Wednesday, November 26, 2014
1

علم الاقتصاد في أزمة

بيركلي ـ كانت اللحظة الأكثر تشويقاً وإثارة للانتباه في المؤتمر الذي عُقِد مؤخراً في بريتون وودز بنيو هامبشير ـ الموقع الذي شهد في عام 1945 انعقاد المؤتمر الذي تأسست على قواعده البنية الاقتصادية العالمية الحالية ـ عندما سأل مارتن وولف الكاتب في صحيفة فاينانشال تايمز على نحو لا يخلو من السخرية لاري سمرز وزير الخزانة الأميركي السابق ومساعد الرئيس باراك أوباما السابق لشئون السياسة الاقتصادية قائلا: "ألا يشير ما حدث في السنوات القليلة الماضية ببساطة إلى أن خبراء الاقتصاد الأكاديميين لم يفهموا ما كان يجري من حولهم؟".

وإليكم الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في رد سمرز الطويل على السؤال: "إن أعمال والتر باجيت تفسر الكثير من الأزمة التي اجتزناها للتو. وهناك المزيد من أعمال هيمان منسكي، وربما المزيد من أعمال تشارلز كندلبيرجر". وقد تكون هذه الإجابة مبهمة بالنسبة لغير العاملين في حقل الاقتصاد، ولكنها كانت بمثابة لائحة اتهام مدمرة.

كان باجيت (1826-1877) رئيس تحرير مجلة الإيكونوميست في منتصف القرن التاسع عشر، ولقد نشر كتاباً عن الأسواق المالية تحت عنوان "شارع لومبارد" في عام 1873. ولا شك أن سمرز كان محقا: ذلك أن "شارع لومبارد" يحتوي على الكثير مما يفسر الأزمة التي نتعافى منها الآن.

أما منسكي (1919-1996) فإن الوسيلة الأفضل لفهمه ليست مقالاته المجمعة التي نشرت تحت عنوان "هل من الممكن أن يحدث ذلك مرة أخرى؟"، بل من خلال استخدام كندلبيرجر (1910-2003) لأعماله في كتابه الذي نشر في عام 1978 تحت عنوان "الهوس، والهلع، والانهيار: تاريخ من الأزمات المالية". وعندما سُئِل سمرز عن السبيل إلى فهم ما حدث في عام 2008، استشهد بثلاثة من الأموات، وكتاب نشر قبل ثلاثة وثلاثين عاما، وكتاب آخر نشر في القرن قبل الماضي.

ثم ذهب سمرز إلى توسيع إجابته لتشمل خبراء اقتصاد على قيد الحياة: "ايتشنجرين، وأكيرلوف، وشيللر، وغيرهم كثيرون". كما تحدث عن الثورة في مجال التمويل قائلا: "لقد أدركنا أن أسعار الأصول تظهر قدراً كبيراً من التقلب ولا تعكس أي شيء عن الأسس الجوهرية"، ولكنه أضاف: "إن الاقتصاد الكلي لم يتمكن من ملاحقة هذه الثورة". ونتيجة لهذا، وعلى نحو ألحق قدراً عظيماً من الضرر بالاقتصاد الكلي المعاصر، لم يفهم زملاؤه من خبراء الاقتصاد أسعار الأصول، والهوس، والهلع، والسيولة.

والمشكلة بالنسبة لسمرز تكمن في وجود قدر عظيم من "التشتيت، والارتباك، وإنكار المشاكل في المقرر الدراسي للسنة الأولى في أغلب برامج الدكتوراه". نتيجة لهذا، "ورغم أن علم الاقتصاد يعرف قدراً لا بأس به"، فإنه "نسي قدراً كبيراً وثيق الصلة، وتشتت بفعل قدر هائل آخر من المعلومات".

وفي اعتقادي أن الأحكام التي خرج بها سمرز عادلة وصحيحة. وأنا أعتبر نفسي من بين هؤلاء الذين نسوا وتشتتوا، رغم أنني كنت أعتمد دوماً على كتاب "شارع لومبارد" في تدريس التاريخ الاقتصادي، وكتاب "الهوس، والهلع، والانهيار" لتدريس الاقتصاد الكلي، كما أوليت اهتماماً وثيقاً ونابعاً من الاحترام لأعمال ايتشنجرين، وأكيرلوف، وشيللر.

إلا أنني صُدِمت إزاء ضخامة حالة الذعر التي تسبب فيها ما يبدو لي خسائر ضئيلة نسبيا (مقارنة بحجم الاقتصاد العالمي) في سوق الرهن العقاري الثانوي؛ وضعف الضوابط التي تحكم المجازفة في البنوك الرئيسية التي أفرطت في الاستدانة؛ ومدى عمق تراجع الطلب؛ ومدى افتقار قوى استعادة التوازن إلى السوق للكفاءة والفعالية عندما تطلب الأمر إعادة التوازن إلى العرض والطلب في سوق العمل؛ والمبالغ الهائلة التي تمكنت حكومات الدول الرئيسية من اقتراضها في محاولة لدعم الطلب من دون التسبب في أي ارتفاع غير عادي في أسعار الفائدة.

والواقع أن حجم الكارثة هو ما يثير دهشتي. ولكن ما يدهشني أكثر من ذلك هو الفشل الواضح الذي أبدته علوم الاقتصاد الأكاديمية في اتخاذ الخطوات اللازمة لإعداد نفسها للمستقبل. والحق أنني توقعت أن أسمع القائمين على أقسام الاقتصاد في مختلف أنحاء العالم وهم يقولون في أعقاب الأزمة: "إننا في احتياج إلى تغيير أنماط التوظيف لدينا".

والواقع أننا نحتاج إلى عدد أقل من منظري كفاءة الأسواق وعدد أكبر من الأشخاص الذين يعملون على دراسة الهياكل المتناهية الصِغَر، كما نحتاج إلى وضع حدود للمراجحة، والتحيز الإدراكي. ونحتاج أيضاً إلى عدد أقل من منظري توازن الدورة التجارية وعدد أكبر من التقليديين من أتباع جون ماينارد كينز وخبراء السياسة النقدية. كما نحتاج إلى المزيد من المؤرخين النقديين ومؤرخي الفكر الاقتصادي، وعدد أقل من بناة ومصممي النماذج. ونحتاج إلى المزيد من أمثال ايتشنجرين، وشيلر، وأكيرلوف، وراينهارت، وروجوف ـ ناهيك عن واحد من أمثال كندلبيرجر، أو منسكي، أو باجيت.

إلا أن هذا ليس ما نسمعه من أقسام الاقتصاد في أيامنا هذه.

ربما يفوتني الكثير مما يحدث حقاً من حول. ولعل أقسام الاقتصاد عاكفة الآن على إعادة توجيه نفسها بعد فترة الركود الأعظم على نحو أشبه بما حدث من تحويل المسار في اتجاه نقدي بعد التضخم الذي شهدته سبعينيات القرن العشرين. ولكن إن كنت قد غفلت عن بعض التغيرات الكبرى التي تجري الآن، فإنني أود لو ينبهني أي شخص لها.

وربما تخسر أقسام الاقتصاد الأكاديمية وعيها الاستهلاكي بالمنتجات المختلفة ونفوذها لصالح جهات أخرى ـ من كليات إدارة الأعمال وبرامج السياسات العامة إلى أقسام العلوم السياسية، وعلم النفس، وعلم الاجتماع. وفي حين يطالب رؤساء الجامعات وطلابها بقدر أعظم من الأهمية والصلة والنفع، فربما يتولى هؤلاء الزملاء تدريس الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد ويتركون لخبراء الاقتصاد الأكاديميين تدريس نظرية الاختيار المنطقي فحسب.

أو ربما يظل الاقتصاد فرعاً من العلوم ينسى دوماً أغلب ما عرفه ذات يوم، ويسمح لنفسه على نحو مستمر بالتشتت والارتباك والخلط والإنكار. وإذا حدث ذلك فسوف نكون جميعاً في وضع أسوأ كثيرا.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (1)

    Please login or register to post a comment

    1. CommentedParrain Boursorama

      And while the initial Kibbutz movement lost its force and vigor as the country became westernized, the safe and prosperous future of Israel necessitates the return to a similar close, family-like national unity, mutual cooperation and understanding.

    Featured