Thursday, April 17, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

أوروبا والعجز في الرؤى

تأتي الاحتفالات بمرور خمسين عاماً على عقد معاهدة روما في هذا الشهر في لحظة مواتية. فالآن هو الوقت المناسب لدعوة الاتحاد الأوروبي إلى وضع نهاية "لفترة التأمل" التي فرضها على نفسه في أعقاب رفض الدستور الأوروبي في فرنسا وهولندا، والعودة إلى استئناف عملية التوحيد التي بدأت في روما منذ خمسين عاماً.

كانت فترة التأمل هذه خلواً من أي شكل من أشكال التأمل الفعلي، كما فشل زعماء أوروبا في تقديم أي رؤية جوهرية جديدة لمواطني أوروبا. كيف إذاً يصبح في الإمكان تحقيق غاية "إعادة تأسيس" أوروبا ـ كما نادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل في أول خطاب برلماني لها بشأن السياسة الأوروبية؟

من حيث النظرية، هناك ثلاث رؤى متعارضة ومختلفة جوهرياً لمستقبل الاتحاد الأوروبي. فهناك من لا يزال يعتمد فكرة "الدول القومية". وأصحاب هذا الفكر ـ الذين يطلق عليهم لقب "الفيدراليين" على نحو يفتقر إلى الدقة ـ يشيرون إلى الدستور باعتباره خطوة ضرورية نحو اتحاد فيدرالي أوروبي.

ومن الممكن تبرير مثل هذا الاتحاد الفيدرالي من خلال الزعم بأن الجوهر الأخلاقي للدولة القومية قد تأثر سلباً إلى حد كبير بحروب الماضي، أو عن طريق اعتباره إجراءً وقائياً عملياً للسيطرة على أي رغبة في الدخول في صراع جديد. فضلاً عن ذلك، فقد زعم العالم السياسي البريطاني جلين مورجان أن المفهوم القوي للأمن الأوروبي الشامل يتطلب أيضاً إنشاء دولة واحدة تشمل أوروبا بالكامل، وأن اعتماد النخبة الأوروبية إستراتيجياً على الولايات المتحدة بشكل دائم يشكل تصرفاً غير مسئول. ويتصل بذلك أيضاً فكرة مفادها أن الاتحاد الأوروبي القوي هو وحده القادر على إنقاذ "النموذج الاجتماعي الأوروبي".

إلا أن الأعوام القليلة الماضية أثبتت لنا بما لا يدع مجالاً للشك غياب دعم الأغلبية في الدول التي تشكل الاتحاد الأوروبي لفكرة الاتحاد الفيدرالي الأوروبي. وهي النقطة التي أكدت عليها المناقشة التي أحاطت بالمعاهدة الدستورية الفاشلة. والحقيقة أن العديد من الحجج "الفيدرالية" تبدو مريبة: فنستطيع أن نقول بصورة خاصة إن أوروبا لا تعمل وفقاً لنموذج اجتماعي واحد. فالاختلافات بين الدول الاسكندنافية على سبيل المثال، ودول البحر الأبيض المتوسط، و"الدول الأطلنطية الليبرالية"، مثل أيرلندا والمملكة المتحدة، تكون في بعض الأحيان أشد وضوحاً من الاختلافات بين أوروبا ككل وبين الولايات المتحدة.

في غضون السنوات الأخيرة برزت رؤية بديلة للاتحاد الأوروبي، يمكن وصفها بِـ"التعددية الثقافية فوق الوطنية". وتقوم هذه الرؤية على اتحاد تتلخص وظيفته الرئيسية في السماح بالتنوع والاختلاف ـ وصيانتهما. وبدلاً من الدول المتجانسة التقليدية، تسعى هذه الرؤية إلى تحويل أوروبا إلى "مجتمع متنوع"، أو "شعب من الآخرين" إذا ما اقتبسنا عبارة رجل القانون جوزيف وايلر . في هذه الرؤية يصبح التسامح فضيلة أوروبية أساسية، ويُـنظر إلى شخصية الاتحاد الأوروبي ككيان قائم على القانون الفيدرالي لكنه لا يتبع نظام فيدرالية الدولة، باعتبارها مصدراً للقوة وليس الضعف.

وعلى هذا فإن أنبياء التعددية الثقافية فوق الوطنية يرفضون الديمقراطية الفيدرالية. فالصيغة الملائمة التي ينبغي أن تكون عليها الديمقراطية، في اعتقادهم، ليست "حكم الشعب لنفسه"، بل "حكم عدة شعوب لأنفسها"، وحرص هذه الشعوب على ضمان تنوعها وسعيها إليه.

الحقيقة أن العناصر المكونة لهذه الفكرة تتسم بالجاذبية. إلا أن موضع التشكك هنا يدور حول مدى مصداقية رؤساء الحكومات الأوروبية المطالبين بتعزيز هذه التعددية الثقافية الشاملة بينما يعملون في ذات الوقت وبصورة في غاية النشاط على شجب وإدانة أوهام "التعددية الثقافية" المزعومة في داخل بلدانهم ـ وهو ما أصبح الآن يشكل اللغة السياسية السائدة في كافة دول أوروبا تقريباً.

أما الرؤية الثالثة فهي في الأساس ليست رؤية على الإطلاق، بل إنها مجرد مسوغ لبيروقراطية بروكسل في هيئتها الحالية. ومن هذا المنظور التكنوقراطي، فإن بروكسل اليوم تضطلع بتلك الوظائف التي كثيراً ما توكل إلى مؤسسات غير منتخبة ديمقراطياً حتى في الدول القومية. والبنوك المركزية تشكل المثال التقليدي في هذا السياق. وتلك المناطق السياسية التي يرى المواطنون أنها الأكثر أهمية ـ وبصورة خاصة السياسة الاجتماعية وسياسة التعليم ـ تظل خاضعة لإدارة الدول الأعضاء.

هذا يعني أن بروكسل ليس من الجائز أن تعمل عمل الحكومة، بل إنها مجرد جهة تنظيمية ـ وكثيراً ما يصب هذا في مصلحة المستهلك الأوروبي. ويزعم التكنوقراط أن هذه السلطة هي في الحقيقة جزء من نظام يستند إلى ضوابط وتوازنات وطنية وفوق وطنية قادرة على منع الاستبداد من ترسيخ جذوره في بروكسل، على الرغم من أنها لا تشبه الديمقراطية الوطنية.

الحقيقة أن أياً من هذه الرؤى الثلاث لا يخطئ بالكامل الواقع الحالي للاتحاد الأوروبي أو احتمالاته المستقبلية. فقد بات الاتحاد الفيدرالي يشكل منظوراً نائياً، إلا أنه ما زال يحظى بالثناء والتقدير في خطب الساسة، وكأنهم عاجزون عن تصور إي نتيجة مختلفة. كما تحظى صيغة "حكم العديد من الشعوب لأنفسها" بالتأييد لأن رؤية أصحاب هذه الصيغة تميل إلى تعزيز الوضع الراهن وترك كل الخيارات تقريباً مفتوحة. أما التكنوقراط فهم يرون أن موقفهم يتعزز بمرور كل يوم تفشل فيه أزمة الشرعية المزعومة في البروز.

ولكن هل هناك وجود لفهم سياسي أوروبي شامل يمكن الإجماع عليه أو حتى حشد الأغلبية حوله؟ إذا كانت الإجابة هي "كلا"، فإن الالتزام برؤية برجماتية عملية للاتحاد كشكل من أشكال "الكومنولث" يُـعَـد البديل الأكثر صدقاً وواقعية لأي رؤية أخرى مغرقة في المثالية. والحجة التقليدية التي تزعم أن الاتحاد الأوروبي، مثله كمثل الدراجة، لابد وأن يظل متحركاً نحو الأمام باستمرار لتجنب السقوط، ليست صادقة ولا تستند إلى أي أساس: فربما كانت فترة التأمل محبطة بالنسبة لأنصار الفيدرالية، إلا أنها أثبتت أيضاً أن الاتحاد الأوروبي قادر على الاستمرار حتى ولو ظل ثابتاً في محله.

ليس من المرجح أن يعترف أهل النخبة في بروكسل بهذه الحقيقة دون المزيد من اللغط والصخب: فما زالت لغتهم الخطابية تتأرجح ما بين التشاؤم التام وبين نوع من النصرة المظهرية لأوروبا التي تسعى إلى "بيع" الاتحاد لمواطني أوروبا. إلا أن هذا سوف يكون مستحيلاً في غياب رؤية قادرة على بيع نفسها.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured