Friday, October 31, 2014
0

أوروبا في احتياج إلى خطة بديلة

نيويورك ـ ظهر الاتحاد الأوروبي إلى الوجود بفضل ما أطلق عليه كارل بوبر الهندسة الاجتماعية المرحلية. فقد أدرك عدد من رجال الدولة الذين اتسموا ببعد النظر واستلهموا رؤية الولايات المتحدة الأوروبية أن هذه الفكرة من غير الممكن أن تتحقق إلا بالتدريج، من خلال وضع أهداف محدودة، وتعبئة الإرادة السياسية المطلوبة لتحقيق هذه الأهداف، وإبرام المعاهدات التي تلزم الدول بالتخلي عن القدر الذي تتحمل التخلي عنه سياسياً من سيادتها. وبهذه الطريقة تحول اتحاد الفحم والصلب إلى الاتحاد الأوروبي ـ باتخاذ خطوة واحدة في كل مرة، ومن خلال فهم واضح لحقيقة مفادها أن كل خطوة ليست كاملة في حد ذاتها وسوف يتطلب إتمامها المزيد من الخطوات في الوقت المناسب.

نجح مهندسو الاتحاد الأوروبي في توليد الإرادة السياسية اللازمة من خلال الاعتماد على ذاكرة الحرب العالمية الثانية، والتهديد الذي فرضه الاتحاد السوفييتي، والفوائد الاقتصادية المترتبة على زيادة التكامل. ثم تغذت هذه العملية على نجاحها، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، تقلت دفعة من احتمال إعادة توحيد شطري ألمانيا.

أدركت ألمانيا أن إعادة توحيدها لن تتحقق إلا في سياق وحدة أوروبية أكبر، وكانت على استعداد لتحمل الثمن. وبفضل المساعدة التي قدمها الألمان في التوفيق بين المصالح الوطنية المتضاربة من خلال وضع القليل من التنازلات الإضافية على الطاولة، بلغت عملية التكامل الأوروبي ذروتها بإبرام معاهدة ماستريخت وتقديم عملة اليورو.

ولكن اليورو لم يكن عملة كاملة: حيث يديره بنك مركزي ولكن في غياب وزارة خزانة مركزية. وكان مهندسو اليورو على وعي تام بهذا النقص، ولكنهم تصوروا أن الإرادة السياسية من الممكن أن تُستدعَى لاتخاذ الخطوة التالية إلى الأمام عندما تنشأ الحاجة.

بيد أن ذلك لم يحدث، لأن اليورو كان يعاني من أوجه قصور أخرى لم يكن مهندسوه على وعي بها. فقد عملوا تحت اعتقاد خاطئ مفاده أن الأسواق المالية قادرة على تصحيح تجاوزاتها بنفسها، وعلى هذا فقد تم تصميم القواعد لكبح جماح تجاوزات القطاع العام فقط. وحتى في هذا السياق، أفرطوا في الاعتماد على الرقابة الذاتية من قِبَل الدول ذات السيادة.

ولكن التجاوزات كانت في القطاع الخاص بشكل أساسي، حيث تسبب تقارب أسعار الفائدة في تولد نوع من التباعد الاقتصادي: ففي البلدان الأضعف تسببت أسعار الفائدة الأكثر انخفاضاً في تغذية فقاعات الإسكان، في حين اضطرت ألمانيا، وهي الدولة الأقوى، إلى شد الحزام حتى تتمكن من التعامل مع الأعباء المترتبة على التوحيد. وفي الوقت نفسه أصبح القطاع المالي عُرضة للخطر بشكل كامل بسبب انتشار الأدوات المالية غير السليمة وممارسات الإقراض الرديئة.

ومع إعادة توحيد شطري ألمانيا، أزيل الدافع الرئيسي وراء عملية التكامل، وأطلقت الأزمة المالية العنان لعملية من التفكك. ثم جاءت اللحظة الحاسمة بعد انهيار ليمان براذرز، وبات لزاماً على السلطات أن تضمن عدم السماح بإفلاس مؤسسة مالية أخرى ذات أهمية شاملة للنظام بالكامل. وأصرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على عدم وجود ضمانة مشتركة تابعة للاتحاد الأوروبي؛ أي أن كل دولة كان عليها أن ترعى مؤسساتها على حِدة. وكان ذلك هو السبب الأساسي وراء الأزمة التي يعيشها اليورو اليوم.

فقد أرغمت الأزمة المالية الدول ذات السيادة على استبدال ائتمانها الخاص بالائتمان الذي انهار، وفي أوروبا اضطرت كل دولة على أن تفعل ذلك على مسؤوليتها، الأمر الذي أدى إلى التشكيك في الجدارة الائتمانية لسندات الحكومات الأوروبية. فاتسعت علاوات المخاطر، وانقسمت منطقة اليورو إلى دولة دائنة وأخرى مدينة. وغيرت ألمانيا مسارها إلى الاتجاه المعاكس تماماً من المحرك الرئيسي للتكامل إلى المعارض الرئيسي لـ"اتحاد النقل".

وأدى ذلك إلى ظهور أوروبا ذات سرعتين، حيث تغرق البلدان المدينة تحت وطأة ديونها، في حين تتقدم بلدان الفائض إلى الأمام. وباعتبارها الدائن الأكبر فكان بوسع ألمانيا أن تملي شروط المساعدة، وهي الشروط التي كانت عقابية ودفعت البلدان المدينة إلى الإفلاس. ومن ناحية أخرى، استفادت ألمانيا من أزمة اليورو، التي أدت إلى ركود سعر الصرف وبالتالي زادت من قدرتها التنافسية.

ومع تحول التكامل على تفكك، تحول أيضاً دور المؤسسات السياسية الأوروبية نحو الاتجاه المعاكس، من قيادة المزيد من الوحدة إلى الدفاع عن الوضع الراهن. ونتيجة لهذا فإن كل من يرى أن الوضع الراهن غير مرغوب أو غير مقبول أو غير قابل للاستمرار والدوام، بات مضطراً إلى اتخاذ موقف عدائي من أوروبا. وبينما تُدفَع البلدان المثقلة بالديون دفعاً إلى الإفلاس، فإن الأحزاب السياسية القومية ـ على سبيل المثال حزب الفنلنديين الحقيقيين في فنلندا ـ اكتسبت المزيد من القوة، إلى جانب الأحزاب الأخرى الأك��ر رسوخاً في أماكن أخرى من أوروبا.

ورغم ذلك فإن المؤسسة السياسية الأوروبية تستمر في الاحتجاج بعدم وجود بديل للوضع الراهن. وتلجأ السلطات المالية إلى اتخاذ تدابير يائسة على نحو متزايد في محاولة لكسب الوقت. ولكن الوقت يعمل ضدها: ذلك أن أوروبا ذات السرعتين تدفع البلدان الأعضاء إلى المزيد من التباعد. فاليونان تتجه نحو التخلف الفوضوي عن سداد ديونها و/أو خفض القيمة في ظل عواقب وخيمة لا تحصى ولا تعد.

وإذا كان لهذه العملية العنيدة ظاهرياً أن تتوقف، بل وتتراجع، فيتعين على كل من اليونان ومنطقة اليورو أن تتبنى على وجه السرعة خطة بديلة. فقد يكون تخلف اليونان عن سداد ديونها حتمياً ولا مفر منه، ولكن لا ينبغي له أن يتم بشكل فوضوي. وفي حين أن بعض العدوى سوف تنتقل إلى بلدان أخرى لا محالة ـ فكل ما حدث في اليونان من المرجح أن ينتشر إلى البرتغال، وقد يصبح موقف أيرلندا المالي أيضاً غير مستقر ـ فإن بقية منطقة اليورو تحتاج إلى سياج عازل. وهذا يعني تعزيز موقف منطقة اليورو، وهي العملية التي قد تتطلب التوسع في استخدام مخطط من نوع ما للتأمين على سندات اليورو والودائع على نطاق منطقة اليورو بالكامل.

وسوف يتطلب توليد الإرادة السياسية وضع خطة بديلة للاتحاد الأوروبي ذاته. إذ يتعين على النخبة الأوروبية أن تعود إلى المبادئ التي وجهت عملية بناء الاتحاد الأوروبي، وأن تدرك أن فهمنا للواقع غير كامل بطبيعته، وأن المفاهيم من المحتم أن تكون منحازة والمؤسسات معيبة. والمجتمع المفتوح لا يتعامل مع الاتفاقيات السائدة باعتبارها كيانات مقدسة؛ بل إنه يسمح باللجوء إلى البدائل إذا أثبتت الترتيبات الأصلية فشلها.

لابد وأن يكون من الممكن حشد أغلبية صامتة مؤيدة لأوروبا وتعبئتها خلف فكرة تتلخص في ضرورة البحث عن حلول أوروبية عندما يتعذر استمرار الوضع الراهن بدلاً من اللجوء إلى حلول وطنية. ولا شك أن "الأوروبيين الحقيقيين" أكثر عدداً من "الفنلنديين الحقيقيين" وغيرهم من مناهضي أوروبا في ألمانيا وبلدان أخرى.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured