Tuesday, September 30, 2014
3

الواحة الأوروبية

باريس ــ تُرى هل نستطيع أن نقول إن غير الأوروبيين أقل تشاؤماً بشأن أوروبا من الأوروبيين أنفسهم؟ وهل تكون المسافة شرطاً أساسياً لتكوين نظرة أكثر توازناً للمأزق الذي تعيشه القارة؟

في مقابلة أجريت معه قبل بضعة أشهر، أعرب وانج هونج تشانج رئيس بنك الصين للتعمير بشكل مباشر عن تحمسه المحبط لأوروبا. وباقتباس المثل الصيني "إن الجمل الجائع يظل أضخم من الحصان"، أضاف قائلاً إن اقتصادات أوروبا أقوى كثيراً مما يتصور كثيرون. ومن دون أن يعرب عن ذلك صراحة، أشار إلى أن الوقت بات مناسباً للذهاب في فورة شراء أوروبية بالسعر المناسب.

بطبيعة الحال، لن يشاركه الجميع هذه الرؤية المتفائلة. فعبر بحر المانش، يعرب المتشككون في أوروبا من البريطانيين عن ابتهاجهم بأنهم ظلوا على مسافة آمنة من "السفينة الغارقة". ولكن في حين وصفت مجلة الإيكونوميست مؤخراً فرنسا بأنها "في حالة إنكار"، فمن الممكن أن يُقال نفس الشيء عن المملكة المتحدة. صحيح أن الفرنسيين لم يستضيفوا الألعاب الأوليمبية ولمن يشهدوا احتفالاً ملكياً هذا العام؛ ولكن عندما يتعلق الأمر بحال الاقتصاد، فبوسعنا أن نعتبر البلدين في نفس القارب إلى حد كبير.

إذا سافر المرء إلى أميركا أو آسيا، كما فعلت هذا الخريف، فسوف يتبين له أن صورة أوروبا أصبحت أكثر إشراقاً ولكن بشكل انتقائي: ففي حين يستمر النظر إليها باعتبارها نموذجاً إيجابيا، فإنها لم تعد تعتبر لاعباً عالميا. وعندما ننظر إلى أوروبا من الولايات المتحدة، فلعلها لم تعد تمثل مشكلة، ولكنها لا تعتبر جزءاً من أي حل للمشاكل التي يواجهها العالم أيضا ــ ربما باستثناء المشاكل التي تهم أوروبا بشكل مباشر (بل وحتى في هذا الجانب تظل الشكوك قائمة).

ورغم هذا فإن العديد من المستثمرين الأوروبيين يرون أن أوروبا لا تزال، أو أصبحت مرة أخرى، تُعَد مجازفة تستحق المحاولة، إن لم تكن ــ كما يرى وانج ــ تشكل فرصة ذهبية. وفي وقت يتسم بالتعقيد المتزايد ــ وبالتالي عدم اليقين ــ فإن المستثمرين يتحرون الحيطة في وضع رهاناتهم. وعلى الأقل تبدو بعض بلدان مجموعة "بريكس" (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) وكأن وقدودها الاقتصادي بدأ ينفد؛ وفي حين تُعَد قوى ناشئة جديدة مثل المكسيك مغرية وواعدة، فقد يتبين لنا في نهاية المطاف أنها أكثر هشاشة مما تبدو.

وفي هذا السياق، فلعل أوروبا أصبحت قارة مجهدة، تعاني من الشيخوخة السكانية والإحباط، ولكن كما تشهد صناعات مثل الطيران والسلع الترفية في أوروبا، فمن السابق للأوان أن نفكر في دفنها. صحيح أن الانحدار النسبي واضح: فأوروبا كانت تمثل 20% من سكان العالم في أوائل القرن الثامن عشر، ولكن النسبة انخفضت إلى 7% فقط اليوم، في حين من المتوقع أن تكون أقل بحلول عام 2050. ولكن الديموغرافيا ليست قدراً محتما: فلم تمنع قِلة عدد سكان سنغافورة من الحفاظ على اقتصاد يتمتع بقدرة هائلة على المنافسة.

قد لا تكون أوروبا مصدراً للإلهام الاقتصادي، ولكنها لا تزال قادرة على جعل الناس يحلمون. فالعديد من الناس ينظرون إليها باعتبارها نموذجاً "للمدنية والكياسة". وأياً كانت الخلافات بينهما، فإن الصينيين واليابانيين يتفقون على نقطة واحدة: إذا كانت آسيا اليوم، بكل توتراتها القومية الصاعدة، تشبه أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين، فإن هذا يرجع على وجه التحديد إلى حقيقة مفادها أن آسيا لم تشرع في عملية مصالحة كتلك التي مكنت فرنسا وألمانيا من تجاوز خصوماتهما التي دامت قروناً من الزمان.

وعلى نحو مماثل، ربما يؤكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن على خصوصية "الحضارة الروسية" على نحو يذكرنا بالمفكرين المعادين للغرب في القرن التاسع عشر؛ ولكن العديد من أهل النخبة في روسيا لا زالوا يعتبرون الاتحاد الأوروبي على الرغم من نقاط ضعفه الكثيرة النموذج الأكثر تحضراً على الإطلاق. وعندما يسعى الصينيون إلى وضع نموذج قياسي للحماية الاجتماعية فإنهم يسافرون في رحلات دراسية إلى الدول الاسكندنافية.

ولكن هل بوسع أوروبا أن تظل نموذجاً رغم أنها لم تعد تشكل طرفاً جيوسياسياً جادا؟ عندما يقول مسؤولون أميركيون للأوروبيين "نحن نحتاج إليكم"، فإنهم يعنون الحد الأدنى من الاحتياج: "أرجوكم لا تنهاروا فتسقطوا معكم الاقتصاد العالمي". لقد أصبح الأوروبيون كاليابانيين في الغرب ــ مساهمين ماليين يلعبون في أفضل تقدير دوراً مسانداً في الشئون الاستراتيجية العالمية.

على سبيل المثال، إذا كان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لا يزال قابلاً للحل، فإن الحل لن يأتي إلا بمشاركة أميركية قوية. والواقع أن باراك أوباما، الذي يريد أن يكون رئيساً قادراً على تغيير التاريخ مثل قدوته أبراهام لينكولن، قد يكون إسهامه أسوأ من أن يستحق جائزة نوبل للسلام التي تلقاها قبل الأوان لدوره في تيسير التوصل إلى تسوية سلمية في الشرق الأوسط. وقليلون هم من يتوقعون أن يتمكن من تحقيق مثل هذا الإنجاز الهائل بطبيعة الحال، ولكن قِلة ضئيلة للغاية من الناس تتوقع في نفس الوقت أي إنجاز قريب من هذا ولو من بعيد من كاثرين أشتون، ملكة سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية، أو أي زعيم أوروبي آخر.

وتظل أوروبا لاعباً كبيراً في عالم الاقتصاد والتجارة ــ لاعباً قد يسترد لياقته في أي لحظة، وخاصة الآن بعد أن تمكنت ولو جزئياً من تجاوز أزمتها الشاملة. وهي تظل أيضاً نموذجاً للمصالحة حيث يستطيع الناس أن يستمروا في  الحلم، على الرغم من مستويات عالية إلى حد غير مقبول من البطالة، وخاصة بين الشباب.

ولكن أوروبا لم تعد تعتبر لاعباً عالميا. إنها واحة من السلام، إن لم تكن شعلة من الحيوية والديناميكية. والسؤال بالنسبة للأوروبيين اليوم هو ما إذا كان بوسعهم أن يشعروا بالرضا عن حالهم ــ وربما الأمر الأكثر أهمية، ما إذا كان ينبغي لهم هذا.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedPaul A. Myers

    The correct model for the 21st century might just be enlightened self-economic interest. Possibly Germany under Angela Merkel is the big country most successfully following the "correct" model, not American neo-imperialism under any particular American president.

    Singapore in many ways is the right model to emulate in the future, and Europe is well poised to do that. The challenge is to take the great educational and expertise "assets" of Europe and integrate these strengths into a worldwide economic competitor. Many parts of Europe are already successfully doing just that.

    In contrast, let's posit the premise that the US can no longer play a decisive global strategic power role, nor any other country. Possibly the US will continue to try to play a role that is no longer possible in the world. Possibly the long post-World War II paradigm is coming to an end.

    One of the elite "pipedreams" of the current age is that somehow the US could broker a Palestinian-Israel peace. The chance of the US playing a "transformative" role with Israel is vanishingly small.

    Possibly in the future the US can play, with other nations, an incremental balancing role in geopolitics. But the days of marching in and trying to reorder a society look like they are over.

  2. CommentedZsolt Hermann

    Unfortunately this article is still based on that illusion that the world economy is in some kind of a pause, like half time in a soccer game, and very soon the second half starts and the dormant economic machinery starts turning again.
    The camel, and the horse and all the others in fact, are not only starving but they are almost dead, because what they were feeding on so far has disappeared.
    We are not in a crisis, or recession, but in a system failure, the dream of constant quantitative growth is over.
    The drive, which used to be the excessive and harmful overproduction and over consumption has to be changed, the camel needs to get used to a new food, that is a natural necessity and resource based economy.
    Moreover in the global, interconnected human network the previous fragmented, self obsessed, subjective, individualistic or nationalistic planning and decision making cannot work, only a systematic approach, taking the well being of the whole system into consideration can yield any prosperity or sustainable progress.
    And this is where Europe could provide an example.
    The European countries started an experiment with the Union which if successful could provide the blueprint for the world to follow.
    But for that to work the leaders of the Union need to bite the bullet and accept that only a deep, full integration can truly fulfill the initial promise due to the present interconnected and interdependent human system.

      CommentedEdward Ponderer

      The need to feel in control, the fear of one's expertise evaporating, often leads to blind trust in long-established paradigms without examination -- even if these have evolved beyond recognition, and reality proves only a vague shadow of prediction.

      Subsystems are being undermined in terms of distrust in human relationships (behavioral economics), and the global upper system is reaching the limits finite global markets and resources.

      In short, insides of black boxes gears are grinding and springs are popping, and from above, we are beginning to run into a wall as well.

      A new global sense of interdependence developed through a plan of integral education is becoming critical to follow and master the ever-changing local realities feeding into the global whole. There must be a sense of mutual guarantee on national, corporate and individual levels -- that we all become as input sensors into the whole.

      To proceed with number values and wait for the recycling of a cloud formation, may prove a very long wait.

Featured