Saturday, August 30, 2014
0

هل يضمن انخفاض أسعار الفائدة ارتفاع أسعار الأصول؟

في الآونة الأخيرة ارتفعت أسعار الأصول ـ السندات والعقارات التجارية وحتى النفط ـ إلى مستويات تاريخية في كافة أنحاء العالم. وعلى الرغم من أننا كنا نستطيع من خلال استقراء التاريخ عادة أن نتوصل إلى توقعات دقيقة إلى حد كبير بشأن التوجهات المستقبلية، إلا أنه من حين إلى آخر يتغير عنصر جوهري على نحو يؤدي إلى نشوء نمط جديد. لكن المسألة المهمة هنا هي ما إذا كان ارتفاع أسعار الأصول اليوم كان نتيجة لبعض من هذه التطورات الجوهرية، أو ما إذا كان الأمر برمته مجرد فقاعات لا أساس لها.

من بين المبررات التي كثيراً ما تُـذْكَر لارتفاع أسعار الأصول أن أسعار الفائدة على القروض طويلة الأجل (المعدلة وفقاً للتضخم) منخفضة للغاية. ولكن يتعين على المستثمرين أن يتوخوا الحذر الشديد في التعامل مع هذه الحجة. فقد تبدو معقولة ظاهرياً، لكنها ليست حاسمة أو مقنعة، والأكثر أهمية من هذا هي أنها لا تضمن لنا ما إذا كانت الأسعار المرتفعة سوف تظل مرتفعة على نحو مستديم.

مما لا شك فيه أن أسعار الفائدة الحقيقية على القروض طويلة الأجل قد انخفضت على نحو ملحوظ ـ ليس على نحو فجائي أو في الآونة الأخيرة فقط، ولكن بمعدل ثابت إلى حد كبير لأكثر من عشرين عاماً. وطبقاً لتقارير صندوق النقد الدولي، فإن أسعار الفائدة الحقيقية على القروض طويلة الأجل قد بلغت قمة ارتفاعها عند ما يقرب من 7% في المتوسط في عام 1984، ثم انخفضت إلى ما يقل عن 2% بحلول عام 2004. ولقد شهدت تلك الفترة بعض الارتفاعات والانخفاضات، لكن الاتجاه الإجمالي كان إلى انخفاض، وكان حجم الانخفاض مذهلاً ـ حوالي خمسة نقاط في المائة.

ولقد زعم بن بيرنانك، رئيس مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس جورج دبليو بوش والمرشح المحتمل لخلافة ألان جرينسبان كرئيس لبنك الاحتياطي الفيدرالي في شهر يناير القادم، أن انخفاض أسعار الفائدة الحقيقة خلال العقد الماضي فقط راجع إلى "تخمة أو وفرة في الادخار على مستوى العالم". لكننا لا نستطيع أن نقول إن الادخار على مستوى العالم اليوم أصبح "أكثر مما ينبغي"، بل الحقيقة أن حجم المدخرات كان مرتفعاً إلى الحد الكافي لجعل العوائد، إذا ما قيست بأسعار الفائدة الحقيقية، تنخفض إلى حد كبير عما كانت عليه ذات يوم من قبل. في خطابه الذي ألقاه بيرنانك في شهر مارس من عام 2005، زعم أن هذه "التخمة" تساعدنا في تفسير العديد من مظاهر الاقتصاد الأميركي، بما في ذلك العجز المالي والتجاري الهائل الذي يشهده الآن.

إن انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية على القروض طويلة الأجل يعني أن الأصول طويلة الأجل التي تدر الآن على سبيل المثال مائة دولار سنوياً كانت قيمتها الحقيقية 1429 دولاراً في عام 1984، إذا ما كان عائدها 7% سنوياً، ولكن ما دام عائدها 2% فقط سنوياً فلابد وأن قيمتها الحقيقة الآن تساوي 5000 دولار. وعلى هذا فإن انخفاضاً بهذا الحجم في أسعار الفائدة على القروض طويلة الأجل قد يعني ضمناً تضخماً كبيراً في الأسعار الحقيقية للأصول، على النحو الذي يبرر الأسعار المرتفعة التي نشهدها الآن في الواقع.

وبهذا تكون القضية قد أغلقت في نظر بعض المدافعين عن الاستثمارات ذات التكلفة الضخمة.

لكن هذه القضية تحمل بعض الثغرات. ذلك أننا من الضروري أن نبحث في أسباب ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية على نحو ملحوظ منذ عشرة أو عشرين عاماً عما هي عليه اليوم، وأن نتفكر ملياً فيما تحمله هذه الحقيقة من معانٍ، كما يتعين علينا أيضاً أن نبحث في التاريخ الأكثر اتساعاً لأسعار الأصول والعلاقة بينها وبين بأسعار الفائدة الحقيقية.

منذ عشرين عاماً كانت أسعار الفائدة الحقيقية قصيرة الأجل مرتفعة على نحو استثنائي طبقاً للمعايير التاريخية، وذلك لأن البنوك المركزية الكبرى في العالم كانت ترغب في مقاومة ما كان يُـنْـظَر إليه في ذلك الوقت باعتباره تهاوناً أو تراخياً في مواجهة التضخم المتصاعد.

ولقد تطلب الأمر شجاعة كبيرة ـ أو تهوراً كبيراً، وفقاً لوجهة نظرك ـ من رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي للولايات المتحدة بول فولكر لإيقاع العالم في حالة من الركود الاقتصادي خلال 1981-1982 سعياً إلى إنهاء حالة التضخم. لقد كان ذلك الركود الاقتصادي مدمراً، لكنه كان يحمل معه خيراً مغلفاً: حيث كان بمثابة الإلهام بالنسبة للعالم بأن أي بنك مركزي مستقل يستطيع اتخاذ تدابير وإجراءات قاسية بهدف ضمان استقرار الأسعار.

ولكن على الرغم من أن الركود الاقتصادي الذي عم العالم في تلك الف��رة أدى إلى انخفاض معدلات التضخم بسرعة كبيرة، إلا أن أسعار الفائدة الاسمية على القروض طويلة الأجل لم تنخفض بنفس السرعة، ذلك أن أسواق العالم لم تكن قد اقتنعت بعد. وعلى هذا فقد ظلت أسعار الفائدة الحقيقية على القروض طويلة الأجل مرتفعة إلى حد كبير في منتصف الثمانينيات. ثم بالتدريج، وبعد أن أصبح المقرضين على ثقة متزايدة بأن معدلات التضخم المنخفضة سوف تظل على انخفاضها خلال الأعوام التالية، بدأت أسعار الفائدة الحقيقية على القروض طويلة الأجل في الانخفاض.

لكن هذا التاريخ يعني أن أسعار الفائدة الحقيقية على القروض طويلة الأجل لم تكن مرتفعة خلال فترة الثمانينيات وفقاً لمعاييرنا الحالية، وذلك لأن توقعات التضخم على الأمد البعيد كانت أعلى كثيراً من معدلات التضخم لعام واحد في ذلك الوقت. ولابد أن حاملي السندات طويلة الأجل على سبيل المثال قد تصوروا في ذلك الوقت أن معدلات التضخم سوف تعود إلى الارتفاع الشديد بعد أن انتهت التأثيرات التي خلفتها فترة الركود الاقتصادي العالمي في الفترة 1981-1982.

خلال فترة الثمانينيات لم تكن أسواق السندات المرتبطة بالتضخم قد نضجت بعد. لكننا نعرف أن أكثر الأسواق نضوجاً في هذا المجال (في المملكة المتحدة) كانت في عام 1984 تحدد أسعار القائدة الحقيقة على القروض طويلة الأجل بحوالي 3% فقط ـ وهو ما يقل كثيراً عن النسبة التي حددها صندوق النقد الدولي في ذلك الوقت.

وحتى إذا كان لنا أن نسلم جدلاً بأن الأسعار الحقيقية كانت مرتفعة إلى حد كبير في منتصف الثمانينيات، فلابد وأن يكون الاستنتاج المنطقي أن أسعار أسواق السندات والإسكان كانت أكثر انخفاضاً في فترة الثمانينيات، لا أن ترتفع الأسعار الحقيقية إلى هذا الحد الهائل في عام 2005.

والحقيقة أننا إذا ما نظرنا على نحو أكثر تعمقاً إلى أسعار الفائدة الحقيقة في الولايات المتحدة، فكان حسابنا لها من خلال طرح نسبة تضخم العام السابق من العائد الاسمي للسندات الحكومية، فلسوف نكتشف أنه على الرغم من أن أسعار الفائدة الحقيقة أكثر انخفاضاً مما كانت عليه منذ عشرين عاماً، إلا أنها ليست منخفضة وفقاً للمعايير التاريخية. وذلك لأن متوسط سعر الفائدة الحكومية الحقيقية على القروض طويلة الأجل في الفترة من 1891 وحتى 1979 ـ وهي الفترة التي انتهت مباشرة قبل الارتفاع الهائل الذي حدث في تكاليف الإقراض على يد فولكر ـ  كان مجرد 1.25%، وهو معدل قريب للغاية من أسعار الفائدة الحقيقية على القروض طويلة الأجل اليوم.

باختصار، لا ينبغي لنا أن نستنتج الكثير من انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية على القروض طويلة الأجل طيلة العشرين سنة الماضية. فمن الثابت تاريخياً أن الأسعار الحقيقة قد شهدت الكثير من التذبذبات التي لم تؤثر كثيراً على أسعار الأصول. وأياً كانت الفوائد الأخرى التي قد تصاحب الأسعار المنخفضة التي نشهدها في كل مكان من العالم الآن، فإننا لا نستطيع أن نعتمد عليها كضمان ضد الانخفاضات الحادة في أسعار الأصول في المستقبل.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured