Tuesday, October 21, 2014
8

الديون والوهم

نيو هافن ـ إن خبراء الاقتصاد يعشقون الحديث عن العتبات التي يعني عبورها الوقوع في متاعب جمة. وعادة، لا تخلو أحاديثهم هذه من مسحة من الحقيقة. ولكن عامة الناس يبالغون في الكثير من الأحوال في تفاعلهم مع مثل هذه الأحاديث.

ولنتأمل هنا على سبيل المثال نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي التي تحتل الكثير من عناوين الأخبار في هذه الأيام في أوروبا والولايات المتحدة. فيقال في بعض الأحيان، وفي نفس الوقت تقريبا، إن ديون اليونان تعادل 153% من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي، وإن اليونان مفلسة. وعندما تقترن هذه البيانات بالمواد التلفزيونية التي بثت مؤخراً ليونانيين يمارسون أعمال شغب في الشوارع، فكيف قد يبدو الأمر في نظركم؟

هنا في الولايات المتحدة، قد يبدو ذلك المشهد صورة لمستقبلنا، حيث اقترب الدين العام بشكل خطير من 100% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي ولا زال يواصل الارتفاع. ولكن لعل هذه الصورة المنطبعة في أذهاننا أقوى مما ينبغي لها. تُرى هل يتصور الناس أن أي دولة تصبح مفلسة إذا تجاوز دينها 100% من ناتجها المحلي الإجمالي؟

هذا محض هراء. ذلك أن الدين (الذي يقاس بوحدات نقدية) والناتج المحلي الإجمالي (الذي يقاس بالوحدات النقدية عن كل وحدة من الوقت) ينتج لنا نسبة في وحدات من الزمن الخالص. وليس هناك من الأسباب الوجيهة ما قد يدعونا إلى استخدام السنة كوحدة لهذا القياس. فالسنة ليست أكثر من الزمن الذي يستغرقه دوران الأرض حول الشمس، وهو ما لا يحمل في حد ذاته أية أهمية اقتصادية خاصة، ربما باستثناء الصناعات الموسمية مثل الزراعة.

يتعين علينا أن نتذكر هذا من مادة العلوم التي تعلمناها في المدرسة الثانوية: يتعين علينا دوماً أن ننتبه إلى وحدات القياس. وإذا تعالمنا مع الوحدات الخطأ فهذا يعني الارتباك التام.

إذا لم يتعود خبراء الاقتصاد على تحويل بيانات الناتج المحلي الإجمالي الفصلية إلى سنوية وضرب الناتج المحلي الإجمالي الفصلي في أربعة، فإن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليونان تصبح أعلى بأربعة أمثال ما هي عليه الآن. وإذا تعودوا على حساب الناتج المحلي الإجمالي لعقد قادم من الزمان، فإن حاصل ضرب الناتج المحلي الإجمالي الفصلي في أربعين بدلاً من أربعة يجعل عبء الدين اليوناني 15%. ومن منظور قدرة اليونان على السداد، فإن هذه الوحدات تصبح أكثر منطقية، وذلك لأن اليونان لن تضطر إلى دفع دينها بالكامل في عام واحد (ما لم تتفاقم الأزمة إلى الحد الذي يستحيل معه على اليونان أن تعيد تمويل دينها الحالي).

ولا ينبغي لنا أن ننسى أن بعض الدين الوطني اليوناني مملوك ليونانيين. وهذا يعني أن عبء الدين لا يعبر على الإطلاق عن حجم التزامات اليونانيين تجاه اليونانيين (في هيئة التزامات عائلية في الأغلب). والواقع أن نسبة الدين على الناتج المحلي الإجمالي السنوي (بما في ذلك الديون غير الرسمية) سوف تتجاوز 100% في أي حقبة من حقب التاريخ.

إن أغلب الناس لا يفكرون في هذا أبداً عندما يتعاملون مع الأرقام الرئيسية لنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي. ولكن هل من الممكن أن يبلغ بهم الغباء حقاً حد اختلاط الأمر عليهم بسبب هذه النسب؟ من واقع خبرتي الشخصية، أظن ذلك، فحتى أنا بوصفي خبيراً اقتصادياً محترفاً، كنت أجد نفسي في بعض الأحيان مضطراً إلى منع نفسي من الوقوع في نفس الخطأ.

إن خبراء الاقتصاد الذين يلتزمون بنماذج التوقعات العقلانية للعالم لن يعترفوا بذلك أبدا، ولكن الكثير مما يحدث في الأسواق يحركه الغباء المحض عادة ـ أو بالأحرى، عدم الانتباه، والتضليل حول الأساسيات، والمبالغة في التركيز على القصص الشائعة حاليا.

إن ما يحدث في اليونان الآن حقاً عبارة عن عملية تقوم على آلية المردود الاجتماعي. فقد بدأ شيء ما في دفع المستثمرين على الخوف من أن تكون سندات الدين اليونانية تحمل قدراً أعلى قليلاً من مخاطر العجز عن السداد في نهاية المطاف. وبالتالي في انخفاض الطلب على الديون اليونانية أدى إلى هبوط سعرها، وهذا يعني ارتفاع عائدها من حيث أسعار الفائدة في السوق. وهذه المعدلات الأعلى جعلت عملية إعادة تمويل الديون أكثر تكلفة بالنسبة لليونان، الأمر الذي أدى على خلق أزمة مالية أرغمت الحكومة على فرض تدابير تقشف صارمة، وبالتالي اضطرابات عامة وانهيار اقتصادي، وهو ما غذى قدراً أعظم من شكوك المستثمرين بشأن قدرة اليونان على سداد ديونها.

وهذا المردود لا علاقة له بتجاوز نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي السنوية عتبة ما، ما لم يكن الناس الذي يساهمون في هذا المردود يؤمنون بهذه النسبة. لا شك أن النسبة عبارة عن عامل من شأنه أن يساعدنا في تقييم مخاطر المردود السلبي، لأن الحكومة لابد وأن تعيد تمويل الديون القصيرة الأجل في وقت أقرب، وإذا دفعت الأزمة أسعار الفائدة إلى الارتفاع فسوف تجد الحكومة نفسها في مواجهة ضغوط شديدة تدفعها إلى فرض تدابير التقشف المالي إن آجلاً أو عاجلا. ولكن النسبة ليست السبب وراء ذلك المردود.

في الآونة الأخيرة، عكف المعلقون على النقل على نط��ق واسع من بحث أجراه في العام الماضي كينيث روجوف وكارمن راينهارت، تحت عنوان "النمو في زمن الديون". فقد حلل ذلك البحث 44 دولة على مدى 200 عام، وتوصل إلى أن الدول تعاني من تباطؤ النمو عندما تتجاوز الديون الحكومية 90% من الناتج المحلي الإجمالي، الأمر الذي يجعلها تخسر نحو نقطة مئوية واحدة من المعدل السنوي.

وقد يتصور المرء عن طريق الخطأ أن نسبة 90% تبدو رهيبة لأنها قريبة من 100%، وهذا يعني أن أموراً فظيعة لابد وأن تبدأ في الحدوث للبلدان التي تقع في مثل هذه الفوضى. ولكن إذا قرأنا البحث بعناية، فسوف يتضح لنا أن كارمن راينهارت وكينيث روجوف اختارا النسبة 90% بشكل يكاد يكون عشوائيا. فقد اختارا من دون تقديم أي تفسير تقسيم نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى الفئات التالية: تحت 30%، ومن 30 إلى 60%، ومن 60 إلى 90%. ولقد تبين أن معدلات النمو تنحدر في كل هذه الفئات مع زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، ولكن الانحدار كان أكثر قليلاً في الفئة الأخيرة.

وهناك أيضاً قضية السببية العكسية. إن نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تميل على الزيادة في البلدان التي تعاني من متاعب اقتصادية. وإذا كان هذا جزءاً من السبب الذي يجعل نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي الأعلى تتوافق مع تضاؤل النمو الاقتصادي، فليس هناك من الأسباب الوجيهة ما قد يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الدول لابد وأن تتجنب النسب الأعلى، كما تشير نظرية جون ماينارد كينز ضمناً إلى أن التقشف المالي من شأنه أن يقوض الأداء الاقتصادي لا أن يعززه.

إن المشكلة الأساسية التي يواجهها أغلب العالم الآن هي أن المستثمرين يبالغون في التفاعل مع نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، فيشعرون بالخوف من عتبة سحرية، ويطالبون ببرامج تقشف مالي قبل الأوان. فهم يطلبون من الحكومات أن تخفض إنفاقها في حين لا يزال اقتصاد بلدانهم ضعيفا. وبالتالي فإن الفزع يتملك من الأسر، فتخفض هي أيضاً إنفاقها، وتعزف الشركات عن الاقتراض لتمويل الإنفاق الرأسمالي.

إن الدرس بسيط: يتعين علينا أن نقتصد في قلقنا وانزعاجنا بشأن نسب الدين والعتبات، وأن نزيد من اهتمامنا بعلاج عجزنا عن رؤية هذه المؤشرات على حقيقتها المصطنعة ـ وعدم أهميتها غالبا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (8)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedKeven Vance

    I don't understand this at all. Yes, debt/GDP is a unit of time, so a debt ratio of 150 percent is in fact 1.5 years. But there's a natural interpretation: it would take 1.5 years for an economy to produce output sufficient to repay the entire debt. And given the limits that exist on a government's ability to appropriate output, it's easy to see why larger numbers would be bad. And the argument about how the debt ratio would be four times larger if we used quarterly GDP is just wrong. If we used quarterly data, the debt ratio example above would be six quarters, and if we used monthly data it would be 18 months. It's exactly the same.

  2. CommentedVan Poppel charles

    when I read this and other studies of Prof Shuller, I am wondering why he missed the 2012 reward of economics Nobel price; or is /was he too keynesian minded?

  3. CommentedMatthew Cowan

    There are a lot of delusions about government debt and deficits, including a popularly held delusion that the debt/GDP ratio is not extremely important.

    We need only look at our own history and the experiences of other countries to prove that it is important. In the US, we experienced an excellent economy for the latter half of the 1990's following congressional bills passed to reform spending and balance budgets.

    Conversely, in the US we have experienced an anemic recovery over the past 3 years despite record high levels of spending and deficits. Keynesian theory would dictate that our economy should have taken off given the level of deficit spending we've engaged in with 4 consecutive $1 trillion+ deficits, yet unemployment remains at historically high levels and real GDP growth is well below historical trends.

    In other countries, the same story proves accurate. The Northern European countries fared very well, comparatively, during the most recent global slowdown when compared to countries that engaged in deficit spending and increased the debt/GDP.

    Japan, in particular, has engaged in the largest scale buildup of debt over the past 20+ years. From 1980-1990, its debt/GDP ratio was relatively stable at about 70%. It experienced a recession in 1990 and began increasing its debt/GDP ratio in order to spend its way out of the crisis. Real GDP growth from 1980-1990 ranged from 3%-5% in Japan and since 1990-present GDP growth has ranged from 0%-2.5%.

    Economists who write off a loss of 1% per year of GDP growth in order to justify higher debt/GDP ratios, typically because it favors their political priorities, forget the most powerful concept of finance and economics: compounding. One percent in any given year is not the end of the world (although it is about $160 B of GDP in the US, not a small amount by any standard), but compound that out over several years and you've missed out on quite a bit of economic growth.

    Debt/GDP ratios do matter. The 1 year convention is what it is and if we used the 10 year convention, the issues would still be the same, it would just be the critical 10% threshold that was surpassed. It is sad to see an economist write off a metric of economic peformance as not a big deal. Perhaps he won't give out grades to his students this year because they aren't that important either.

  4. CommentedStefan Schuetzinger

    I like Shillers' unorthodox approach. But he is wrong in a fundamental point. We don't count debts in GDP per year, because our thinking is "in years", but because interest capitalizes after 365 days. So a year has "a particular economic significance".

    I agree, that the 100%-threshold is - to a certain extent -irrational. But is Mr. Shiller willing to lend his money to an economy, which is not competive and which has already accumulated a huge debt-burden ?


  5. CommentedPierluigi Molajoni

    The lesson is simple: we should worry less, but for the fact that governments have borrowed from investors driven by pure stupidity – or, rather, inattention, misinformation about fundamentals, and an exaggerated focus on currently circulating stories.
    Read more at http://www.project-syndicate.org/commentary/debt-and-delusion#CXQGpKclRJh1Hp7z.99

  6. CommentedKapil Khetan

    All debt including zero coupon debt, can be quoted as having some annual interest cost. So don't see why Prof Shiller makes such a big deal about a rough ratio. Naturally, one can get more accurate by discussing interest coverage (interest payment divided by taxes collected). Interesting to hear Prof Shiller's criticism, but would have been even better to hear about the alternative suggested.

  7. Commentedphilip meguire

    Shiller makes a good point, one grounded in the careful attention to units of measurement that he (and I) were taught in high school. GDP is a flow per unit time. GDP is reported annually and quarterly. This is convenient and conventional, but also entirely arbitrary. Hence the denominator of the debt to GDP ratio features a periodic time unit, the choice of which is arbitrary. The longer the time unit, the lower the ratio. Hence the ratio of debt to GDP is arbitrary and meaningless.

    However, Shiller seems to imply that there is no need to worry about the level of govt. borrowing, and that is an impression I wish to forestall.

    I submit that there are basic three categories of public debt. that held by (1) the central bank and public trust funds, (2) by domestic private parties, and (3) foreign entities. Finally, there is (4), debt used to finance long lived infrastructure projects, about which I will say no more than that this is a very valid use of the govt's borrowing power. (1) is scarcely debt at all, because what is a liability to the Treasury is also an asset of another branch of the Federal govt. (3) is the most troubling, especially when the debt is denominated in a foreign currency (a problem for the PIGS but not for the USA).

    So anything divided by GDP should have the same time unit as GDP itself. I propose the interest paid on the debt, calculated for each of (2) and (3) in the preceding paragraph. This is a measure of the carrying cost of the part of the Federal debt that is owed to parties outside the Federal govt.

    The USA NIPA report the interest paid on (3). The Fed discloses the interest on the Federal debt it holds. So far so good. But calculating the interest paid on debt held by Federal govt. trust funds is not easy. (2) is easily calculated as the residual after calculating (3) and (1), but I bet calculating (1) will prove elusive. I invite the NIPA, especially Table 3.2, to adopt the framework I set out here.

    The only way to evaluate the interest to GDP ratio is relative to the historical record. Recent values of the interest to GDP ratios calculated from the available NIPA data are not too worrying, simply because nominal interest rates are so low. But current nominal rates imply negative real rates. When interest rates rise, the interest to GDP ratio will rise, as will the fraction of every Federal tax dollar devoted to interest on the privately held public debt. Taxes will have to rise, or current government expenditure will have to be cut. This is the sense in which the rise in Treasury borrowing this century amounts to a Sword of Damocles hung over the American economy.

    The problem is that two tax-related ratios currently have values that are unusually low by historical norms. One such ratio is that of Federal income and payroll taxes to nonimputed personal income. The other is of corporate income taxes to corporate cash flows, which is lower now than at any time since the Great Depression. Raising those ratios to the their average levels over 1987-2007 would generate approximately 350B of tax revenue. Further tax increases and expenditure cuts may be needed to get our house in order.

    The Flow of Funds accounts reveal that American corporations currently hold about 2.5 trillion of financial assets having a low risk of capital gain or loss. Corporate profits are at an all-time high, but capital expenditures are anemic. I conclude that the American corporate sector broadly understands that current American fiscal policy is a temporary fool's paradise.

  8. CommentedFernando Fuster-Fabra

    The most sensible analysis I have read in decades that makes macro-Economic more understandable. Without being an economist but with wide experience in project management, I have always argued against the average and median stats delivered by economic experts with little or no considerations of "time" as a resource. It has been my point of view that all projects handle 3 basic resources money & materials, human resources and time. If you are short of one, then you need to compensate with any of the two others. Thus, in a systemic crisis as the one today, we need more time to pay up debt and/or more money to produce growth.

Featured