Thursday, April 17, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الديون وانحدار أميركا

ميلانو ـ إن الإيطاليين والأوروبيين عموماً يعانون من مشاكل خطيرة فيما يتصل بمعالجة ديونهم الوطنية، العامة والخاصة. لذا فقد يبدو من قبيل الغطرسة وعدم اللياقة أن يناقش أحد الأوروبيين مشكلة الديون الأميركية المتنامية والخطيرة. بيد أن الحقائق المالية على جانبي الأطلسي متشابهة للغاية في وقتنا الحاضر، والقدر المتبقي من الثقة في وعد أميركا هو وحده الذي يساعد في إحياء آمال وتوقعات بعض الأوروبيين في أن يعمل انقلاب مسرحي أميركي عظيم على حل مشكلة الديون الخطيرة التي تعاني منها البلاد.

لا شك أن العديد من الأميركيين يدركون حجم أعباء الديون الهائل. ومؤخراً قال الأدميرال مايك مولين، رئيس هيئة الأركان المشتركة وبالتالي أعلى رتبة عسكرية في أميركا: "إن الخطر الأعظم الذي يهدد الأمن الأميركي يأتي من الديون الوطنية". والواقع أن أربعة من كل عشرة أميركيين يتفقون معه في هذا الرأي، في حين يرى أقل من ثلاثة من كل عشرة أن الإرهاب أو إيران أعظم خطراً من مشكلة الديون.

إن مكانة أميركا باعتبارها قوى عظمى كانت دوماً مرتبطة بمستوى ديونها. فكان غياب الديون من أهم السمات التي صاحبت ظهور الولايات المتحدة كقوى عظمى أثناء الفترة بين عامي 1914 و1917. فبعد أن كانت الولايات المتحدة مدينة بثلاثة مليارات دولار (أغلب هذا الدين كان لبريطانيا العظمى) أصبحت دائنة لنفس المبلغ تقريباً، وذلك بفضل ستة مليارات من الاعتمادات الحربية التي مُنِحَت للحلفاء الغربيين. وساعدت ثلاثة مليارات أخرى من الدولارات، في هيئة اعتمادات خصصت لإعادة بناء أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب، في ترسيخ مكانة أميركا باعتبارها الدولة الدائنة الأولى على مستوى العالم، حيث بلغ الفائض لديها ما يعادل 8% تقريباً من ناتجها الوطني الإجمالي في ذلك الوقت.

وكان هذا التحول يعني أن الولايات المتحدة حلت في محل بريطانيا بوصفها قلب النظام المالي والنقدي على مستوى العالم. في السابق، وبفضل معيار الذهب والاستقرار السياسي في بريطانيا، كانت مدينة لندن تُعَد المصدر الرئيسي على مستوى العالم لرأس المال والضمانات المالية لأكثر من قرن من الزمان.

ثم بدأ العصر الجديد فجأة في يناير/كانون الثاني من عام 1915، حين بدأ شحن الذهب إلى نيويورك بكميات متزايدة بعد بضعة أشهر من التشكك العميق. وقبل بضعة أشهر كان الخبير المالي المخضرم هنري لي هيجنسون من بوسطن قد رسم في رسالة إلى الرئيس وودرو ويلسون الاستراتيجية الجديدة التي يتعين على أميركا أن تتبناها فقال: "هذه فرصتنا لاحتلال المركز الأول". وكان لابد من ترتيب البيت المالي في أميركا، وسداد جميع الديون، وكما فعلت لندن لفترة طويلة كان لابد من الحفاظ على الثقة، وهو ما كان يعني ضمان قابلية تحويل الدولار إلى ذهب.

ونجحت الولايات المتحدة وحدها بين الدول الكبرى على مستوى العالم في ضمان قابلية  الدولار للتحويل طيلة فترة الحرب العظمى. وبحلول السلام أصبح الدولار ووال ستريت يشكلان القوة المهيمنة على الساحة المالية العالمية. وتمكن الدولار بفضل قواعد السوق المالية التي تأسست بعد عام 1933 بواسطة الصفقة الجديدة للرئيس فرانكلين روزفلت من الحلول في محل الجنيه البريطاني في قلب النظام الدولي.

وعلى مدى السنوات الأربعين التالية ظلت أميركا تلعب دور المصرفي العالمي بلا منازع، إلى أن قرر الرئيس ريتشارد نيكسون فك الارتباط بين الدولار الذهب. ولكن حتى من دون معيار الذهب ساعدت قوة أميركا الاقتصادية، إلى جانب إعادة تدوير أموال النفط، في إبقاء الدولار على القمة.

والواقع أن الولايات المتحدة ظلت تحتل مرتبة الدولة الدائنة الأولى على مستوى العالم حتى عام 1986-1987، حين أصبحت دولة مدينة مرة أخرى. وعلى مدى العقدين التاليين، كان الدين الأميركي يبلغ عادة نحو 3 تريليون دولار، مع الارتفاع أو الانخفاض طبقاً لسعر صرف الدولار.

وبداية من عام 1990، بدأت الولايات المتحدة في استيراد المزيد والمزيد من رؤوس الأموال، وخاصة من آسيا. وفي السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين أصبحت الصين المصدر الرئيسي لتمويل الدين الأميركي، وكان الأميركيون سعداء لأن هذا أتاح لبنك الاحتياطي الفيدرالي الفرصة لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة.

ولقد توقع البعض المخاطر المحتملة، فتنبأ الخبير الاقتصادي السويدي أكسيل ليونهوفود بتضخم أسعار الأصول ـ المساكن بشكل خاص ـ وتدهور جودة الائتمان. وسرعان ما تسببت الابتكارات المالية الجديدة في تحقيق هذه النبوءة. ويكفينا أن نتذكر أن العالم في عام 2008 كان يحتوي على 12 شركة عامة فقط حاصلة على تقييم ائتماني ممتاز (أأأ) على مستوى العالم، ولكن أكثر من ستين ألف من المنتجات المالية ـ أغلبها أميركية ـ الحاصلة على نفس التقييم الائتماني. وتحولت الولايات المتحدة، المصرفي العالمي، إلى صندوق تحوط عالمي.

ومع هذا التغيير، أصبحت الضرورة التقليدية الواجب توفرها في المصرفي من الحفاظ على الإخلاص والثقة في طي النسيان. وفي الدين العام الأميركي تجمع حطام الوعود المالية الزائفة، تماماً كما يعكس الدين العام الإيطالي الهائل الآن الماضي الوطني المبذر.

والواقع أن الأرقام في الولايات المتحدة مذهلة. فالدين العام لا يشتمل على دين الحكومة الفيدرالية الحالي الذي بلغ 13,2 تريليون دولار فحسب، بل ويضم أيضاً 3 تريليون دولار مستحقة على الولايات والمقاطعات والمدن الأميركية. وبالإضافة إلى هذا، هناك 3,9 تريليون من الديون المستحقة على وكالات تمويل الإسكان المدعومة من الحكومة (فاني ماي، وفريدي ماك، وغيرهما)، التي تتعهد الآن بأكثر من 90% من إجمالي القروض العقارية في الولايات المتحدة. ونتيجة لهذا، فقد بلغ الدين العام الأميركي نحو 140% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويدرك الكونجرس الأميركي تماماً ما الذي تنذر به هذه الأرقام، ولكن أعضاءه اختاروا أن يتجاهلوا الأمر. والواقع أن الرئيس لم يعد مطالباً بتقديم التوقعات المفيدة المعتادة للموقف المالي للبلاد على مدى خمسة أعوام مقبلة، بل أصبحت توقعات الموقف المالي لعام واحد مقبل وافية بالغرض.

ولكن إلى أين يقود كل هذا الاقتصاد العالمي؟ لا توجد قوة عظمى ناشئة حديثاً قادرة على تحمل المسؤولية عن التمويل العالمي، كما كانت الحال في عام 1914. فآنذاك، كان وال ستريت على استعداد لتولي هذه المهمة. وذات يوم قد تصبح شنغهاي أو هونج كونج مستعدة لتولي مثل هذه المهمة، ولكن هذا الاحتمال لن يفيدنا كثيراً الآن.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured