Friday, July 25, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
3

تفاوت ديمقراطي

شيكاغو ــ تُرى لماذا هبطت معدلات ادخار الأسر في الولايات المتحدة إلى مستويات متدنية للغاية قبل أزمة الركود الأعظم؟ يقدم لنا اثنان من زملائي في جامعة شيكاغو، ماريان برتراند وأدير مورس، إجابة مثيرة للاهتمام: التفاوت المتنامي بين الدخول.

فقد وجد برتراند ومورس أنه في الأعوام السابقة للأزمة، وفي المناطق (الولايات عادة) حيث كان الاستهلاك عالياً بين الأسر المنتمية إلى الخمس الأعلى من توزيع الدخول، كانت معدلات الاستهلاك عالية بين مستويات الدخل المنخفضة أيضا. وبعد استبعاد عدد من التفسيرات المحتملة، خلصا إلى أن الأسر الأكثر فقراً قلدت أنماط الاستهلاك التي تبنتها الأسر الأكثر ثراءً في مناطقها.

وبما يتفق مع فكرة مفادها أن الأسر عند مستويات الدخل المنخفضة كانت "تواكب الأسر الثرية، فإن غير الأسر غير الثرية (ولكنها ليست فقيرة حقا) التي تعيش بالقرب من مستويات الإنفاق العالية التي يتسم بها المستهلكون الأثرياء كانت تميل إلى إنفاق الكثير على سلع تستهلكها الأسر الأكثر ثراءً عادة، مثل المجوهرات، ومستلزمات التجميل واللياقة البدنية، والخدمات المحلية. والواقع أن العديد من الأسر كانت تقترض لتمويل إنفاقها، وكانت النتيجة أن نسبة الأسر الأكثر فقراً التي تعاني من الضائقة المالية أو التي تقدمت بطلبات لإعلان إفلاسها كانت أعلى كثيراً في المناطق حيث يكسب الأثرياء (وينفقون) أكثر. ولولا هذا الاستهلاك الناتج عن التقليد، فإن الأسر غير الثرية كانت لتدخر في المتوسط أكثر من 800 دولار سنوياً في الأعوام الأخيرة.

وهذه واحدة من أوائل الدراسات التفصيلية للتأثيرات السلبية المترتبة على التفاوت بين الدخول التي اطلعت عليها. فهي تذهب إلى ما هو أبعد من الحديث عن شريحة الـ1% الآسرة للعناوين الرئيسية في الصحف لكي تثبت أن حتى مظاهر التفاوت وعدم المساواة اليومية التي يواجهها أغلب الأميركيين ــ ولنقل بين دخول القراء القياسيين لهذا التعليق وبقية القراء ــ تخلف تأثيرات ضارة عميقة.

وما يثير الاهتمام بنفس القدر ذلك الارتباط الذي وجدته الدراسة بين تفاوت الدخول والسياسة الاقتصادية في مرحلة ما قبل الأزمة. إن نواب الكونجرس من المناطق التي تتسم بمستويات تفاوت أعلى في الدخول كانوا أكثر ميلاً إلى التصويت لصالح التشريع بتوسيع الائتمان الأسري بحيث يمتد إلى الفقراء في الأعوام التي سبقت الأزمة (كل الديمقراطيين تقريباً صوتوا لذلك التشريع، الأمر الذي يجعل من الصعب تمييز دوافعهم). وكان تأثير الإنفاق من جانب الأسر الثرية على إنفاق الأسر غير الثرية أعلى في المناطق حيث يمكن لأسعار المساكن أن تتحرك إلى الارتفاع، وهذا يشير إلى أن الائتمان الإسكاني والقدرة على الاقتراض في مقابل ارتفاع قيمة المساكن ربما كان من الأسباب التي دعمت إفراط غير الأثرياء في الاستهلاك.

ولكن أكثر ما لفت نظري كان الفارق في استجابة المشرعين للتفاوت بين الناس الآن وفي الماضي. ففي دراسة للتصويت في الكونجرس الأميركية على قانون ماكفادن في عام 1927، والذي سعى إلى تعزيز المنافسة في مجال الإقراض، وجدت أنا ورودني رامشاران من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أن المشرعين من المناطق حيث التوزيع غير المتساوي بدرجة عالية لملكيات الأراضي ــ كانت الزراعة المصدر الرئيسي للدخل في العديد من الناطق آنذاك ــ كانوا يميلون إلى التصويت ضد القانون. إن المزيد من التفاوت دفع المشرعين، على الأقل في هذه الحالة، إلى تفضيل المنافسة الأقل والتوسع الأقل في مجال الإقراض. كما وجدنا أن المقاطعات التي تتسم بقدر أقل من المنافسة بين البنوك شهدت طفرة أكثر اعتدالاً في الأراضي الزراعية، وبالتالي كانت أقل تضرراً في الأعوام التي سبقت أزمة الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين.

إن الدرس الواضح الذي يتعين علينا أن نستخلصه من كل هذا يتلخص في ضرورة إدراك أهمية العواقب غير المقصودة. ففي أوائل القرن العشرين، كان من الممكن أن يتملك أصحاب الأراضي الأثرياء في أي من المقاطعات البنوك المحلية أيضا، أو أن يكونوا على علاقة مع أصحاب البنوك. ولقد استفادوا من تقييد المنافسة والتحكم في القدرة على الحصول على التمويل.

كان النواب يصوتون بالنيابة عن أصحاب المصالح القوية في مناطقهم. وكانوا يفضلون تقييد المنافسة في أسواق الائتمان ليس من منطلق اهتمامهم بالمزارعين غير العالمين بما يجري من حولهم، بل من أجل حماية أرباح المقرضين الأقوياء. ولقد نجح ذلك، ولكن التأثير الجانبي غير المقصود كان يتلخص في حماية هذه المناطق من الانجراف مع السُعار المالي.

ولكن لماذا تصرف المشرعون في القرن الحادي والعشرين على نحو مختلف؟ الواقع أن وجهة النظر الساخرة والمتزايدة الشعبية تتلخص في أن المشرعين كانوا مرة أخرى يصوتون لصالح محافظهم ــ من المفترض أن كل التشريعات المالية التي صدرت أثناء الفترة السابقة لأزمة 2008 كانت مدفوعة بشهية القطاع المالي إلى المزيد من العملاء من أجل لالتهام القروض العويصة وقروض الرهن العقاري المثيرة للشكوك.

ولكن إذا كان التصويت خاضعاً لنفوذ القطاع المالي، فإن حزب الأثرياء (الحزب الجمهوري) كان من المفترض أن يصوت لصالح مشروع القانون. ولكن أعضاء الحزب الجمهوري انقسموا بدلاً من ذلك حول أي من المجموعات الانتخابية غير الثرية كانت أكثر رغبة في الحصول على التمويل. ويبدو أن المشرعين في القرن الحادي والعشرين كانوا أكثر ديمقراطية، فاستجابوا لرغبات ناخبيهم التي ربما كانت مضللة، بدلاً من التركيز على تحقيق رغبات أصحاب المصالح المالية القوية في المقام الأول.

وكما يؤكد برتراند ومورس، فبمجرد اتضاح العواقب غير المقصودة المترتبة على تصرفاتهم ــ المزيد من الإكراه المالي لغير الأثرياء بعد الأزمة ــ تحرك المشرعون في المناطق الأكثر تفاوتاً ضد القطاع المالي لحماية ناخبيهم، فصوتوا لوضع حدود لأسعار الفائدة التي يتقاضها مقرضو "يوم الدفع" (الذين يقرضون المقترضين المثقلين بالديون من ذوي الدخول المنخفضة بأسعار فائدة مرتفعة للغاية). ومن المؤكد أن مثل هذه التشريعات سوف تؤدي إلى عواقب غير متوقعة، والتي سوف تكشف عنها الدراسات في المستقبل، ولكن القصد من وراء هذا من الغير الممكن أن يصبح موضع شك.

لا ينبغي لنا أن نخرج من هذه الوقائع وقد تصورنا أن زيادة القدرة على الوصول إلى التمويل أمر سيئ. ففي عموم الأمر يكون توسع هذه القدرة مفيدا (ولكن ليس قبل وقوع أزمة!)، ولكن التمويل أداة قوية يجب استخدامها بحكمة. فالقدرة على الوصول إلى التمويل أمر طيب؛ ولكن الإفراط في ذلك أمر سيئ.

ولكن هناك نقطة أكثر أهمية: فرغم وجود العديد من الثغرات بين القصد من التشريع والنتائج المترتبة عليه، فيبدو أن المشرعين في نهاية المطاف يهتمون بشكل أكبر بناخبيهم الأقل مالاً مقارنة بحالهم في الماضي. لقد أصبحت الديمقراطية أكثر قوة. وهي حقيقة مشجعة في هذه الأوقات العصيبة التي نمر بها.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedProcyon Mukherjee

    In sum the article portrays the pre-crisis economic policies having a linkage with legislators’ predilection to expansionary policies, which is good up to a point when such an expansion does not lead to an excess. The reference to competition in credit markets and how legislators preferred less of it in the past while the current milieu had gone many steps forward could be a matter of debate as there is research to prove in the seminal paper ‘Lobbying and the financial crisis’ http://www.nber.org/papers/w17076, that “lending by politically active lenders played a role in accumulation of risks and thus contributed to the financial crisis.” I therefore would reserve the judgment that ‘the intent behind cannot be doubted’.

    Procyon Mukherjee

  2. CommentedADS Analytics

    Another culprit behind the depletion in savings is the stagnant disposable income (see chart) that has failed to keep up with increased productivity.

    http://www.adsanalytics.com/dashboard/docs/dashboard.php?treepage=tree_definition_main.php&chart=chart_hh_rdi

    ADS Analytics

  3. CommentedZsolt Hermann

    On hand hand it is good that the general politician response to the crisis was more democratic than in the last century.

    On the other hand the inequality problem and its root cause is much more widespread than the article suggests.

    Today the imitating spending is global, as we are not looking at our local neighbours, but we are soaking in the pleasures and desires of the whole world through the media, Internet and entertainment industry.

    And this makes us so addicted to the consumption that we became like alcoholics, even when we hear again and again that most of the desired products are completely useless, harmful, and we have to become slaves to the banks to get them, and that this whole over the top production/consumption machinery is self destructing we still cannot stop.

    Simple financial adjustments, or "nicer" local politicians will not be able to solve our problem since it originates from our basic human nature, where the inherently more selfish, greedy top layer of the population purposefully manipulates the masses to consume the products they do not really need for money they do not really have, thus becoming completely slaves to the system. But the greedy system stumbled over a certain peak recently, and now the system is falling apart as even the middle class is losing money, status, employment and confidence, moreover the constant growth system has also exhausted itself.

    At the moment we are looking at a frozen picture without possible upward movement, with the totally unfair and vast inequality carved into it. And the manipulators have run out of means to cover up the falseness, the make up has come off.

    The demonstrations of the last year are just the beginning, as soon as the present cosmetic attempts evaporate the public anger will be even stronger.

    Instead of waiting for very unpredictable and possibly volatile scenarios, the different public layers should start talking to each other, honestly taking each other into consideration and start building a completely new human system that can avoid all the mistakes and crimes of the past in a mutual and socially equal manner.

Featured