Search
Weekly Series
Monthly Series
Thought Leaders
Global Perspectives
International Insight
Mind and Matter
Home / Commentaries / ديون أبدية
Article available in: English Spanish Russian French German
Arabic

" كل شيء ... كل شيء يتغير ". هكذا تقول اللازمة في أغنية أرجنتينية مشهورة. لكن الحقيقة الواقعة في الأرجنتين هي أن كل شيء يظل كما هو أو يصبح أكثر سوءاً.

لقد ذهب تنبيه الفيلسوف هيراقليطيس بشأن "استحالة الاستحمام في نفس النهر مرتين" أدراج الرياح على يد وزراء الاقتصاد لدينا، والذين يصرون على الاستحمام في مياه ملوثة راكدة على نحو منتظم. فكلما ذهبوا إلى الاستحمام يسلكون نفس السبيل، فيثيرون المخاوف والقلق في البداية بشأن ما قد يحدث إذا سددت الأرجنتين ما عليها من ديون خارجية، ثم في النهاية لا يجدون مناصاً من تسديد الدين تحت ضغوط قوية من صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة.

في بعض الأحيان يستجيب المفاوضون الأرجنتينيون إلى الجهات الدولية التي تمتلك سندات الدين، والتي تتعمد إزعاج الحكومة وإرهاقها في إطار جهد مكثف يهدف إلى إجبارها على تسديد ما لا يمكن تسديده. وبممارسة هذه اللعبة التي لا تنتهي فإن وزراءنا يتركون للغد ما لم يجدوا في أنفسهم الشجاعة لمواجهته اليوم، وهم يعلمون علم اليقين أن هذه الحيلة ستؤدي بالأرجنتين إلى نهاية مأساوية.

كان المؤرخ الحصيف والسياسي المخضرم أرتورو جواريتشي يحب أن يقول: " إذا أراد الكلب ألا يظل كلباً فلا يكفيه أن يغير الطوق الذي يلف حول عنقه ". لكن رفاقه ظلوا على عدم اقتناعهم وبدوا مذعنين للفشل في العثور على بديل لنموذج الضرائب الليبرالي الجديد من أجل تسديد الدين الخارجي. فهم على قناعة بأننا سيُحْكَم علينا بالخلود في الجحيم ما لم نقبل القواعد التي أرساها أقوياء العالم.

هذا عناد وتشبث برأي خطأ؛ ولقد آن الأوان لكي نكسر الطوق. إن ديننا الخارجي، أو بتعبير أكثر دقة، ديننا الأبدي، ليس من الممكن ولا ينبغي أن يُسَدّد. فهو دين غير أخلاقي ويمثل قضية عميقة من قضايا حقوق الإنسان. كما أن الدين يُسْـتَغَل في فرض السيطرة والهيمنة على الناس، والأثر الذي يخلفه هذا الأمر قاس وتعسفي.

إن دول العالم المدينة، والمعروفة لسوء الحظ بالعالم الثالث، تحول رؤوس الأموال إلى الدول الغنية من خلال تسديد فوائد ديونها الخارجية. وهذا يؤدي إلى خلق حلقة مفرغة من الفقر المدقع والإقصاء الاجتماعي لدول الجنوب. أما دول الشمال، والمعروفة لسوء الحظ بالعالم الأول، فهي تستغل جوع وفقر دول الجنوب لضمان حياة أفضل من أجل شعوبها.

لقد تَوَلّد دين الأرجنتين الخارجي في إبان الحكم الاستبدادي العسكري، حين كانت دول الشمال الغنية تقدم الأرصدة للطغاة المستبدين وتبيع لهم الأسلحة لاستخدامها في قمع شعوبهم. لقد تم تحويل هذه الديون الخاصة إلى عامة الشعب، الذي لم يتلق شيئاً من القروض ولكن هناك من ينتظر منه أن يسدد هذه القروض الآن.

في الحقيقة، إن وضع الأرجنتين يدعو إلى الشفقة. لقد كانت دولة غنية ومنتجاً كبيراً للغذاء، حيث تم قهر أمراض مستوطنة مثل الجذام، والطفيليات، والسل الرئوي، وحيث ازدهرت القراءة والكتابة. لقد تحملت الأرجنتين خمسين عاماً من الاستبداد العسكري والحكومات المدنية الضعيفة. لكنها لم تكن مثقلة بالديون قط حتى سبعينيات القرن العشرين.

واليوم، يعاني 23 مليوناً من شعب الأرجنتين الفقر، ويعيش عشرة ملايين منهم تحت خط الفقر. حيث يموت في كل يوم ما يقرب من المائة طفل بسبب الجوع الشديد والأمراض التي يَسْهل منعها والوقاية منها. وحيث تستمر مجتمعاتنا الفطرية في خسارة الأرض لصالح الشركات الأجنبية. وحيث تنتشر الأمراض المستوطنة والأمية. وحيث أغلقت مئات المصانع أبوابها، فارتفعت معدلات البطالة إلى ما يقرب من 30%. ومع كل ما سبق، فنحن نواصل تحويل رؤوس الأموال إلى الدول الغنية لتسديد فوائد ديننا الخارجي. وكلما سددنا، كلما تفاقم الدين، وكلما قل ما نملكه بين أيدينا.

ومع ذلك فما زال أهل أميركا اللاتينية يعرفون كيف يقاومون وكيف يؤسسون الحركات الاجتماعية لمكافحة " محور الشر " ـ عسكرة الدولة، والدين الخارجي، واتحاد التجارة الحرة لدول أميركا ـ ذلك المحور الذي يسعى إلى إخضاع قارة أميركا اللاتينية إلى القوى الاستعمارية الجديدة والتي تتمثل في الولايات المتحدة. فاتفاقية التجارة الحرة، على سبيل المثال، ستقدم لشركات أميركا الشمالية نفس ظروف وشروط الإنتاج والاستثمار المتاحة لشركاتنا، وتمنحها إعانات مالية زراعية لا تستطيع أية دولة من دول أميركا اللاتينية أن ترقى إلى مستوى التنافس معها.

وبسبب هذا التأثير المباشر للديون الخارجية على أرواح الناس، فقد تلقى مسئولو الحكومة أشكالاً متعددة من العروض والاقتراحات، على اعتقاد بأن عبء الدين الخارجي يمثل في الأساس مشكلة سياسية ـ وهي مشكلة لابد من مواجهتها الآن وليس لاحقاً. وإذا أردنا أي تغيير حقيقي فقد أصبح لزاماً علينا أن نعمل على إنشاء شكل من أشكال الوحدة القارية والمؤسسات الإقليمية التابعة مثل ميركوزر ، و أندينو ، و حلف الكاريبي .

ويتعين علينا أن نميز بين الدين الشرعي والدين غير الشرعي، الأمر الذي يعني تحويل القضية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي. ويُـعَـد المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي انعقد هذا العام في بومباي بالهند من الكيانات المفيدة التي تقدم الاقتراحات البديلة من أجل التغلب على الموقف الخطير للدول التي ترزح تحت أعباء الديون الثقيلة.

وفي النهاية، يتعين على الشعوب في كافة أرجاء أميركا اللاتينية أن تتحد من أجل الحفاظ على سيادتها واستقلالها، وحماية بيئتها، واحترام حقوق الإنسان التي يتعرض كل منها للانتهاك على نحو منتظم. كما يتعين علينا أن نعيد النظر في كيفية تعريفنا لأنظمتنا الديمقراطية، والتي تبدو وكأنها مجرد شكليات تفتقر إلى الجوهر الحقيقي للديمقراطية. أجل، إنه لانتصار عظيم أن نتمكن من الإدلاء بأصواتنا، لكن هذا لا يضمن لنا الأمل في الغد والمنزلة الكريمة التي نستحقها.

أدولفو بيريز إسكويفيل حاصل على جائزة نوبل للسلام في عام 1980. وهو الآن يعمل مديراً لمنظمة "خدمة السلام والعدل"، وهي منظمة تعمل في مجال حقوق الإنسان ومقرها بيونس آيريس.

إعادة طبع أي مواد منشورة بهذا الموقع بدون موافقة كتابية من بروجيكت سينديكيت Project Syndicate تعتبر مخالفة لقانون حقوق الطباعة والنشر الدولي. للحصول على تصريح برجاء الاتصال بـِ: distribution@project-syndicate.org .
Commentaries

You must be logged in to post a comment. Please log in or sign up for a free account.