Saturday, November 22, 2014
0

لا تبكوا من أجل الدوحة

كمبريدج ـ تُرى هل يفعلون أم يمتنعون؟ هل يوقع وزراء تجارة العالم في النهاية على اتفاقية تجارية تعددية جديدة قادرة على تقليص الإعانات الزراعية وتخفيض التعريفات الصناعية، أم هل ينفض جمعهم دون التوصل إلى نتيجة كهذه؟ كانت هذه الملحمة مستمرة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2001، حين بدأت جولة المفاوضات الحالية في الدوحة بدولة قطر، وما ترتب على ذلك من مزايا وعيوب، ثم الإشراف على الانهيار، ثم الإضافات والملحقات.

ومرة أخرى فشلت الجولة الأخيرة من المحادثات في جنيف في التوصل إلى اتفاق. وإذا ما احتكمنا إلى الصحافة المالية وتصريحات بعض خبراء الاقتصاد فلابد أن ندرك أن المخاطر أعظم من كل تصوراتنا.

إذ أن النجاح في إتمام "جولة التنمية" المزعومة يعني انتشال مئات الملايين من المزارعين في البلدان الفقيرة من قبضة الفقر وضمان بقاء العولمة. والفشل يعني توجيه ضربة قاضية للنظام التجاري العالمي، وتعزيز خيبة الأمل في الجنوب والنـزعة إلى الحماية في الشمال. وكما سارعت المقالات التحريرية إلى تذكيرنا فإن النتائج السلبية سوف تكون ضخمة على نحو خاص بينما يئن النظام المالي العالمي تحت وطأة أزمة الرهن العقاري الثانوي وانزلاق الولايات المتحدة إلى الكساد.

ولكن إذا نظرنا إلى أجندة الدوحة نظرة أكثر حيادية فلسوف تأخذنا الدهشة إزاء كل هذه الضجة. لا أحد ينكر أن سياسات دعم المزارع في الدول الغنية تميل إلى تخفيض الأسعار العالمية، الأمر الذي يؤدي إلى تقلص دخول المنتجين الزراعيين في الدول النامية. ولكن بالنسبة لأغلب منتجات المزارع فإن إلغاء هذه الإعانات على مراحل من المرجح أن يؤدي إلى تأثيرات طفيفة على الأسعار العالمية ـ بضع نقاط مئوية على أفضل تقدير. وهذه نتيجة متواضعة مقارنة بالارتفاع الكبير في الأسعار الذي شهدته أسواق العالم مؤخراً، كما أن تلك التأثيرات سوف تضيع وسط التقلب الشديد الذي تتسم به هذه الأسواق عادة.

رغم أن ارتفاع أسعار منتجات المزارع العالمية يساعد المنتجين إلا أن ذلك يلحق أشد الضرر بالأسر الحضرية في الدول النامية، التي يعاني أغلبها من الفقر أيضاً. ولهذا كانت الارتفاعات الحادة الأخيرة في أسعار الغذاء سبباً في دفع العديد من البلدان المنتجة للغذاء إلى فرض قيود على التصدير، كما تسببت في إحداث حالة من الهلع بين الجهات المعنية بمكافحة الفقر في العالم.

إنه لمن الصعب أن نهدئ مثل هذه المخاوف بأن نزعم أن جولة الدوحة قادرة على انتشال عشرات بل ومئات الملايين من الفقر. إن أفضل ما يسعنا أن نقوله هو أن إصلاح نظام المزارع في الدول الغنية من شأنه أن يشكل نعمة ونقمة في آن بالنسبة لفقراء العالم. إذ أن المكاسب الواضحة لن تعود إلا على القليل من السلع الأساسية، مثل القطن والسكر، والتي لا تستهلك بكميات ضخمة في الأسر الفقيرة.

أما أكبر الفائزين نتيجة لإصلاح نظام المزارع في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبعض البلدان الغنية فهم دافعو الضرائب والمستهلكون، الذين ظلوا لمدة طويلة يتحملون تكاليف توفير الإعانات وسبل الحماية التي يتلقاها مواطنوهم من المزارعين. ولكن يتعين علينا أن ندرك تمام الإدراك أننا نتحدث هنا عن إصلاح السياسات الداخلية وإعادة توزيع الدخل على المستوى المحلي. وقد يؤدي ذلك إلى نتائج طيبة فيما يتصل بالكفاءة، بل وحتى تقليص التفاوت بين الناس. ولكن هل ينبغي أن يكون ذلك هو الشغل الشاغل الأساسي لمنظمة التجارة العالمية؟

ماذا عن التعريفات الصناعية؟ لقد طالبت الدول الغنية بتطبيق تخفيضات حادة في التعريفات المفروضة على الاستيراد في الدول النامية مثل الهند والبرازيل في مقابل إلغاء الإعانات الزراعية في الدول الغنية على مراحل. (أما لماذا يتعين على الدول الغنية أن ترتشي من قِـبَل الدول الفقيرة حتى تفعل ما هو في صالحها، فهو أمر يحيطه الغموض حتى الآن). ولكن هنا أيضاً سنجد أن الفوائد المحتملة ضئيلة للغاية. إذ أن التعريفات المطبقة في الدول النامية، رغم أنها أعلى من نظيراتها في الدول المتقدمة، إلا أنها الآن أقل من أي وقت مضى فعلياً.

وطبقاً لتقديرات البنك الدولي، فإن الإلغاء التام لكل القيود التجارية المفروضة على السلع من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى تعزيز دخول البلدان النامية بما لا يزيد على 1%. بل إن التأثير على دخول الدول المتقدمة سوف يكون أقل. وبطبيعة الحال فإن جولة الدوحة لن تنجح إلا في تقليص هذه الحواجز وليس إزالتها بالكامل.

لقد ارتكزت جولة الدوحة إلى أسطورة مفادها أن أجندة المفاوضات التي تركز على الزراعة سوف تشكل "جولة تنمية". ولقد منح ذلك الأطراف الرئيسية ما كانت ترغب في الحصول عليه. فقد منح حكومات الدول الغنية، ثم مدير عام منظمة التجارة العالمية مايك موور، الفرصة لاكتساب موقف أخلاقي أفضل من موقف المحتجين المناهضين للعولمة. كما منح الولايات المتحدة المعول الذي تستطيع به تقويض السياسة الزراعية المشتركة في الاتحاد الأوروبي. كما كان ذلك المفهوم مفصلاً لخدمة عدد قليل من الدول النامية ذات الدخول المتوسطة (مثل البرازيل والأرجنتين وتايلاند) التي تُـعَد من بين كبار مصدري السلع الزراعية.

بيد أن أسطورة جولة "التنمية"، التي روج لها المسؤولون التجاريون وخبراء الاقتصاد الذين تبنوا "النظرية الثنائية" في المفاوضات التجارية ـ أو اعتبار النظام التجاري غير قادر على البقاء والاستمرار إلا في ظل التقدم المستمر في عملية التحرير التجاري ـ كانت ذات نتائج عكسية، لأن الولايات المتحدة والدول النامية الرئيسية وجدت صعوبة كبيرة في تحرير قطاعات الزراعة لديها. والذي أدى في النهاية إلى انهيار جولة المفاوضات الأخيرة كان رفض الهند للقواعد الصارمة التي شعرت بأنها سوف تعرض صغار مزارعيها للخطر.

والأهم من ذلك أن المخاوف التي تؤسس للنظرية الثنائية مضخمة إلى حد كبير. فنحن نعيش في ظل أشد الأنظمة التجارية تحرراً في التاريخ، ليس لأن منظمة التجارة العالمية تفرض ذلك النظام، بل لأن عدداً من البلدان المهمة ـ الغنية والفقيرة على السواء ـ وجدت أن تبني قدر أعظم من الانفتاح يصب في مصلحتها.

إن المخاطر الحقيقية تكمن في موضع آخر. فمن جانب هنالك خطر تحقق مزاعم أنصار التشاؤمية ـ والذي يتلخص في تسبب المسؤولين التجاريين والمستثمرين في تحويل سيناريو الهلاك إلى حقيقة واقعة نتيجة لاستسلامهم للهلع. ومن ناحية أخرى هناك الخطر المتمثل في فشل "جولة التنمية" المكتملة في تلبية التوقعات المرتفعة التي أحدثتها، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تآكل شرعية قواعد التجارة العالمية على الأمد البعيد. وفي النهاية فقد يكون المزاج النفسي والتوقعات، وليس النتائج الاقتصادية الحقيقة على الأرض، من أهم العوامل في تحديد النتائج النهائية.

لذا، لا ينبغي لنا أن نتباكى على جولة الدوحة. إذ أنها لم تكن قط "جولة تنمية"، وليس من المرجح أن يبدو عالم الغد مختلفاً عن عالم الأمس.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured