Tuesday, September 30, 2014
6

عام الرهان بتحفظ

نيويورك ــ يبدو أن الاتجاه الصاعد الذي تشهده أسواق الأسهم العالمية والذي بدأ في يوليو/تموز بدأ الآن يفقد زخمه وقدرته على مواصلة الصعود، وهو ليس بالأمر المستغرب أو المفاجئ: ففي غياب أي تحسن كبير في توقعات النمو في أي من الاقتصادات الكبرى المتقدمة أو الناشئة كان هذا التحسن يبدو دوماً وكأنه بلا سيقان. ولعل التصحيح جاء مبكراً عن المتوقع، نظراً لبيانات الاقتصاد الكلي المخيبة للآمال في الأشهر الأخيرة.

ولنبدأ بالدول المتقدمة. فقد انتشر الركود في منطقة اليورو من الدول الطرفية إلى دول القلب، حيث دخلت فرنسا في حالة من الركود في حين تواجه ألمانيا ضربة مزدوجة من تباطؤ النمو في واحدة من أسواق التصدير الرئيسية (الصين/آسيا) والانكماش الصريح في مناطق أخرى (جنوب أوروبا). فقد ظل النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة هزيلاً بنسبة 1,5% إلى 2% طيلة القسم الأعظم من العام، واليابان تنزلق إلى فترة جديدة من الركود. والمملكة المتحدة، مثلها في ذلك كمثل منطقة اليورو، سقطت بالفعل تحت وطأة الركود المزدوج، والآن حتى أقوى الدول المصدرة للسلع الأساسية ــ كندا، وبلدان الشمال، وأستراليا ــ تشهد تباطؤاً في مواجهة الرياح المعاكسة القادمة من الولايات المتحدة وأوروبا والصين.

ومن ناحية، تباطأت في عام 2012 كل الاقتصادات الناشئة ــ بما في ذلك البرازيل وروسيا والهند والصين وغيرها من اللاعبين الأساسيين مثل الأرجنتين وتركيا وجنوب أفريقيا. وقد يستقر التباطؤ في الصين لبضعة أرباع، نظراً للحقن المالي والنقدي والائتماني الأخير من جانب الحكومة؛ ولكن هذا الحافز لن يسفر إلا عن إطالة أمد نموذج النمو غير المستدام الذي تتبناه الصين، والذي يستند إلى قدر أعظم مما ينبغي من الاستثمار الثابت والمدخرات وقدر أقل مما ينبغي من الاستهلاك الخاص.

ومن المتوقع في عام 2013 أن تتفاقم مخاطر الجانب السلبي التي تهدد النمو العالمي بفعل انتشار التقشف المالي إلى أغلب الاقتصادات المتقدمة. حتى وقتنا هذا، كان ثِقَل الركود المالي متركزاً في الدول الطرفية لمنطقة اليورو والمملكة المتحدة، ولكنه الآن بدأ يتغلغل إلى قلب منطقة اليورو. أما في الولايات المتحدة، فحتى إذا اتفق الرئيس باراك أوباما والجمهوريون في الكونجرس على خطة للميزانية تحرص على تجنب "الهاوية المالية" التي باتت تلوح في الأفق، فإن تدابير مثل خفض الإنفاق والزيادات الضريبية سوف تؤدي لا محالة إلى إعاقة النمو في عام 2013 ــ بنسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي على الأقل. وفي اليابان، سوف ينتهي العمل تدريجياً بالتحفيز المالي الذي تمثل في عمليات إعادة البناء بعد الزلزال، في حين يبدأ العمل تدريجياً بالضريبة الاستهلاكية الجديدة بحلول عام 2014.

وبالتالي فإن صندوق النقد الدولي محق تماماً في زعمه بأن التقشف المالي المعجل والمتزامن في أغلب الاقتصادات المتقدمة من شأنه أن يجعل آفاق النمو العالمي قاتمة في عام 2013. ما الذي يفسر إذن الاتجاه الصاعد في أسواق الأسهم الأميركية والعالمية؟

الإجابة بسيطة: فقد فتحت البنوك المركزية خراطيم السيولة من جديد، الأمر الذي أعطى دفعة قوية للأصول الخطرة. كما تبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جولة قوية مفتوحة من التيسير الكمي. وكان إعلان البنك المركزي الأوروبي عن برنامج "المعاملات السوقية الصريحة" سبباً في الحد من مخاطر اندلاع أزمة ديون سيادية على أطراف منطقة اليورو وانهيار الاتحاد النقدي. وانتقل بنك إنجلترا من التيسير الكمي إلى التيسير الائتماني، وعمل بنك اليابان بشكل متكرر على زيادة حجم عمليات التيسير الكمي.

كما بادرت السلطات النقدية في العديد من الاقتصادات المتقدمة والأسواق الناشئة الأخرى إلى خفض أسعار فائدتها. وفي ظل النمو البطيء، والسيطرة على التضخم، واقتراب أسعار الفائدة القصيرة الأجل من الصفر، والمزيد من التيسير الكمي، فإن أسعار الفائدة الأطول أجلاً في أغلب الاقتصادات المتقدمة تظل منخفضة (باستثناء الدول الطرفية في منطقة اليورو، حيث تظل المخاطر السيادية مرتفعة نسبيا). ليس من المستغرب إذن أن يندفع المستثمرون الذين يبحثون عن العائدات باستماتة إلى الأسهم، والسلع الأساسية، والأدوات الائتمانية، وعملات الأسواق الناشئة.

ولكن يبدو أن تصحيح السوق العالمية بدأ بالفعل الآن، نظراً لتوقعات النمو الهزيلة في المقام الأول والأخير. ومن ناحية أخرى، لا تزال أزمة منطقة اليورو بلا حل، على الرغم من التدابير الجريئة التي اتخذها البنك المركزي الأوروبي والحديث عن الاتحاد المصرفي والمالي والاقتصادي والسياسي. وعلى وجه التحديد، لا تزال اليونان والبرتغال وأسبانيا وإيطاليا في خطر، في حين يمتد الإنهاك الناتج عن عمليات الإنقاذ إلى قلب منطقة اليورو.

وفوق كل هذا، تنتشر حالة من عدم اليقين السياسي والتخطيطي ــ على الجبهات المالية، ، والضريبية، والتنظيمية وفيما يتصل بالديون. وفي الولايات المتحدة تتألف المخاوف المالية من ثلاث طبقات: خطر "الهاوية" في عام 2013 مع بداية العمل بالزيادات الضريبية والتخفيضات الهائلة للإنفاق تلقائياً إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي؛ وتجدد القتال الحزبي بشأن سقف الديون؛ والمعركة الجديدة حول التقشف المالي في الأمد المتوسط. وفي العديد من البلدان والمناطق الأخرى ــ على سبيل المثال الصين وكوريا واليابان وإسرائيل وألمانيا وإيطاليا وكاتالونيا ــ تعمل الانتخابات أو التحولات السياسية المرتقبة على زيادة حالة عدم اليقين فيما يتصل بالسياسات.

وثمة سبب آخر للتصحيح وهو أن التقييمات في أسواق الأسهم ممطوطة إلى حد كبير: فنسب الأسعار إلى المكاسب الآن مرتفعة، في حين تراخى نمو المكاسب عن كل سهم، وهذه النسب عُرضة للتأثر بالمزيد من المفاجآت السلبية مع بقاء النمو التضخم عند مستويات متدنية. ومع اشتداد حالة عدم اليقين والتقلب وارتفاع مخاطر الاحتمالات النادرة من جديد، فإن التصحيح قد يتسارع بشدة.

وهناك في واقع الأمر الآن قدر أعظم من عدم اليقين الجيوسياسي أيضا: فلا تزال مخاطر اندلاع مواجهة عسكرية بين إيران وإسرائيل مرتفعة حيث قد تعجز المفاوضات والعقوبات عن منع إيران من تطوير قدراتها في تصنيع الأسلحة النووية؛ ومن المحتمل أن تندلع حرب جديدة بين إسرائيل وحماس في غزة؛ هذا فضلاً عن تحول الربيع العربي إلى شتاء كئيب من عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي؛ وتعمل النزاعات الإقليمية في آسيا بين الصين وكوريا الجنوبية واليابان وتايوان والفلبين وفيتنام على تأجيج المشاعر القومية.

مع ميل المستهلكين والشركات والمستثمرين إلى توخي قدر أعظم من الحذر وتجنب المجازفة، بلغ الاتجاه الصاعد في النصف الثاني من عام 2012 ذروته ثم بدأ ينخفض. ونظراً لشدة مخاطر الجانب السلبي على النمو في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على السواء، فإن التصحيح قد يكون نذيراً بعواقب أسوأ بالنسبة لآفاق الاقتصاد العالمي والأسواق المالية في عام 2013.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

Hide Comments Hide Comments Read Comments (6)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedKapil Khetan

    Other than an un-useful litany of political woes, the only actual point made by Prof Roubini is that 'PE levels are high'. Really - using what lookback period? did that cover periods when rates were 1.6% for the 10Y point? what percentile are we at now for him to be concerned? is PE a sufficient metric - or should one complement with PB and PS as well? a little more fact and a little less opinion please

  2. CommentedTomoichiro Nakamaru

    I fully agree to your rather pessimistic view on the outlook for the world in general and Japan in particular.

    I myself have been pessimistic about the world economy and fed up with the status quo of Japan, which is characterized by deflation and stagnation of the economy.

    Let me suggest to you, however, that one should not underestimate Japan too much.

    To become like Japanese has been a fashionable global trend after a bubble burst. Needless to say, the Euro area has been struggling for about 4 years to avert euro crisis, and I suspect the area will be trapped in a vicious cycle in which lost decades like Japan will be likely to be repeated there as well. Who knows whether the politically divided US will continue to be immune to such Japanization disease after a burst of supper housing bubble in the US.

    Almost all economies are in so-called liquidity trap, and most politicians are obsessed with the excessive fiscal austerity measures. In this context, Japan has been clearly the front runner of the race.

    Nevertheless. I now see a different and rather optimistic picture for Japan in the future. As the latest Q3GDP showed, the economy is very depressed, and the external environment is rather severe and hostile as the recent Senkaku island dispute demonstrates. Paradoxically speaking, Japan has no choice other than to take expansionary monetary and fiscal policies, and strengthen the alliance between the US and Japan.

    Abe, who is expected to become the new leader next month, is a pro-growth advocate. His top priorities are three holds; stopping deflation, requesting 2 to 3% inflation target to BOJ, and promoting cost effective public works.

    Now, one could argue that such policy package will be shot-lived, and Japan will repeat stop and go policies, which has been tried and failed in vain. I will not rule out such possibility, and that is a reason why I wish to urge new government in Japan to adopt a 5% nominal GDP targeting policy together with the BOJ. Inflation targeting policy may not be enough, as the experience of the Fed shows.

    In any case, it seems to me that Japan at least will have a great opportunity in the near future to re-emerge as a leader of G-zero world. Please be reminded that Japan is the largest creditor in the world. What has been lacking so far over the lost two decades, is a good idea, as Mr. Keynes suggested in concluding the General Theory.

    I am looking forward to being shocked by a positive surprise in the near future. Underestimating the largest creditor in the world may turn out to be unwise and costly.

  3. CommentedVenu Madhav

    It appears that the winds of recession from the top of the market are saying " Heads I win! Tails You Lose!!" as any QE will not help and any austerity also seems to languish if not excoriate. It also appears the coming days will compel various economies to pitch for protectionism.

  4. CommentedProcyon Mukherjee

    When there is an output gap that plagues the global economy, central bank stimulus to increase output has partially helped to increase investment goods and prices (some of the commodities behaved like investment goods), while the consumption goods are still far from satisfactory, what we have missed to see is that none of this augured well to increase productive output as most other subsidies fail to achieve; the trading account of most large companies have shown a sharp slowing down. While this cannot be counteracted by further credit creation or direct intervention to buy assets (like the Chinese Reserve Bureau is doing in buying inventories, for example in metal, housing, etc) as these are not sustainable solutions either to the question of output, nor to productivity.

    While this is true, there is no lack of liquidity if one sees the balance sheet of large corporations, but which cannot be transformed into productive use.

    Procyon Mukherjee

  5. CommentedPaul A. Myers

    I think Roubini is a tad too pessimistic here. The French economy did not shrink, but grew slightly in Q3. The US economy is doing slightly better than he gives it credit for.

    The US economy is not going to do the fiscal cliff and will probably not even do austerity in 2013 since both sides in the fight have important "tradeables" to make a deal that is expansionary overall. Europe is stepping back from more austerity. The French have said, "Oui, nous avons une probleme structurelle." (I visit France every year and I am reasonably certain that a certain amount of lucrative financial activity is not fully reported to the Finance Ministry in Paris--Mon Dieur!)

    Today, the violence in Gaza is peaking and the US stock market went up 200 points. I think the Gaza incident is telling a lot of people that it is important to tamp down the violence. And all this talk about Israel attacking Iran at the end of the day is going to be just talk unless Israel wants to become the New Pariah State Number One.

    There's going to be a lot of growth in the next couple of years in the world economy; just where and who benefits is still up in the air, as it always is and always will be.

    I think the smart money will remain skittish about debt and wary about future inflation. And if there is future inflation, then debt looks shaky while shares in productive assets with pricing power look golden.

    I wish I knew the slope of the line tracking future interest rates, but alas, the gods have not chosen to confide in me. So I guess that the slope will be upward, increasing slowly as capacity comes out of the global system, and then some sort of power function. As they sang in the 1960s, cocaine swirling all around my brain; they tell me it will kill me but they won't say when!"

  6. Commentedarnim holzer

    While I agree with Professor Roubini's dire economic and political synopsis, I think the assertion that equity valuations are stretched is overstated and a bit late to the party. The scenario that has been created by brutal economic restructuring and poor policy actually could set up the world for a period of solid growth if policymakers take reasonable if not heroic steps. Equity prices and valuations have remained muted (when evaluated on longer term history, the 10-14 P/Es of major global equity indeces seem fair) over the past several years despite the historic Central Bank support because of the concerns over stagnation, global developed market fiscal profligacy, Chinese restructuring, and geopolitical stress. I would counter that these factors, have been present and discounted for quite some time, particularly when one alalyzes not just public equity performance but the lack of capital investment over the past 3-5 years. There is no crystal ball but a look into corporate balance sheets would seem to support equity and high quality bonds as a better place to invest than government bonds. When the global fiscal cliffs are negotiated more functionally the likely upside in confidence will support some recovery in private investment as well. This relationship is asymmetric enough that pessimism will prove to have been a bad bet. No one disagrees that the globe is in a bad place. But can we really make money from here thinking it will get much worse?

Featured