Monday, November 24, 2014
0

لا تغلقوا الباب في وجه أفريقيا

فيينا ـ في هذه الأيام لن يحملك الدولار مسافة طويلة في أيٍ من البلدان الغنية. ولكن في بلد فقير كسيراليون الذي أنتمي إليه، فقد ينقذ نصف دولار حياة إنسان أو يطعم أسرة كاملة. إن كل قرش يستثمر في أفريقيا اليوم له وزنه، ويشكل ضرورة قصوى لتأمين مستقبل أفريقيا.

ويجمع الخبراء على أن الأزمة المالية، وأزمة الغذاء والطاقة، سوف توجه أشد ضرباتها إلى "مليار القاع" ـ أفقر الفقراء في حوالي ستين دولة، والذين يعيش كل منهم على دولار تقريباً يومياً. وبسبب الأزمة فمن المرجح ألا يتمكن العديد من بلدان أفريقيا من تلبية الموعد النهائي المحدد بعام 2015 لتحقيق هدف الحد من الفقر، وهو الأهم بين الأهداف الإنمائية للألفية.

لقد حققت القارة بعض المكاسب الاجتماعية الاقتصادية على مدى العقد الماضي. ولقد رأيت هذا بنفسي أثناء رحلتي الأخيرة التي قمت بها إلى بنين، وغانا، وإثيوبيا، ومصر، وناميبيا، ونيجيريا، والسنغال، وجنوب أفريقيا. ومن بين هذه المكاسب على سبيل المثال لا الحصر: إصلاحات السوق الحرة، وتحرير الاقتصاد، والتعزيز المضطرد للبيئة المواتية للأعمال التجارية، وتمكين المرأة، والتعليم. ولكن أغلب هذه المكاسب أصبحت الآن مهددة إلى حد خطير.

لقد وجهت الأزمة المالية ضربة قوية للتحويلات المالية القادمة من الخارج. فالمهاجرون إما خسروا وظائفهم أو أنهم يكافحون من أجل توفير بعض النقود لإرسالها إلى أقاربهم في أوطانهم. وتشير أحدث التوقعات الاقتصادية العالمية الصادرة عن البنك الدولي إلى أن التحويلات المالية سوف تنخفض بنسبة 5% إلى 8% في هذا العام.

ولكن هذا لا يشكل سوى جزءاً ضئيلاً من عشرات الملايين التي يمكن تتبعها. فقد بدأت الشركات الأجنبية في سحب رؤوس أموالها، الأمر الذي يعني جفاف منابع تمويل الواردات والصادرات. فضلاً عن ذلك فإن التجارة في انحدار، ومعدلات البطالة، وخاصة بين الفئات المحرومة ـ الشباب والنساء ـ بلغت مستويات مذهلة. ففي سيراليون وحدها أصبح أكثر من 60% من شباب البلد عاطلين.

إن الفشل في مساعدة "مليار القاع" من شأنه أن يغذي الهجرات الجماعية وانعدام الأمن في العالم. ولا شك أن تجاهل أفقر بلدان العالم يعني تأجيل حدوث أزمة أضخم كثيراً، وهي الأزمة التي سوف تؤدي إلى المجاعة، والاضطرابات، والهجرات الجماعية. إن الفقر يعمل أيضاً كحاضنة للأمراض، وتدفق المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين سوف يحمل هذه الأمراض إلى البلدان الغنية.

إن الفقر ليس "مشكلتهم" فحسب، بل إنه مشكلتنا نحن أيضاً. وإذا انهارت البلدان النامية فسوف يبدأ الملايين في قرع أبوابنا الأمامية، وسوف تكون أوروبا بمثابة الميناء الأول الذي سيتكالب عليه هؤلاء الملايين. إن مثل هذه الهجرات الجماعية سوف تلحق الضرر الشديد بالعلاقات الاجتماعية المتوترة بالفعل في بعض البلدان وسوف تؤدي إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها. ولن يتسنى لنا إلا من خلال الاستجابة العالمية المنسقة أن نضمن في الأمد البعيد أن يقوم هؤلاء المليار من أفقر فقراء العالم بزيارة أوروبا كسياح وشركاء أعمال، وليس كطلاب للجوء السياسي.

ويتعين على أفريقيا أيضاً أن تضطلع بدورها في هذا الأمر. فهي تحتاج إلى الاستثمارات لكي تتحول بعيداً عن الاعتماد على أجندة قائمة على الجهات المانحة وعلى زراعة قائمة على الفلاحة البسيطة، كما يتعين على أفريقيا أن تتعلم كيف تتنافس على المستوى العالمي. ومن الممكن أن تعمل أفريقيا على توليد النمو المستدام من خلال التصنيع، وعن طريق إنشاء سوق موحدة. وتحتاج أفريقيا أيضاً إلى تعزيز الإنتاج والتجارة، والتوسع في المشاريع الزراعية والصناعات الزراعية، فضلاً عن خلق الثروات وتوفير فرص عمل جديدة. إن تنمية المشاريع التجارية الزراعية من شأنها أن تحفز النمو الاقتصادي على نطاق أكثر اتساعاً، وأن تعزز التجارة الإقليمية والأمن الغذائي وتحد من الفقر.

لقد كانت العولمة سخية مع العديد من الشعوب في العالم النامي. وفي هذه اللحظة الحاسمة لا يجوز لنا أن نسمح لهذه الحقيقة بأن تتلاشى. بل يتعين علينا أن نجعل هذه العملية أكثر شمولاً وأن نتأكد من:

·      استمرار الموارد المالية في التدفق على أفريقيا والعالم النامي حتى تتمكن هذه البلدان من الاندماج في الاقتصاد العالمي؛

·      تجنب تدابير الحماية والإبقاء على الأسواق مفتوحة؛

·      قدرة أفقر بلدان العالم على الإفلات من قبضة الفقر من خلال التجارة؛

·      تعزيز الحكم الصالح للموارد الطبيعية من أجل تغذية التنمية الأكثر اتساعاً وشمولاً.

إن الوفرة من الخبرات ذات الصلة القادمة من البلدان الصناعية الجديدة في آسيا وغيرها من المناطق من الممكن أن تبين للبلدان الأفريقية كيفية تنشيط اقتصادها، والتعجيل بعملية تكوين الثروات والحد من الفقر في القارة.

وأخيراً وليس آخراً، يتعين علينا أن ندرك أن التنمية بدون القدرة على الوصول إلى موارد الطاقة أمر غير وارد. إن هذه الأزمة من الممكن أن تساعد في صياغة توجه جديد: زيادة القدرة على الوصول إلى خدمات الطاقة المتجددة الميسورة التكاليف من أجل تعزيز التنمية المستدامة، ودعم كفاءة استخدام الطاقة لضمان عدم تسبب النمو الاقتصادي في رفع الطلب على الطاقة وتدهور البيئة وتغير المناخ.

إن أفريقيا تتمتع بإمكانيات هائلة في مجال الطاقة المائية، ولكن 7% فقط من هذه الإمكانيات مستغلة حتى الآن. ومن المعروف أن الاحتياطيات من الغاز الطبيعي في أفريقيا تصل إلى نحو 8% من الاحتياطيات العالمية. كما تمتلك أفريقيا 10% من الاحتياطيات العالمية من النفط. ولكن الأمر يتطلب استثمارات كبرى لتنمية كل من موارد الطاقة التقليدية وموارد الطاقة المتجددة.

ما زال من غير الواضح على وجه الدقة كم من التريليون دولار التي تعهدت بها مجموعة العشرين في قمة لندن سوف يجد طريقه إلى أفريقيا. ولهذا السبب فنحن بحاجة إلى الانتباه إلى الأرقام والاستمرار في تذكير قادة العالم باحتياجات هؤلاء الذين يعيشون في العالم النامي تحت ظلهم. وهذا من شأنه أن يرتب أولويات السياسة العالمية على النحو السليم، وأن يضع الاستراتيجيات في مكانها الصحيح سعياً إلى منع وقوع كارثة إنسانية ومساعدة أفريقيا في تأمين مكانها الذي يليق بها على ساحة الاقتصاد العالمي.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured