

    Hello Mr. Eichengreen,

    Below is a proof of an idea that will force a European banking, fiscal, and political union.

    If anyone can find the flaw, I shall be more than happy to give him or her $50,000. I am just tired of doing this. Its not the end of the world, but a new beginning.

    ####

    The costs of borrowing for a nation to fund public expenditures, if it borrows solely from its resident citizens and in the nation's currency, is nil.

    Why? Because if, in adding a financial debt to a community, one adds an equivalent financial asset, the aggregate finances of the community will not in any way be altered. This is simple reasoning confirmed by
    simple arithmetic.

    The community is the source of the government's funds. The government taxes the community to pay for public services provided by the government.

    Cost of public services is $10 million.

    Scenario 1: The government taxes $10 million.

    Community finances: minus $10 million from community bank accounts for government expenditures.
    No community government debt, no community government IOU.

    Scenario 2: The government borrows $10 million from solely community lenders at a certain interest rate.

    Community finances: minus $10 million from community bank accounts for government expenditures.
    Community government debt: $10 million;
    Community government bond: $10 million.

    At x years in the future: the asset held by the community (lenders) will be $10 million + y interest. The deferred liability claimed against the community (taxpayers) will be $10 million + y interest.

    The value of all community government debts when combined with all community government IOUs or bonds is zero for the community.

    Theoretically, at some point in the future, the government would collect taxes from the community, i.e. the taxpayers, and simply hand them back to the community, i.e. its lenders, erasing the acquired community government debts and assets.

    In conclusion, if a community borrows from its own citizens to fund worthy public expenditures rather than taxes those citizens, it will not alter the aggregate finances nor the wealth of the community. Adding a financial debt and an equivalent financial asset to a community will cause the elimination of both when summed.

    Whatever financial benefit Taxation possesses is nullified by the fact that borrowing instead of Taxation places no greater financial burden on the community.

    However, the costs of Taxation are immense. By ridding the nation of Taxation and instituting borrowing to fund public expenditures, the nation will shed all those costs of Taxation for the negligible fee of borrowing in the financial markets and the administration of public
    debt.

    Regards,
    Gary Marshall

  3. CommentedEric West

    How so? The 1992 crisis proved that trying to force monetary union was a supremely stupid idea and reinforced the notion that free-floating sovereign currencies was the only just way to proceed when dealing with such disparate economies. This statement simply does not hold up - if modest currency alignment was dangerous, the single currency was insane. It still is... and the faster we dismantle it and return to sovereign currencies, the better.

  4. Commentedtony maher

    Your banking, fiscal and political union visions are just that - visions.

    The leadership have exhausted the patience of their respective electorates who do not share this vision at all.

    It is the democratic deficit which is pulling down these euro castles in the air.

      CommentedAntoni Jaume

      «The leadership have exhausted the patience of their respective electorates who do not share this vision at all.»

      You are not entitled to speak for all of the Europeans.

      «It is the democratic deficit which is pulling down these euro castles in the air. »

      The democratic deficit is not something that any brit has any right to speak about. They're the main culprit of it. The British government is always standing against the European parliament. They're the ones that want to do all in the dark, giving precedence to governments over parliament.

Featured