9

قدرة رجال العصابات في امريكا اللاتينية على التكيف

بوجوتا – ان العديد من دول امريكا اللاتينية قد حققت مكاسب مهمة في بناء قدرات الدولة وتقوية الديمقراطية في العقود الاخيرة ولكن ما تزال شبكات الجريمة – العلاقات الراسخة بين العملاء القانونيين وغير القانونيين المنخرطين في نشاطات الجريمة المنظمة- تلعب دورا كبيرا في الاقتصادات الرسمية وغير الرسمية لتلك البلدان ومؤسساتها السياسية مما يمزق النسيج الاجتماعي ويهدد احراز المزيد من التقدم .

ان الشبكات الاجرامية تشوه اهم مصادر التغيير : العولمة والتقنية والاسواق المفتوحة والتعاون الاقليمي والديمقراطية وفي ظل وجود مؤسسات ضعيفة وانعدام المساواة المستمر والمستويات العالية من التهميش والاقصاء فلقد ظهرت فرص نمو جديدة للجريمة المنظمة. ان امريكا اللاتينية تتمتع بديمقراطية ( رسمية ) افضل ودخل اكبر من التجارة الاجنبية وطبقة وسطى اكبر وتقنية اكثر تقدما مقارنة بعشرين سنة مضت ولكن زادت الجريمة المنظمة كذلك .

ان هذه الشبكات تتجاوز المؤسسات الرسمية من اجل  الاستفادة من التغيرات الحاصلة في العقود الاخيرة حيث تستغل الثغرات في النظام العالمي واوجه الضعف في ديمقراطيات امريكا اللاتينية وكنتيجة لذلك قامت بالتوسع ضمن الاسواق الدولية مستفيدة من نظام علاقات خارج نطاق القانون مبني على اساس المحسوبية والفساد وبدلا من مقاومة التغيير قامت الشبكات الاجرامية بالتكيف مع قوى التحديث والعصرنة من اجل تحقيق مكاسب لتلك الشبكات.

ان الفصائل الاجرامية – سواء الكارتيلات في المكسيك او عصابات الاجرام في كولومبيا أو "المغاوير "  في البرازيل – تمثل الجزء الاكثر ظهورا من تلك الشبكات. ان التكاملية مبنية على اساس علاقات معقدة تربط بين العالم القانوني مع العالم غير القانوني بما في ذلك السياسيين والقضاة والمدعيين العاميين والذين لديهم استعداد لتغيير الاحكام مقابل المال والشرطة والعسكر المنخرطين في النشاطات غير القانونية ورجال الاعمال الذين يقومون بغسيل الاموال .

ان قوة الشبكات الاجرامية تعتمد على الناس والمؤسسات- على جميع مستويات المجتمع- والتي تتواصل مع الاسواق غير القانونية عندما يكون ذلك ملائما فهي تتوسع محليا وعالميا من اجل اشباع الطلب في السوق وذلك عن طريق توفير البضائع والخدمات غير الشرعية والتي تحتاجها المجتمعات.

ان الدخول التي تجنيها الاسواق غير القانونية ضخمة بحيث تتنافس في حجمها مع اكثر السلع القانونية نجاحا في امريكا اللاتينية. انظر فقط الى الارباح من مبيعات الكوكايين في امريكا الشمالية والتي يبلغ اجمالها طبقا لمكتب الامم المتحدة للمخدرات والجريمة 35 بليون دولار امريكي علما ان هناك ارباح اضافية تبلغ 26 بليون دولار امريكي تم جنيها في اوروبا الغربية والوسطى.

ان غالبية تلك العائدات احتفظت بها المنظمات الاجرامية في البدان الغنية ويتم غسلها من قبل المصارف في المراكز الدولية العالمية مع عودة مبالغ صغيرة لامريكا اللاتينية. طبقا للاكاديميين الكولمبيين اليخاندرو جافيريا ودانيل ميخا فإن ما نسبته 2،6% فقط من اجمالي قيمة الكوكايين الكولومبي الذي يباع في الشارع يعود للبلاد وفي المكسيك قدر تقرير نشر مؤخرا في مجلة نيكسوس ان اجمالي المبالغ التي تدفعها الجريمة المنظمة لشراء الذمم هو 8 بليون دولار امريكي في السنة وهو مبلغ صغير من اجمالي الارباح ولكنه يكفي لشراء ذمم الشرطة الذين يتلقون رواتب بسيطة ورشوة المسؤولين الحكوميين والتأثير على الاقتصادات المحلية.

ان توسعة الشبكات الاجرامية لا تحدث عبر الحدود فحسب فلقد نمت الاسواق غير القانونية داخل البلدان كذلك. ان البرازيل هي ثاني اكبر مستهلك للكوكايين في العالم بالارقام المطلقة والارجنتين لديها اعلى معدل انتشار في العالم طبقا لارقام مكتب الامم المتحدة للمخدرات والجريمة كما ان الابتزاز يزداد ايضا في امريكا الوسطى والتعدين غير القانوني يشهد انتعاشا وازدهارا في كولومبيا حيث اصبح الذهب الكوكايين الجديد نظرا لانه سهل التسويق مع وجود مخاطر اقل.

ان العنف هو العملة الاخرى المتداولة في امريكا اللاتينية. اذا استثنينا بعض مجموعات حرب العصابات فإن الجريمة المنظمة هي اللاعب الاستراتيجي الوحيد في المنطقة والتي لديها القدرة على منازعة الدولة في احتكارها للاستخدام الشرعي للقوة. اذا اخذنا بعين الاعتبار غياب الاشكال القانونية للوساطة تقريبا فإن العنف يبقى اللغة المتسخدمة م�� قبل الشبكات الاجرامية من اجل حل المنازعات . عندما لا ينفع الفساد والتحالفات مع المسؤولين العامين فانها تواجه مؤسسات الدولة بشكل مباشر.

ان معظم دول امريكا اللاتينية تتجاوز بشكل كبير  عتبة العشر جرائم قتل لكل مائة الف نسمة وهي الرقم الذي تحدده منظمة الصحة العالمية من اجل تصنيف مستوى العنف على انه "وبائي". ان دول مثل هندرواس والسلفادور وجواتيمالا فيها اعلى معدل لجرائم القتل في العالم نظرا للكثافة الكبيرة للهياكل الاجرامية . يبدو ان هوس السياسيين بفرض حكم القانون من خلال القبضة الحديدية يجلب المزيد من انعدام الامن فقط لمواطنيهم.

ان كسر السلطة المشوهة لتلك الشبكات الاجرامية يتطلب اولا  التعامل مع التشوهات التي تطيل من امدها : الحرب الفاشلة على المخدرات وتجريم المستهلكين وزيادة خصخصة الامن واجهزة الشرطة التي تعيد انتاج العنف والجريمة بدلا من تخفيضها والسجون التي تصقل المهارات الاجرامية للجناة والانظمة القضائية التي تضحي بضحايا الجريمة .

ان الحل في نهاية المطاف هو بناء مؤسسات ديمقراطية قوية لدرجة التخفيف من العنف وحماية المواطينين وهذا يتطلب بدوره ان يقوم القادة السياسيين بمحاولة خيارات جديدة وان تتولى المجتمعات مسؤولية اكبر فيما يتعلق بمصيرها . ان بإمكان حكومات امريكا اللاتينية ومواطنيها الاعتراف بوجود التشوهات والتعامل معها في تفكيرهم او بإمكانهم ان يبقوا سائرين على درب الفساد والعنف والذي سوف يؤدي الى تآكل الدول والمواطنين كذلك .