Wednesday, October 22, 2014
9

أوروبا والاتحاد المصرفي المعيب

باريس ــ إن الاتحاد الأوروبي فخور الآن بحصوله على جائزة نوبل للسلام. وعندما وقع الاختيار على باراك أوباما لنيل نفس الجائزة قبل ثلاثة أعوام، انتُقِدَت لجنة نوبل النرويجية لتكريم شخص لم تتحقق إنجازاته بعد. ويبدو أن اللجنة تعاملت مع الانتقادات بحساسية، فكرمت هذه المرة مؤسسة ذات ماض باعث على الفخر، رغم أن مستقبلها مغطى بسحب داكنة.

لا شك أن منطقة اليورو تختلف عن الاتحاد الأوروبي، ولكنها تُعَد المشروع الأكثر طموحاً للاتحاد الأوروبي، ولا تزال منطقة اليورو تناضل لتجهيز نفسها بالهياكل اللازمة لدعم اتحاد العملة. وتظل السياسة المالية المشتركة حلماً بعيد المنال، تماماً كحال الاتحاد السياسي الحقيقي.

ولكن صناع السياسة في أوروبا يزعمون أنهم يحرزون تقدماً نحو تأسيس "الاتحاد المصرفي"، الذي يعني الإشراف المصرفي الجماعي، وليس اندماج البنوك ذاتها. ففي سبتمبر/أيلول أعلنت المفوضية الأوروبية عن خطة لجعل البنك المركزي الأوروبي الهيئة المشرفة على كل بنوك أوروبا الستة آلاف.

ولم تكن ردود الفعل بين الساسة الوطنيين، والبنوك المركزية، والبنوك ذاتها، مواتية على المستوى العالمي. فالألمان يريدون من البنك المركزي الأوروبي أن يركز على البنوك النظامية الكبيرة فقط، وأن يترك بنوك الادخار الصغيرة (كتلك التي استثمرت بكثافة في الرهن العقاري الثانوي) للسلطات الوطنية. وتزعم كل من المملكة المتحدة والسويد أنها من غير الممكن أن تقبل التبعية لبنك مركزي عضويتها فيه شبه منفصلة.

والواقع أن الحجة الداعمة لإنشاء هيئة إشرافية على عموم أوروبا مقبولة على نطاق واسع، وخاصة بعد أن أثبتت الهيئة المصرفية الأوروبية (الجهة المسؤولة عن تنظيم العمل المصرفي في الاتحاد الأوروبي) عجزها عن تنفيذ اختبارات الإجهاد المالي: كانت الاختبارات الأولى ضعيفة إلى الحد الذي جعل البنوك الادخارية الأسبانية، المفلسة الآن، قادرة على اجتيازها بكل سهولة. ويتعين على أوروبا الآن أن تكسر الحلقة المفرغة التي تربط بين المقترضين السياديين المتعثرين والبنوك الملزمة بشراء سنداتها، والتي توفر بدورها التمويل اللازم لعمليات إنقاذ البنوك.

ولكن الأسلوب الذي اختارته المفوضية لتنفيذ الاتحاد المصرفي لا يخلو من عيوب قاتلة. فضلاً عن ذلك، ووفقاً لرأي تم تسريبه على لسان كبير المستشارين القانونيين لمجلس الاتحاد الأوروبي، فإن الإصلاح المقترح غير قانوني، لأنه، وفقاً لصحيفة فاينانشال تايمز (التي بلغها التسريب)، "يتجاوز السلطات المسموح بها بموجب القانون في تغيير القواعد الإدارية المعمول بها في البنك المركزي الأوروبي".

منذ بداية الأزمة، حاول زعماء أوروبا الاستجابة للثغرات في الاتحاد النقدي مع تجنب اقتراح معاهدة جديدة، لأنهم يخشون أن تُرفَض أي معاهدة جديدة تقترح إعطاء بروكسل المزيد من السلطة المركزية، سواء من قِبَل البرلمانات الوطنية أو الناخبين عن طريق استفتاء. لذا فقد حاولوا المضي قدماً إما من خلال اتفاق بين الحكومات، أو باستخدام بنود المعاهدة القائمة.

وفي حالة الاتحاد المصرفي، فإنهم يخططون لاستخدام المادة 127 (6) من معاهدة لشبونة التي تسمح للمجلس الأوروبي بمنح البنك المركزي الأوروبي السلطة لأداء مهام محددة "تتعلق بالسياسات المرتبطة بالإشراف المتزن" على مؤسسات مالية معينة في الاتحاد. وهو أساس قانوني هزيل لتأسيس هيئة إشرافية شاملة لعموم أوروبا تتحمل مسؤولية مباشرة عن المؤسسات الفردية، ومن الواضح أن هذا لم يكن الغرض المقصود منها. والواقع أن ألمانيا لم توافق على الصياغة إلا بناءً على فهم مفاده أن البنك المركزي الأوروبي من غير الممكن أن يعمل كجهة إشرافية مباشرة.

إن العواقب المترتبة على اختيار هذا المسلك غير الملائم، ولو كان محققاً لبعض المنفعة، سوف تكون وخيمة. فبادئ ذي بدء، لا يجوز استخدام المعاهدة القائمة لخلق سلطة قرار أوروبي موحدة، وخلق واجهة بينية محرجة بين البنك المركزي الأوروبي والسلطات الوطنية. ولا يمكن استخدامها لتأسيس خطة لحماية الودائع الأوروبية، وهو المتطلب الأكثر إلحاحاً وفقاً لبعض الآراء، من أجل منع تدفق الودائع إلى الخارج من بنوك جنوب أوروبا.

وسوف يشتمل الأمر على عواقب خطيرة محتملة بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي ذاته. فاستخدام فقرة معاهدة لشبونة يعني ضرورة إعطاء البنك المركزي الأوروبي هذه المسؤوليات الإضافية. ولكن من المستحيل أن يتم إنشاء كيان إشرافي مصرفي منفصل داخل البنك المركزي الأوروبي، كما حدث في فرنسا على سبيل المثال مع هيئة الرقابة الحصيفة، أو في المملكة المتحدة مع الهيئة التنظيمية الحصيفة  الجديدة، التي تتمتع بمجلس إدارة خاص وترتيبات خاصة بالمساءلة داخل بنك إنجلترا.

وتتلخص أهمية هذه الهياكل في أنها تعمل على عزل استقلال سياسة البنك المركزي النقدية عن الفساد بالاستعانة بمتطلبات أكثر تشدداً فيما يتصل بالمساءلة والتي تأتي حتماً مع الرقابة المصرفية. ولأن القرارات التي تتخذها الجهات الإشرافية تؤثر على حقوق الملكية للأفراد ــ ولأن أفعالها أو امتناعها عن الفعل من الممكن أن يضطر دافعي الضرائب إلى إنقاذ البنوك ــ فإن الحكومات والبرلمانات والمحاكم ملزمة بتقييد الجهات الإشرافية بقوة.

وهذا هو السبب الذي جعل البنك المركزي الألماني، الذي كان حريصاً دوماً على حراسة استقلال سياسته النقدية، مضطراً مرة أخرى إلى دخول معسكر الرفض، والإعراب عن شكوكه العميقة بشأن المسار الذي تخطط المفوضية لاتخاذه. وهو محق هذه المرة.

وهناك أيضاً قضايا أخرى ملحة. فوفقاً لنموذج المفوضية الأوروبية، فإن الهيئة المصرفية الأوروبية سوف تظل قائمة، ومكلفة بإنتاج كتاب قواعد موحد لدول الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين. ولكن رغم أن عملها يتم وفقاً لنظام تصويت الأغلبية المؤهلة، فإن دول منطقة اليورو السبع عشرة سوف تكون لها جهة إشرافية موحدة، وسوف يكون تصويتها ككتلة واحدة. وتحاول المفوضية إيجاد السبل لحماية حقوق الدول غير الملتحقة بعضوية منطقة اليورو. ولكن نفس التعقيد الذي تتسم به المقترحات المطروحة يبين مدى عدم كفاية هذا المشروع.

قد يجد غير الأوروبيين بشكل خاص الموضوع برمته مستعصياً على الفهم. ولكنه يوضح نقطة بسيطة: فأوروبا تحاول إنشاء نموذج فيدرالي أقوى وأكثر قدرة على التعامل مع  الضعف الذي كشفت عنه أزمة منطقة اليورو. ولكنها تفعل هذا من دون معالجة الحاجة الملحة إلى إقناع مواطنيها. بيد أن الأجهزة التي يتبناها الاتحاد الأوروبي مصممة خصيصاً لتجنب الاضطرار إلى استشارتهم.

إن الاقتراح الخاص بإنشاء اتحاد مصرفي يكشف عن هذا الخلل الجوهري في قلب المشروع الأوروبي اليوم. ومن الصعوبة بمكان أن يكون المرء متفائلاً بنجاح مبادرة مبنية على مثل هذا الأساس القانوني الواهي، وتفتقر إلى الشرعية الديمقراطية. ومن المؤكد أن بنوك أوروبا وعملاءها يستحقون ما هو أفضل من هذا.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (9)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedJoshua Ioji Konov

    Mr. Davies, your article is pretty good in showing the messy picture of the EU being as perplexing as it possibly could be. Adding to it, is the stubborn ideological attitude of a trickle-down economic approach engraved in the EU policies that puts debt and fiscal shortages above growth and prosperity..., bureaucracy above free entrepreneurship, big business above medium and small business.., I guess, how bad the economy in the EU should go down to trigger some adequate response.., it happened in China, the US and now Japan..., not unity would save the EU but diversity in business and market activities..., the large transnational corporations that have taken over from finances to manufacturing and retail are not the solution for a better future and economic development, but the small to medium businesses and investors are, which, however, are not promoted and empowered by the EU policies,
    Sincerely,
    Joshua Ioji Konov

  2. CommentedJohn Brian Shannon

    Hi Howard,

    I do appreciate how clearly you have laid out the present European situation although I respectfully disagree with some of your conclusions.

    Europe may indeed be responding "to the weaknesses revealed by the eurozone crisis" but it is inevitable that these measures would have been implemented at some point. The present situation has merely accelerated the timeline.

    In a Western context, the drive by purist democratic politicians to exuviate visionaries and populists from the political scene has resulted in a situation whereby people with visionary ideas and populist support are missing from this equation. And so are their great accomplishments.

    After all, Hitler was a populist. I get that, no one wants that again.

    Mind you, Winston Churchill was a populist leader and without him, Great Britain would have ceased to exist.

    The reason that some logical and much-needed initiatives are floundering due to lack of voter support, is because there are no great visionary and or populist politicians out there selling those initiatives to the masses -- the present (excellent) crop of leaders too devoted to the perfection of democracy to involve themselves in such vociferous and unseemly behavior.

    The skill-set of each is radically different.

    As raucous as a salesman's voice may sound, they are required in order for transactions to be successfully concluded. Leaving visionaries and populist politicians out of European politics has brought us to where we are now.

    Great administrators are not visionaries and conversely, great visionaries are deeply-flawed administrators -- often the worst on the planet. Nevertheless, for best results -- add both to the mix. Democracy is a messy business, isn't it?

    "It has been said that democracy is the worst form of government except all the others that have been tried." - Sir Winston Churchill

    Cheers, JBS



  3. CommentedMarten Klein

    The Commission proposes, not the member states. So the ball is in the Court of Mr.Barnier who four years later presents his regulatory package. More to come, for sure. Not only Art 127 but also all other canons get fired. I wish he were an ordoliberal.

  4. CommentedJ St. Clair

    ' to stem the outflow of deposits from southern European banks.".....how many banks does this equate to....out of the 6,000

  5. Commentedde Lafayette

    From Charlemagne of the Economist 22/09/2012 edition: {The euro zone is heading towards the worst of both worlds—nation-states feel violated by Brussels’s ever-expanding controls, even as the European level remains too weak and opaque to have an impact or win popular allegiance. A better approach might be to set aside labels and think of a narrow set of core functions that need to be deeply integrated. A coherent banking union makes sense, as do some joint bonds. Germany rejects mutualisation of debt on the grounds that not even America expects states to guarantee each other’s debt. Yet America has federal bonds, backed by federal taxes, which in turn provide a safe asset for all banks to hold. American states go bankrupt, as do lots of banks. Call it what you want; integration, centralisation, federation, confederation—the objective should be to stabilise the system sufficiently to allow badly managed banks and states to go bust safely.}

    It is not obvious that the EZ is "heading towards the worst of both worlds". The Economist is indulging in "scare journalism" as it has often a wont to do.

    But the rest of the statement rings true. The foundation of a Lender of Last Resort to deal with circumstances where member states spend beyond their means of either repayment or even debt-maintenance must be found. That means both equal portions of regulatory oversight and the ability to make monetary policy - both of which need not be housed in the same place, but must exist tangibly somewhere.

    The former needs real teeth to prevent the present circumstance from repeating itself. The latter requires real Central Bank leadership who answers to a Central Authority duly elected by the EZ-member state electors, who in turn must relegate to that authority the control of monetary policy.

    Maybe the Two-speed Europe is, after all, the best alternative. Those not in Euro-Zone should perhaps content themselves as on-lookers to main game.

    One for all and all for one.

  6. Commentedde Lafayette

    Given the nearly calamitous use of "national referendums" in the past by the EU, it is easily understandable why its politicians want to avoid them in this particular case.

    And yet, given the crisis, something must be done to enforce oversight upon, at lease, EuroZone banks. So, rickety as it may appear, this present solution may be the only one that is feasible at the moment.

    When it could have done so, before the present crisis, Europe did not go far enough in developing a much needed central government. The European Commission is an unelected body, after all. Given the present economic turmoil in Europe, it is presently out of the question to ask Europeans to elect, for instance, an EU President who would establish a Cabinet to replace the Commission.

    This mistake was made out of shortsightedness of the EU leadership at the time but also, it may be argued, the inability of that leadership to surrender is sovereign authority to a European president. After all, that would relegate national leadership to a “governorship” status as exists in the US. Which is tantamount to a degrading of prestige.

    It will likely take, therefore, a different political class to take the leap forward towards creating an EU common leadership that would constitute the third leg in a tripartite governance of the EU consisting of an Executive, a Legislative and a Judicial institution (the latter two already extant).

    That class, however, will be many years in the making. It does not exist today.

  7. CommentedZsolt Hermann

    I think the last part of the article tells all:
    "...Non-Europeans, in particular, may find the entire topic impenetrably abstruse. But it illustrates a simple point: Europe is trying to achieve a stronger federal model that responds to the weaknesses revealed by the eurozone crisis. But it is doing so without addressing the crucial need to bring its citizens along. Indeed, the devices that the EU is adopting are designed specifically to avoid having to consult them.
    The proposed construction of a banking union reveals this fundamental flaw at the heart of the European project today. It is difficult to be optimistic about the success of an initiative built on such flimsy legal foundations, and lacking democratic legitimacy. Europe’s banks and their customers deserve better..."
    It is similar to renovating a house which started to be dangerous to live in, as it started to collapse.
    The wise renovation would start with the foundations, then the walls, the inside of the house and finish with the paining, decorating.
    The European Union in the Eurozone, and in fact the whole global economy tries to renovate, or maintain the other way around, they thing the process can start with painting, decorating and the rest can wait or it is not important.
    First of all the role of the financial institutions is way overrated, they have become the inflated bubble controlling everything, being the measuring stick for global health, while banks should simply remain in an assisting role for a natural trade relationship in between individuals and nations.
    But of course the expansive, constant quantitative growth economy requires the constant debt taking, going beyond one's means, thus the banks became the false pillars of our lives.
    At the same time the whole of humanity evolved into a global, interconnected network, where every decision and action affects even the furthest part of the network, thus we need to learn a completely new way of interaction in order to secure the well being of the whole interdependent system we live on.
    Thus in short instead of a superfluous, and futile banking union nations, not only in Europe but all over the globe would need to start building a new structure based on mutual responsibility, consideration and full integration with supra national democratic control, while the engine of this new structure has to be a natural necessity and available resource based economy and trade.
    Since we have already almost completely exhausted the natural and human resources, thus we do not have ore time to play games, or pretend we are doing something. We have to get down to the basics and start building, adapting ourselves to the new evolutionary conditions we find ourselves in.

Featured