Friday, April 25, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

النظام العالمي الجديد عند أهل الاقتصاد

تعتمد أغلب النظريات الاقتصادية الأكاديمية على مفاهيم تم وضعها في بداية القرن العشرين بواسطة الاقتصادي البريطاني ألفريد مارشال الذي قال إن "الطبيعة لا تقفز". إلا أننا نحن خبراء الاقتصاد نجد أنفسنا في ارتباك متزايد بسبب العجز الواضح لمجموعة الأدوات المارشالية التي أنشأناها بهدف تفسير العالم الذي نعيش فيه.

يكمن الانحراف المركزي لهذه الأدوات في ضرورة ثقتنا في قدرة السوق على حل المشاكل التي نلجأ إليها في حلها، كما أنها لا تسمح لنا بأن نتوقع من التغييرات البسيطة (أو حتى الكبيرة) أن يكون لها تأثيرات ضخمة. فالقفزة التكنولوجية التي تؤدي إلى رفع أجور العمال المهرة والمتمكنين من شأنها أن تحفز الآخرين لكي يصبحوا مهرة ومتمكنين، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى استعادة التوازن بحيث لا تتفاقم حالة التفاوت وعدم المساواة.

وعلى هذا فإن الدولة ذات الإنتاجية العمالية المنخفضة لابد وأن تشكل موقعاً جاذباً للاستثمار الأجنبي المباشر، كما أن الزيادة الناتجة في نسبة رأس المال إلى العمالة سوف تؤدي إلى رفع الإنتاجية. وحيثما ينظر المرء، وهو يستخدم مجموعة أدوات مارشال ، فلسوف يرى أن التوازن الاقتصادي يشد الأشياء فيعيدها إلى الوضع الطبيعي، من خلال التعويض عن الصدمات والاضطرابات والتخفيف من آثارها.

لقد حققت نظريات مارشال الاقتصادية نتائج رائعة، كما ساعدت خبراء الاقتصاد في فهم العالم. ومع هذا فهناك شعور سائد بأن التقدم والمزيد من الفهم يحتاجان إلى شيء جديد ـ اقتصاد يتمتع بدوائر تتسم بالفعالية، وعتبات جديدة، ومناخ يسمح للتغييرات البسيطة بإحداث تأثيرات في غاية الضخامة.

ربما كان الأمر على ذلك المنوال دوماً. وإذا استعنا بالمعايير التي كانت سائدة منذ قرون مضت، فلسوف نجد أننا نعيش في عالم يتمتع بثروة مهولة. ففي خلال جيلين قادمين ستنتهي الأمية من العالم تقريباً.

مع ذلك فقد شهد العالم تقدماً تكنولوجياً منذ ثلاثة قرون أيضاً، حيث انتقل من الساعة الميكانيكية والطاحونة المائية إلى المدفع والمركب الشراعي، ثم إلى سلالات من الأرز يمكن حصدها ثلاث مرات سنوياً في مدينة جوانجاو (كانتون سابقاً)، وتهجين أغنام المارينو التي تستطيع أن تتكاثر وتزدهر على تلال أسبانيا. لكن هذه الإبداعات لم تؤد إلا إلى زيادة تعداد سكان العالم من البشر، ولم تعمل على رفع مستويات المعيشة المتوسطة.

واليوم إذا ما قررنا أن نتقاسم بالتساوي ما ننتجه على مستوى العالم، فهل يؤدي بنا هذا إلى مستوى معيشي يعادل عشرة أضعاف المستوى المعيشي لدى أسلافنا فيما قبل الثورة الصناعية؟ أو عشرين ضعفاً؟ أو مائة ضعف؟ بل هل لهذا السؤال أي معنى؟

يحب ديفيد لاندز أن يحكي قصة ناثان ماير روثتشايلد ، أثرى أثرياء العالم في النصف الأول من القرن التاسع عشر، والذي مات في الخمسينات من العمر بسبب خُـراج ملوث. إذا ما خيرت ذلك الرجل بين الحياة التي عاشها كأمير أمراء المال في أوروبا وبين حياة متواضعة ودخل منخفض ولكن مع إضافة ثلاثين عاماً إلى حياته حتى يرى أبناء أحفاده، فماذا كان قد يختار؟

مما لا شك فيه أننا نعيش اليوم في عالم يفتقر إلى المساواة إلى حد غير عادي. فهناك أسر بالقرب من مدينة شيان، التي كانت ذات يوم الإقليم المركزي لإمبراطورية أسرة تانج ، تعيش هناك اليوم على رقاع ضئيلة من الأرض المزروعة بالحنطة الجافة ولا تملك كل من تلك الأسر سوى معزاة واحدة. وهناك أسر في كل مكان من العالم تستطيع أن تشتري واحدة من تلك المزارع في مقابل أجر يوم عمل واحد فقط.

إن نظريات مارشال الاقتصادية ـ والتي تتلخص في اقتصاد التوازن بين الثوابت المقارنة، والتحولات في منحنيات العرض والطلب، والاستجابات الرامية إلى التكيف ـ تكاد تكون عديمة القيمة تقريباً فيما يتصل بإيجاد تفسيرات لكل هذا. ما السبب وراء ركود مستويات المعيشة المتوسطة في كل أنحاء العالم ولهذه المدة الطويلة؟ لماذا خضعت معدلات النمو لتسارع هائل خلال فترة قصيرة من الزمن؟ أين اقتصاد الابتكار والإبداع والتكيف والانتشار؟ لن نجد إجابات عن هذه التساؤلات عند مارشال . وما الذي جعل عالم اليوم يفتقر إلى المساواة إلى الحد الذي أصبح من الصعب معه أن نجد أي مقياس لتوزيع الثروة في العالم لا يعتريه الانحراف، على الأقل حتى ثمانينيات القرن العشرين؟

لقد مرت أجيال منذ أشار خبيرا الاقتصاد روبرت سولو و موسى أبراموفيتز إلى أن نظريات مارشال الاقتصادية ضئيلة القيمة فيما يتصل بفهم النمو الاقتصادي الحديث. إن المصادر الحقيقية للنمو لا تكمن في العرض والطلب وتخصيص الموارد القليلة للاستخدامات البديلة، بل إنها تكمن في التغير التكنولوجي والتنظيمي ـ وهو ما لا يعرف عنه أهل الاقتصاد سوى أقل القليل.

أشار مؤرخون اقتصاديون مثل كين بوميرانز عن حق إلى أن الاختلافات في مستويات المعيشة المتوسطة لدى الحضارات الرفيعة في آسيا وأوروبا كانت بسيطة نسبياً قبل الثورة الصناعية. حيث كان للفلاح في وادي نهر يانجتسي في أواخر القرن السابع عشر أسلوب حياة يختلف عن نظيره الذي عاش في ذات العصر في وادي نهر التاميز، لكن هذه الحياة لم تكن أفضل أو أسوأ من حياة الفلاح الآخر على نحو واضح.

بعد قرنين من الزمان لم تعد الحال كما كانت: فمع نهاية القرن التاسع عشر، كانت مستويات المعيشة المتوسطة في بريطانيا والدول الأخرى التي انتشرت فيها الثورة الصناعية، قد ارتفعت إلى حد يفوق تصور أي نظرية خاصة بتعداد السكان مقارنة بموارد الرزق. كما شهدت الفترة المبكرة من العصر الصناعي إنجازات كبيرة على الرغم من خسارة حصة كبيرة من الدخل القومي لإعالة الطبقة الأرستقراطية الفاسدة المنحلة المبذرة. ولقد تحققت تلك الإنجازات على الرغم من تضاعف السكان ثلاث مرات، الأمر الذي شكل ضغطاً هائلاً على الموارد الطبيعية الأساسية للاقتصاد، وعلى الرغم من تعبئة حصة لم يسبق لها مثيل من الدخل القومي من أجل ما يقرب من قرن من الزمان من الحروب الشرسة التي دارت رحاها ضد فرنسا التي كان تعداد سكانها ثلاثة أضعاف تعداد سكان بريطانيا.

كيف تحققت مثل تلك الإنجازات على وجه التحديد؟ وما هو الفارق البسيط غير المحسوس الذي تبين أنه على هذا القدر من الأهمية؟

لقد أفاق أهل الاقتصاد اليوم وقد أدركوا أن أكثر الأسئلة التي يواجهونها إثارة للاهتمام كانت دوماً بعيدة عن منال نظريات مارشال الاقتصادية. ولقد بات من الواضح أن عناصر الاقتصاد لابد وأن تختلف تمام الاختلاف خلال الجيل القادم عما هي عليه الآن، إذا ما أردنا للاقتصاد أن يزدهر وأن يتقدم.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured