8

الديون والوهم

نيو هافن ـ إن خبراء الاقتصاد يعشقون الحديث عن العتبات التي يعني عبورها الوقوع في متاعب جمة. وعادة، لا تخلو أحاديثهم هذه من مسحة من الحقيقة. ولكن عامة الناس يبالغون في الكثير من الأحوال في تفاعلهم مع مثل هذه الأحاديث.

ولنتأمل هنا على سبيل المثال نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي التي تحتل الكثير من عناوين الأخبار في هذه الأيام في أوروبا والولايات المتحدة. فيقال في بعض الأحيان، وفي نفس الوقت تقريبا، إن ديون اليونان تعادل 153% من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي، وإن اليونان مفلسة. وعندما تقترن هذه البيانات بالمواد التلفزيونية التي بثت مؤخراً ليونانيين يمارسون أعمال شغب في الشوارع، فكيف قد يبدو الأمر في نظركم؟

هنا في الولايات المتحدة، قد يبدو ذلك المشهد صورة لمستقبلنا، حيث اقترب الدين العام بشكل خطير من 100% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي ولا زال يواصل الارتفاع. ولكن لعل هذه الصورة المنطبعة في أذهاننا أقوى مما ينبغي لها. تُرى هل يتصور الناس أن أي دولة تصبح مفلسة إذا تجاوز دينها 100% من ناتجها المحلي الإجمالي؟

هذا محض هراء. ذلك أن الدين (الذي يقاس بوحدات نقدية) والناتج المحلي الإجمالي (الذي يقاس بالوحدات النقدية عن كل وحدة من الوقت) ينتج لنا نسبة في وحدات من الزمن الخالص. وليس هناك من الأسباب الوجيهة ما قد يدعونا إلى استخدام السنة كوحدة لهذا القياس. فالسنة ليست أكثر من الزمن الذي يستغرقه دوران الأرض حول الشمس، وهو ما لا يحمل في حد ذاته أية أهمية اقتصادية خاصة، ربما باستثناء الصناعات الموسمية مثل الزراعة.

يتعين علينا أن نتذكر هذا من مادة العلوم التي تعلمناها في المدرسة الثانوية: يتعين علينا دوماً أن ننتبه إلى وحدات القياس. وإذا تعالمنا مع الوحدات الخطأ فهذا يعني الارتباك التام.

إذا لم يتعود خبراء الاقتصاد على تحويل بيانات الناتج المحلي الإجمالي الفصلية إلى سنوية وضرب الناتج المحلي الإجمالي الفصلي في أربعة، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليونان تصبح أعلى بأربعة أمثال ما هي عليه الآن. وإذا تعودوا على حساب الناتج المحلي الإجمالي لعقد قادم من الزمان، فإن حاصل ضرب الناتج المحلي الإجمالي الفصلي في أربعين بدلاً من أربعة يجعل عبء الدين اليوناني 15%. ومن منظور قدرة اليونان على السداد، فإن هذه الوحدات تصبح أكثر منطقية، وذلك لأن اليونان لن تضطر إلى دفع دينها بالكامل في عام واحد (ما لم تتفاقم الأزمة إلى الحد الذي يستحيل معه على اليونان أن تعيد تمويل دينها الحالي).

ولا ينبغي لنا أن ننسى أن بعض الدين الوطني اليوناني مملوك ليونانيين. وهذا يعني أن عبء الدين لا يعبر على الإطلاق عن حجم التزامات اليونانيين تجاه اليونانيين (في هيئة التزامات عائلية في الأغلب). والواقع أن نسبة الدين على الناتج المحلي الإجمالي السنوي (بما في ذلك الديون غير الرسمية) سوف تتجاوز 100% في أي حقبة من حقب التاريخ.

إن أغلب الناس لا يفكرون في هذا أبداً عندما يتعاملون مع الأرقام الرئيسية لنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. ولكن هل من الممكن أن يبلغ بهم الغباء حقاً حد اختلاط الأمر عليهم بسبب هذه النسب؟ من واقع خبرتي الشخصية، أظن ذلك، فحتى أنا بوصفي خبيراً اقتصادياً محترفاً، كنت أجد نفسي في بعض الأحيان مضطراً إلى منع نفسي من الوقوع في نفس الخطأ.

إن خبراء الاقتصاد الذين يلتزمون بنماذج التوقعات العقلانية للعالم لن يعترفوا بذلك أبدا، ولكن الكثير مما يحدث في الأسواق يحركه الغباء المحض عادة ـ أو بالأحرى، عدم الانتباه، والتضليل حول الأساسيات، والمبالغة في التركيز على القصص الشائعة حاليا.

إن ما يحدث في اليونان الآن حقاً عبارة عن عملية تقوم على آلية المردود الاجتماعي. فقد بدأ شيء ما في دفع المستثمرين على الخوف من أن تكون سندات الدين اليونانية تحمل قدراً أعلى قليلاً من مخاطر العجز عن السداد في نهاية المطاف. وبالتالي في انخفاض الطلب على الديون اليونانية أدى إلى هبوط سعرها، وهذا يعني ارتفاع عائدها من حيث أسعار الفائدة في السوق. وهذه المعدلات الأعلى جعلت عملية إعادة تمويل الديون أكثر تكلفة بالنسبة لليونان، الأمر الذي أدى على خلق أزمة مالية أرغمت الحكومة على فرض تدابير تقشف صارمة، وبالتالي اضطرابات عامة وانهيار اقتصادي، وهو ما غذى قدراً أعظم من شكوك المستثمرين بشأن قدرة اليونان على سداد ديونها.

وهذا المردود لا علاقة له بتجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي السنوية عتبة ما، ما لم يكن الناس الذي يساهمون في هذا المردود يؤمنون بهذه النسبة. لا شك أن النسبة عبارة عن عامل من شأنه أن يساعدنا في تقييم مخاطر المردود السلبي، لأن الحكومة لابد وأن تعيد ��مويل الديون القصيرة الأجل في وقت أقرب، وإذا دفعت الأزمة أسعار الفائدة إلى الارتفاع فسوف تجد الحكومة نفسها في مواجهة ضغوط شديدة تدفعها إلى فرض تدابير التقشف المالي إن آجلاً أو عاجلا. ولكن النسبة ليست السبب وراء ذلك المردود.

في الآونة الأخيرة، عكف المعلقون على النقل على نطاق واسع من بحث أجراه في العام الماضي كينيث روجوف وكارمن راينهارت، تحت عنوان "النمو في زمن الديون". فقد حلل ذلك البحث 44 دولة على مدى 200 عام، وتوصل إلى أن الدول تعاني من تباطؤ النمو عندما تتجاوز الديون الحكومية 90% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يجعلها تخسر نحو نقطة مئوية واحدة من المعدل السنوي.

وقد يتصور المرء عن طريق الخطأ أن نسبة 90% تبدو رهيبة لأنها قريبة من 100%، وهذا يعني أن أموراً فظيعة لابد وأن تبدأ في الحدوث للبلدان التي تقع في مثل هذه الفوضى. ولكن إذا قرأنا البحث بعناية، فسوف يتضح لنا أن كارمن راينهارت وكينيث روجوف اختارا النسبة 90% بشكل يكاد يكون عشوائيا. فقد اختارا من دون تقديم أي تفسير تقسيم نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى الفئات التالية: تحت 30%، ومن 30 إلى 60%، ومن 60 إلى 90%. ولقد تبين أن معدلات النمو تنحدر في كل هذه الفئات مع زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، ولكن الانحدار كان أكثر قليلاً في الفئة الأخيرة.

وهناك أيضاً قضية السببية العكسية. إن نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تميل على الزيادة في البلدان التي تعاني من متاعب اقتصادية. وإذا كان هذا جزءاً من السبب الذي يجعل نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي الأعلى تتوافق مع تضاؤل النمو الاقتصادي، فليس هناك من الأسباب الوجيهة ما قد يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الدول لابد وأن تتجنب النسب الأعلى، كما تشير نظرية جون ماينارد كينز ضمناً إلى أن التقشف المالي من شأنه أن يقوض الأداء الاقتصادي لا أن يعززه.

إن المشكلة الأساسية التي يواجهها أغلب العالم الآن هي أن المستثمرين يبالغون في التفاعل مع نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، فيشعرون بالخوف من عتبة سحرية، ويطالبون ببرامج تقشف مالي قبل الأوان. فهم يطلبون من الحكومات أن تخفض إنفاقها في حين لا يزال اقتصاد بلدانهم ضعيفا. وبالتالي فإن الفزع يتملك من الأسر، فتخفض هي أيضاً إنفاقها، وتعزف الشركات عن الاقتراض لتمويل الإنفاق الرأسمالي.

إن الدرس بسيط: يتعين علينا أن نقتصد في قلقنا وانزعاجنا بشأن نسب الدين والعتبات، وأن نزيد من اهتمامنا بعلاج عجزنا عن رؤية هذه المؤشرات على حقيقتها المصطنعة ـ وعدم أهميتها غالبا.