Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

الديمقراطية، شرف ومسؤولية

لا يكاد يمر يوم لا نسمع فيه خبر استقالة وزير أو وزيرة في مكان ما. ولا يبدو هذا الأمر مفاجئاً البتة، إذ توظف البلدان الخمسة والعشرون الأعضاء في الاتحاد الأوربي وحدها ما يزيد عن ألف وزير ناهيك عن مضاعفة هذا العدد في حال ضممنا الوزراء الثانويين. ولكن، لماذا يستقيل الوزراء؟ بل السؤال الأكثر إثارة للدهشة: لماذا لا يستقيل البعض منهم؛ مع أن الأولى بهم أن يفعلوا؟.

لابد أن يكون للحدس دور في تعميمنا لغياب الإحصاءات الدقيقة في حالتنا هذه. عادة، يستقيل الوزراء لتورطهم في فضائح معينة، وفي أيامنا هذه غالباً ما تكون هذه الفضائح مرتبطة بمصادر تمويل الأحزاب السياسية. وفي إيطاليا على سبيل المثال، يصادف المرء أشباح آثام مشابهة.

يستقيل بعض الوزراء لأسباب توصف "بالشخصية"، وقد تضم مثل هذه الأسباب عوامل أكثر إجباراً؛ مثل ما توحي به استقالة رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية جورج تينيت. ولكن رئيس الوزراء البريطاني خسر واحداً من أكثر أصدقائه ولاءاً باستقالة آلان ميلبورن، الذي قال، حقيقةً، بأنه يرغب بقضاء وقت أطول مع عائلته.

وقد خسر طوني بلير، إضافة إلى ذلك، وزير خارجيته روبين كوك ومساعدته في أمور التنمية كلير شورت، وذلك للاختلاف الواضح في النهج السياسي ـ فيما يتعلق بالحرب على العراق ـ الأمر الذي دفعهما للانسحاب. ولكن يبقى السيد كوك حتى اليوم، سياسيٌ ينتظر فرصته.

وفي نفس الوقت نجد أن وزير دفاع بلير، جيف هوون، ونظيره الأمريكي دونالد رامسفيلد مستقران في مركزيهما. ولا يبدو اشتراك أي منهما في فضيحة ظاهرة واضحاً، ولكن وفي نفس الوقت، لا نراهما معارضان للسياسات التي يرسمهما رئيساهما. بل على العكس، نجد بأنهما لا يدعمان هذه السياسات فحسب، بل يدافعان عن انحرافاتها بعناد ـ نطرح كمثال هنا، إساءة التعامل مع أسرى الحرب. ويبدو أن هؤلاء الوزراء يأمرون ببدء التحقيقات، ويحيدون جنرالات، لا بل في بعض الأحيان، يرغمون الجنرالات على التقاعد المبكر، ويلفقون الحقائق ويغيرونها أمام المحاكم العسكرية، ولكن يبدو بأنهم لا يرون سبباً يدفعهم للاستجابة لطلب أعضاء الكونغرس أو البرلمان، ناهيك عن الرأي العام، المطالب باستقالتهم هم.

تبدو الحالة العراقية درامية، ولكن حالات أقل أهمية ووضوحاً تفي بإيصال الفكرة نفسها. فعلى سبيل المثال نجد أن وزير النقل الألماني كان المشرف على مشروع طرقي كارثي الخسائر، كان قد أعلن عنه بفخر سابقاً، ولكنه منح فرصة جديدة لإعادة الكرة، وذلك لإلقائه باللوم والمسؤولية على جهات أخرى ـ كانت في هذه الحالة شركات التعهدات الخاصة ـ. ويبدو أن الوزير قادر على التملص من أي مسؤولية أو ملاحقة عن أي مشروع لم يكن له اشتراك مباشر فيه في حال حصول أي شيء غير مقبول، وذلك بتوجيهه لإصبع الاتهام نحو المتعهد المسؤول عن تنفيذ سياسات أو مشاريع تمت الموافقة عليها بالأصل.

هل كان الأمر دائماً على هذا النحو؟ نحن نتمنى صحة العكس. وعلى كل حال، يخطر على بالنا قيمتان أخلاقيتان أساسيتان منسيتان دوماً في حديثنا عن الحكومة والحكم في يومنا هذا؛ إنهما المسؤولية، والشرف. تشكل هاتان القيمتان، أو على الأقل كانتا تشكلان جزءاً أساسياً من أخلاقيات الحكم.

تقضي المسؤولية بأن الوزراء محاسبون ومسؤولون عن كل ما يجري في محيطهم. لا بل أنهم هم المسؤول الوحيد إذا أردنا الكلام الدقيق. وفي النظم البرلمانية، يجب عليهم أن يقفوا أمام ممثلين مختارين عن الناس، لشرح وتفسير الأمور التي تحدث.

ولا يكفي، لأنهم هم وحدهم المسؤولون المباشرون، أن يشير الوزراء إلى أي جهة لإلقاء اللائمة عليها في حال من الأحوال. وبما أن الموظفين الحكوميين لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم بنفس الطريقة؛ لابد أن يدافع وزراؤهم عنهم. وفي حال ساءت الأمور لحد يمنع وزرائهم من الدفاع عنهم؛ لا بد أن يدفعوا عن عواقب أفعالهم، ولكن تبقى مسؤولية الوزراء واضحة عن هذه الأفعال.

من المناسب أن نقول بأن رامسفيلد لم يوافق على الانتهاكات التي حصلت مع الأسرى العراقيين، ناهيك عن أن يأمر بها، ولكن يبقى السؤال المزعج حائماً؛ هل مرت أوامر أو تقارير تتحدث عن هذه الانتهاكات أو مايتعلق بها على مكتبه؟ وفي كلا الحالتين يبقى رامسفيلد مسؤولاً مسؤولية واضحة لا جدال فيها عن الأمور التي تحدث تحت قيادته. ولا يمكنه التهرب من هذه المسؤولية، حتى لو تم التعرف على المسؤولين المباشرين ومعاقبتهم.

هنا يأتي دور المفهوم الثاني؛ الشرف. قد تبدو هذه القيمة قديمة (موضة قديمة)، ولكنها تقول في حالة رامسفيلد:

قد لا يكون الوزير مسؤولاً قانوناً عن فضيحة تعذيب الأسرى العراقيين، وبالتالي لا يوجد عليه التزام قانوني بالاستقالة، ولكن الشرف يقضي باستقالته. لا تعبر هذه الخطوة عن وعي الوزير الكامل بعبء مسؤولياته فحسب؛ بل إنها تقول بأنه يضع نزاهة المؤسسات الديمقراطية فوق مصالحة الشخصية، ناهيك عن المفاهيم التي يخدمها ويمثلها.

إن الديمقراطية ثمينة، ولكنها أيضاً مؤلفة من مجموعة من المفاهيم الثمينة. وإذا أردنا أن نقنع الآخرين باعتناقها، فإن علينا أن نبين للآخرين بأننا لا نؤمن بالانتخابات والأكثريات فحسب؛ بل إننا نؤمن بفضيلتي المسؤولية والشرف.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.